ما أن خرج الأردنيون من الاحتجاجات التي عمّت أرجاء المملكة ضد سياسات الحكومة الاقتصادية، حتى انشغلوا بوفاة شخصين في مركزي توقيف وإصلاح، بظرف أسبوع واحد.

بتاريخ التاسع من حزيران الفائت، عقد مدير الأمن العام اللواء فاضل الحمود، مؤتمرا صحفيا لرؤساء تحرير وبحضور مدير ورؤساء الشعب والأقسام في إدارة البحث الجنائي، قال فيه أن "ممارسات الضرب والتعذيب والإساءة اللفظية والجسدية هي ليست في قواميسنا الشرطية ولا الاجتماعية والأخلاقية"، وذلك عقب يوم واحد من تسريب صور تظهر فيها وفاة المواطن إبراهيم زهران في قسم بحث جنائي وسط عمان. وكانت عائلة زهران أعلنت أن وفاة ابنها حصلت على خلفية تعرضه لتعذيب قاسٍ أثناء وجوده في عهدة الأمن العام.

تصريح مدير الأمن العام، صنف لدى كثيرين بالخطوة الايجابية، مقارنة بسياسة الأمن العام الأردني التي لا تقبل الانفتاح، "لا يمكن القبول أو السماح بالتعدي أو الإساءة لأي مواطن تحت أي ظرف كان، مشددا على أن القانون هو الفيصل والحكم في العلاقة بين رجل الأمن العام والمواطن"، يقول الحمود. وفي هذا السياق، شكل الأمن العام وعقب الحادثة، لجنة تحقيق من قضاة الشرطة، بعد توقيف خمسة من أفراد الأمن سيخضعون لتحقيقات هذه اللجنة.

يلمس الخبير الحقوقي فادي القاضي، ثلاثُ إشكاليات في تصريحات مدير الأمن العام: أولها: مكانة "التعذيب" في القانون قاصرة عن المعيار الدولي الذي صادق عليه الأردن، ثانيها: تحقيقات الأمن العام في تجاوزات أفراده "غير علنية" وثالثها: التعذيب ليس ظاهرة فردية بل تبدو ممارسة مؤسسية تستوجب تحقيقا شاملا مستقلاً.

 

تعميم لتكثيف الرقابة الأمنية

في 12 حزيران، أصدرت مديرية الأمن العام، تعميمين يتعلقان بالرقابة الصارمة على مراكز التوقيف المؤقتة لمنع أي تجاوز أو إساءة أياً كان نوعها بحق الموقوفين أو تعدّ على حقوقهم.

التعميم الأول يؤكد على ضرورة أن تكون اجراءات التحقيق مع المشتكى عليهم ضمن الأصول القانونية وبعيدة عن الأساليب التحقيقية التقليدية القديمة والتي تحمل إساءات لفظية وجسدية وتبطل كافة اجراءات التحقيق وتسيئ لسمعة جهاز الامن العام.

التعميم الثاني، تضمن اتخاذ إجراءات رقابية وعلى مدار الساعة لكافة مراكز التوقيف المؤقت حيث كُلف من خلالها مدير القضاء الشرطي والقضاة الشرطيين بتفقد النظارات ومراكز التوقيف في كافة الوحدات ومتابعة ظروف وأوامر التوقيف ومتابعة أي شكوى تردهم.

طال التعميم تكليف المدعين العامين الملحقين بكافة الوحدات بمراقبة النظارات ومراكز التوقيف داخل الوحدات الملحقين بها ورفع كافة المشاهدات والتقارير والشكاوى وأية تجاوزات بشكل مباشر لمدير الأمن العام.

 

إجراءات جيدة وليست كافية

المركز الوطني لحقوق الإنسان، الذي أرسل فريقا حقوقيا للتحري عن الحادثة، اعتبر في بيان صحفي إجراء الأمن العام بالخطوة الجيدة لكن غير الكافية. ف "الدستور الأردني والمعايير الدولية المتعلقة بجريمة التعذيب تقتضي نظر قضايا التعذيب من قبل القضاء المدني صاحب الولاية بصرف النظر عن الإجراءات التي يتخذها الأمن العام بحق الأشخاص المخالفين بموجب قانون الأمن العام من مرتباته".

في وقت، لم ينفِ الأمن العام وقوع سوء معاملة بحق حالة الضحية الزهران، إلا أنه صرّح بتاريخ 13 حزيران، عن نفيه وقوع شبهة تعذيب في حق الضحية الثانية بلال العموش الذي توفي في مركز إصلاح وتأهيل بيرين، باعتبار أن سبب الوفاة هو وعكة صحية. لكن عشيرة الضحية دانت الحادثة واعتبرتها جريمة مكتملة الأركان،  بعدما أعلنت على صفحتها على الفيس بوك، بأن الوفاة حصلت على خلفية سوء معاملة وتعذيب. ويقول شقيقه ووالده بأن جميع الأدلة تؤكد تورط الأجهزة الأمنية بممارسة الضرب المفضي إلى الموت على نسيبهم في مركز مكافحة المخدرات في الزرقاء قبل نقله لاحقا إلى مركز إصلاح بيرين.  

الاعتراف بوجود جريمة التعذيب، جزء من الحقيقة، وقد بات بنتيجة هاتين الحادثتين توقيع الأردن على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب ضروريا، يقول الناشط الحقوقي كمال مشرقي.

فرغم تضمين قانون العقوبات الأردني، مفهوم التعذيب الوارد في الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب في المادة رقم 208، ورفع الحد الأدنى للعقوبة من ثلاثة إلى ستة شهور، إلا أن ذلك غير كاف، من حيث منع وقوع التعذيب. فجرم التعذيب في ذات القانون لا يتناسب مع جسامة الجرم المرتكب، أو على الأقل مع ما تتضمنه مفهوم الجريمة في الاتفاقية الدولية، باعتبارها جريمة خطيرة تستدعي عقوبة رادعة.

 

عدالة مؤجلة

أصدر مركز عدالة لحقوق الإنسان، في العام 2017، تقريرا متخصصا حول التعذيب حمل عنوان "محاسبة الجناة والعدالة المؤجلة". وقد اعتبر فيه أن التعذيب "يكثر في إدارة مكافحة المخدرات، وإدارة البحث الجنائي في وقت لم تتخذ الدولة تدابير فعاّلة لمناهضته"، يقول مدير المركز المحامي عاصم ربابعة.

يشير تقرير المنسق الحكومي لحقوق الانسان، والموجه إلى الآلية الدولية UPR "الاستعراض الدوري الشامل حول حقوق الإنسان"، إلى أن الخطة الوطنية الشاملة لحقوق الإنسان (2016-2025) ضمن الهدف الرئيسي الأول تحت عنوان حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية تضمنت جملة من النشاطات الرئيسية كان في مقدمتها تعديل التشريعات بما يكفل توسيع مفهوم جريمة التعذيب لينسجم مع إتفاقية مناهضة التعذيب وتشديد العقوبات على مرتكبيها .

"إن مـا جـاء ضمن أحكام المادة (208) من قانون العقوبات ينص على الحظر المطلق للتعذيب حيث أن الفقرة الأولى نصت على تجريم جميع أنواع التعذيب بنصها على عبارة (أي نوع من أنواع التعذيب) لتأتي الفقرة الثانية مفسرةً وشاملة لجميع صور القصد العام والخاص والواردة ضمن المادة الأولى من الاتفاقية الدولية لمناهضة تعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ودون إنقاص أو إغفال لأي منها"، وفق تقرير الحكومة.

 

أرقام مقلقة

يوثق المركز الوطني لحقوق الإنسان، في تقريره عن حالة حقوق الإنسان في الأردن للعام 2016، 269 قضية مسجلة بحق العاملين في مديرية الأمن العام، تتعلق بسوء معاملة وتعذيب، أحيل منها (29) قضية للمحاكمة أمام قائد الوحدة و(18) قضية تقرر فيها منع محاكمة المشتكى عليهم من قبل المدعي العام الشرطي، بينما أحيلت (14) قضية لمحكمة الشرطة، في حين ما تزال (59) شكوى قيد النظر.

فيما يوثق تقرير مركز عدالة لحقوق الإنسان الذي صدر في آذار العام 2017، أربع حالات وفاة جراء التعذيب في مراكز توقيف، ورصد 11 حالة تعذيب موسعة بالمجمل، من بينها أيضا فقدان أحد الموقوفين لإحدى عينيه على خلفية مشاركته في احتجاجات عمّت الأردن في العام 2012.

 

توصيات: هيئة مستقلة للشكوى، قضاء نظامي

يوصي تقرير الإيفاد الخاص بتحالف (جوكات) المتخصص برصد تطبيق الدولة للاتفاقية الدولية الخاصة بمناهضة التعذيب، بحصر اختصاص النظر في جرائم التعذيب بالمحاكم النظامية عوضا عن المحاكم الخاصة لضمان عدم الإفلات من العقاب.

تقرير التحالف المرسل إلى مجلس حقوق الانسان، ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل، في انتظار نقاشه في الجلسة المخصصة للأردن، في 8 تشرين ثاني المقبل، يوصي بضمان التحقيق الفوري والشامل والمستقل في جميع ادعاءات التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، فضلا عن إنشاء هيئة مستقلة للشكاوى التي تتعلق بالتعذيب والنظر بها، تضم مختصين من هيئات الإدعاء العام وقانونيين بالاضافة إلى أعضاء من مؤسسات المجتمع المدني.

التعامل مع جريمة التعذيب على أنها من الجرائم ذات الطبيعة الخطرة، تعتبر من أكثر التوصيات أهمية بالنسبة للتحالف، وذلك من خلال تشديد عقوبة التعذيب بما يتناسب مع طبيعة الجرم برفع الحد الأعلى للعقوبة في المادة 208(1) من قانون العقوبات الأردني لتكون أكثر من ثلاث سنوات بحيث ترفع من جنحة إلى جناية. وذلك توافقا مع المادة 4(2) في إتفاقية مناهضة التعذيب.

أمام الحكومة الجديدة لعمر الرزاز مهام صعبة حيال إنقاذ اقتصاد مترهل يعتمد في ثلث إيرادات موازنته على المساعدات الخارجية. لكن لا يعني أن لا تنظر في جملة من القضايا الجوهرية، من بينها تعديل قانون الأمن العام، ونقل اختصاص محكمة الشرطة بالنظر في الدعاوى التي يكون أحد أطرافها مدنيا للقضاء النظامي وتحديدا في جرائم التعذيب لمنع الإفلات من العقاب وتعويض الضحايا.

ينادي نشطاء بضرورة إنشاء آلية وطنية وقائية لمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو العقوبة اللاانسانية أو المهينة أو الحاطة بالكرامة، وآليات الرصد المستقلة من التدابير الفعالة لمنع التعذيب في جميع مراحل الاحتجاز لأي شخص تم اعتقاله سرعة الحصول على الرعاية الصحية والمساعدة القانونية، كما يطالب الناشط كمال مشرقي.

 

المجلس القضائي ومهمة تفقد مراكز الإصلاح

بالتزامن مع تلك الأحداث، أوعز رئيس المجلس القضائي رئيس محكمة التمييز القاضي محمد عودة الغزو، في 13 حزيران، لرئيس النيابة العامة ورؤساء محاكم الاستئناف والبداية ورئيس محكمة الجنايات الكبرى بتفقد مراكز الإصلاح والتأهيل في الدوائر التابعة لمحكمتهم خاصة خلال فترة الأعياد وإعداد التقارير اللازمة بهذا الخصوص.

تهدف هذه الخطوة وفق تعميم من المجلس القضائي لمختلف دوائر النيابة العامة والمحاكم في المملكة؛ إلى تفعيل الرقابة القضائية على مراكز الإصلاح والتأهيل، وأوضاع النزلاء، وتنفيذ قرارات المحاكم والنيابة العامة، وتطبيق المبادئ والمعايير القانونية لحماية حقوق النزلاء وعملاً بأحكام المادتين 106 من قانون أصول المحاكمات الجزائية و8 من قانون مراكز الإصلاح والتأهيل.

في خضم الأحداث، أطلق مجموعة من النشطاء المستقلين حملة على شبكات التواصل الاجتماعي تطالب بفتح تحقيق قضائي مستقل في كل ادعاءات التعذيب. وإعتذار علني ورسمي لعائلات ضحاياه،  تجريم التعذيب باعتباره جريمة جنائية، ونقل اختصاص النظر في جريمة التعذيب للمحاكم المدنية، وكفالة حق ضحايا التعذيب في الإنصاف والتعويض والتأهيل.

تعتمد الحملة على رفع الوعي ورصد الحوادث والتذكير بالحقوق الأساسية وإيجاد إطار شامل يناهض التعذيب من خلال الحملات المدنية التي يعملون عليها، مستخدمين علامات المربع: #أوقفوا_جريمة_التعذيب #أوقفوا_التعذيب_في_الأردن.