بتاريخ 27/6/2018، انعقدت جلسة استثنائية أمام القاضية المنفردة الجزائية في بعبدا كرما حسيكي. الجلسة اتصلت بقضية باشرتها النيابة العامة في جبل لبنان ضد ثلاثة أشقاء من التابعية البنغلادشية، على خلفية أن أحدهم (نور السلام) أخذ حقيبة شخص آخر بدلا عن حقيبته لدى وصوله إلى مطار بيروت. وكان الأشقاء الثلاثة تم توقيفهم منذ أكثر من شهر في هذه القضية. وإذ تمّ تعيين أول جلسة لهم في هذا التاريخ أمام القاضية حسيكي، فقد تم إحضار الشقيقة فيما تعذر سوق الشقيقين. ويشار إلى أن حضوري كمراسلة للمفكرة في قصر عدل بعبدا، حصل صدفة، بمعنى أن القاضية لم تكن على علم بوجود إعلام متخصص داخل القاعة ولم يكن لدي من قبل أي معلومات بشأن هذه الدعوى. وقد رأيت أن أكتب عن هذه الجلسة، بالنظر للطريقة اللافتة في إدارة الجلسة، والتي كشفت فيها القاضية حسيكي عن فهم إنساني عميق لوظيفتها القضائية، وبخاصة في التعامل مع أشخاص أجانب.  

 

إذاً مثلت أمس، إحدى المدعى عليهم وحدها. وقبل المباشرة بالاستجواب، استغربت القاضية عند إطلاعها على الملف أن يكون تم توقيفها طالما أعيدت الحقيبة إلى صاحبها الذي لم يأخذ صفة الإدعاء الشخصي. فأجابها عنصر من قوى الأمن الداخلي "مش حرزانة القضية، حرام تبقى موقوفة". إذ ذاك، قالت القاضية: "الفقير والمعتر بيتوفق وقت طويل بلا سبب أحياناً، بينما الغني صاحب النفوذ ما بيتوقف".


بعد ذلك، باشرت القاضية الإستجواب بدءاً بالفتاة التي تم سوقها من سجن القبة في طرابلس. تأكدت حسيكي من إتقانها للغة العربية، ثم طرحت أسئلة متعلقة بالقضية، فسألت أولاً عما إذا كانت تعرف شخصا يدعى إيلي كيروز (وهو صاحب الحقيبة)، فنفت الموقوفة معرفتها به. وجهت المحكمة تالياً أسئلة تتعلق بوقائع القضية، فاتضح أن الموقوفة لم تتوجه إلى المطار بل انتظرت قدوم شقيقها من بنغلادش في المنزل، ما يعني أن شقيقها نور السلام كان وحده في المطار. وفيما يخص الحقيبة تحديداً، أدلت الموقوفة بأن شقيقها هو من أحضر الحقيبة التي كانت تحتوي على أغراض خاصة من ملابس وأحذية. وقبل اختتام الاستجواب، استفسرت المحكمة عن أوراق الموقوفة الثبوتية فأجابت بأنها كانت تملك إقامة إلا أن هذه الإقامة انتهت صلاحيتها، موضحة أنها كانت تعمل في حضانة في منطقة الحمرا. دونت القاضي في المحضر أن الموقوفة طلبت إخلاء سبيلها بالنظر إلى أنها لم تقدم على الفعل أو على أي شيء أصلاً كما أنها لم تعلم بأن الحقيبة تعود لشخص غير شقيقها. كما ذكرت بأن الموقوفة تتعهد بتجديد إقامتها للبقاء في لبنان.

 

قبل اختتام الجلسة، سألت المحكمة عن مكان تواجد المدعى عليهما الآخرين أي شقيقي الموقوفة، فأجابت بأنهما موقوفان أيضاً. عندها طلبت القاضي من الكاتب التحري عن مكان تواجد الموقوفين ليتضح أنهما موجودان في نظارة بعبدا، اي في نفس المبنى الذي كانت تنعقد فيه الجلسة. فطلبت سوقهما إلى المحاكمة، ممتنعة عن النظر في أي ملف آخر. من ثم، تم إخراج الموقوفة إذ ذاك بانتظار اصطحاب شقيقيها. وقد أبدى العناصر الأمنيون بدورهم أسلوبا لافتا في التعامل معها، فأذنوا لها بالجلوس طوال فترة الإنتظار وهو أمر غير معتاد في التعامل مع الموقوفين الأجانب، كما قدموا لها المياه وأجابوا على أسئلتها المرتبطة بسير المحاكمات في لبنان.

 

مر أكثر من نصف ساعة والموقوفة تراقب الأروقة المظلمة على أمل أن يصل شقيقيها. حرٌ شديد وعدد كبير من المواطنين والموظفين والقضاة والمحامين يتجولون في الأروقة بهواتفهم المضيئة للتبصر. بعض الكتاب نزحوا من مكاتبهم إلى مكاتب تصل إليها أشعة الشمس. كان لإنقطاع الكهرباء نكهة مميزة في العدلية. وأخيراً أطل أربعة عناصر من قوى الأمن الداخلي برفقتهم أربعة موقوفين من بينهم شقيقي الموقوفة. كانت لحظة إلتقاء الأشقاء الثلاثة لحظة مؤثرة فعلاً. امتزجت فيها مشاعر الشوق والحزن والحسرة. تحت وطأة هذه المشاعر المتضاربة، لم يتمكن نور السلام من أن يتمالك نفسه. ففور وصوله إلى مكتب القاضية وقبل أن يتسنى لها أن تطرح عليهما أي سؤال، أدمعت عيناه، واحمر وجهه. حاول الكلام إلا أن صوته كان خافتاً جداً. فقاطعته القاضية وطمأنته قائلة: "ما تبكي وما تزعل، سأنظر في القضية اليوم". اطمأن الشابان وهدآ فباشرت القاضية، التي ابتسمت، الاستجواب.

 
وبالعودة إلى وقائع الملف أفاد نور السلام بأنه كان قادماً من بنغلادش إلى لبنان، حين حصل خطأ بسيط في المطار، حيث أخذ الموقوف عن طريق الخطأ حقيبة لا تعود له. عند عودته إلى محل سكنه مع شقيقته وشقيقه، داهمت القوى الأمنية المنزل ووضعت يدها على الحقيبة وأعادتها إلى صاحبها بما فيها من ممتلكات. وقد أكد للقاضية أن محتويات الحقيبة اقتصرت على أغراض شخصية من ثياب وأحذية من دون أن يكون فيها أي شيء ثمين، وأنه لم يأخذ أبدا منها شيئا. خلال الإستجواب، قام أحد عناصر القوى الأمنية المرافقة للموقوفين بالضحك، فسألته القاضية عما يضحكه. حاول عدم الإجابة والتهرب. إلا أن القاضية أصرت على معرفة السبب، فأجابها بأن لهجة الموقوف مضحكة، بإشارة منه إلى عدم طلاقة هذا الأخير في تحدث العربية. شعر العنصر بخطئه واعتذر على الفور من القاضية، متعهداً بالإمتناع عن تكرار هذا التصرف. بحزم عاتبته على تصرفه، مذكرةً إياه بأن كل شخص معرض في أية لحظة ليتواجد في نفس ظروف الموقوف. احمرّ وجه العنصر خجلاً وتفادى النظر إلى القاضية مكرراً إعتذاره. استكملت المحكمة إستجواب نور السلام، سائلة إياه عن أوراقه الثبوتية، فأوضح أنه دخل لبنان بشكل شرعي وأنه يملك إقامة صالحة. وبالإنتقال إلى الموقوف الثاني، نور الجمال أفاد هذا الأخير بأنه كان موجوداً في المنزل عند حضور شقيقه ومعه الحقيبة، مضيفاً بأنه رأى الحقيبة فقط ولم يطلع على محتواها. دونت القاضي في المحضر أن الموقوفين يطلبان البراءة وإخلاء السبيل بالنظر لوضعهم. وقد اخذت على الفور قرارا بإخلاء سبيل الأشقاء الثلاثة بكفالة مالية قدرها خمسين ألف ليرة لبنانية لكل منهم؛ علما أنه غالبا ما يلجأ القضاة المنفردون لربط إخلاء السبيل بتسديد كفالة، تجنبا لاستئناف النيابة العامة.


وبذلك، اختتمت المحاكمة وأحيل الملف إلى النيابة العامة من أجل اتخاذ موقفها بشأن قرار إخلاء السبيل. وقد طلبت القاضية من الدرك المرافقين للموقوفة الإنتظار أمام مكتبها ريثما تردّ النيابة العامة. انتظر الموقوفون إخلاء السبيل، أظهروا إمتناناً كبيراً لكيفية تعامل القاضية معهم وإن عبروا عن قلق عميق كونهم عاجزين عن تسديد الكفالة.

 

بعد حوالي أربعين دقيقة، وافقت النيابة العامة على طلب إخلاء السبيل. سلم الكاتب قوى الأمن إخلاءات السبيل بعدما اتضح أنه تم تسديد الكفالة. لم يفهم الموقوفون ولا عناصر الأمن كيف تم ذلك ومن دفع الكفالة. عندئذ، أشار لهم الكاتب، وقد بدا عليه تأثر واضح، أن القاضية هي التي فعلت ذلك بعدما علمت أن هؤلاء عاجزون تماما عن تسديدها. تأثر عناصر قوى الأمن الداخلي بدورهم بمبادرة القاضي: وشهدتُهم يتحدثون مع الكاتب بإعجاب وتقدير لوجود قضاة يتمتعون بالرحمة والإنسانية ويطمحون إلى تحقيق العدالة.

بصدور إخلاءات السبيل، حددت المحكمة 9/7/2018 تاريخ الجلسة القادمة لإصدار الحكم.