صدرت مؤخرا أحكام في عدد من قضايا موظفي وصحفيي جريدة النهار المصروفين أواخر  2016. وأصدر مجلس العمل التحكيمي، برئاسة القاضية جمال حمود، أول قرارين في الملف يفيدان أن الجريدة المذكورة قد قامت بصرف المدعين بشكل تعسفي، وحمّلتها مسؤولية تسديد كل المستحقات والتعويضات للمدعين.

وكانت جريدة النهار صرفت، خلال  كانون الأول 2016، مئة موظفاً وموظفة، بعدما كانت امتنعت عن تسديد رواتبهم لما يزيد عن السنة. حينها  لم تعلن النهار بوضوح عن نيتها في صرف موظفيها، بل عمدت إلى إلزامهم بعدم الحضور إلى مكاتبهم على أن يحتسب تغيبهم من ضمن عطلهم السنوية. كما أطلقت الجريدة آنذاك مفاوضات مع الموظفين المصروفين، عرضت عليهم بموجبها قبض رواتبهم المحجوبة مقابل التوقف عن المطالبة بتعويضاتهم. قبل قسم كبير منهم بالتسوية نظراً لما آل إليه وضعهم الاقتصادي، فيما رفضها 29 موظفاً وانتقلوا إلى المشاورات في وزارة العمل. أدت المشاورات التي فتحت تحت عنوان تطبيق المادة 50 البند (و)[1] إلى قبول 20 موظفة[2] بتسوية جديدة: الرواتب بالإضافة إلى إنذار الصرف مقابل التنازل عن الدعوى القضائية. وتمسك تسعة موظفين بحقهم باللجوء إلى مجلس العمل التحكيمي للمطالبة بتعويضاتهم كاملة.

 

تعويضات قصوى للموظفين

تمحور النزاع أمام مجلس العمل التحكيمي، بين الموظفين المدعين  والنهار بشكل أساسي حول توفر شروط الصرف الإقتصادي (المادة 50/ و). فالنهار تتمسك بظروفها الإقتصادية، لتبرر صرفهم، معززة حججها بمضمون تقرير وزارة العمل إثر إنتهاء المشاورات: "وبما أنه بالعودة إلى الميزانيات المبرزة، وبما أن معظم الصحافة الورقية في لبنان تعاني من الكساد ومن الخسائر التي يمكن ملاحظتها في هذا القطاع". في المقابل، قدمت جهة الإدعاء إثباتات على إمتلاك النهار لأملاك، وأموال غير تلك المبرزة بموجب الموازنة.

هذه المحاججة لم تجد صداها في القرار الذي لم يتوسع في نقاش ما إذا توفرت شروط الصرف الإقتصادي موضوعيا أم لم تتوفر. على العكس من ذلك، إكتفى القرار باستبعاد تطبيق المادة 50/و على خلفية عدم إلتزام جريدة النهار بالشروط الشكلية اللازمة، بالتالي لم يعد من حاجة للبحث في الأساس لهذه الناحية. بهذا المعنى، جرد القرار الجريدة من إمكانية التذرع بالمادة 50/و بسبب قيامها بإبلاغ المؤسسة الوطنية للضمان الإجتماعي بفصل الموظفين قبل إنتهاء مهلة المشاورات (شهر).

تبعا لذلك، قرر المجلس في أول قرارين له في قضية موظفي النهار، منح المدعين التعويض الأقصى عن الصرف التعسفي، أي ما يعادل أجر إثني عشر شهر عمل. وقد ارتكز في قراره إلى مجموعة من المعايير المرتبطة بحالة الموظف، بالإضافة إلى "مدى الإساءة في إستعمال الحق". إلى جانب الصرف التعسفي، يتضمن تعويض الموظفين بدل إنذار يختلف بحسب سنوات عملهم، وبدل إجازات سنوية بحسب الإجازات التي لم يستفيدوا منها.

 

القادم كما القراراين الأولين

يشير تطابق مضمون مطالعات مفوضي الحكومة علي مهدي ومنال حجازي في كافة الدعاوى المقامة ضمن ملف النهار، إلى أن القرارات التي ستصدر في الملفات الأخرى ستأخذ المنحى نفسه. وعلى خلاف قرار المجلس، ذهب مفوضا الحكومة إلى التوسع في التدقيق في كل دفع من الدفوع المقدمة من الطرفين.

ويتبين من المطالعات أن الموظفين تمسكوا بحقهم بترك عملهم قبل إنتهاء مدة العقد، ومن دون علم سابق، إذ لم يقم "رب العمل" بموجباته تجاههم. فالعامل يحتفظ وفق المطالعة بحقه بالتعويضات التي ينص عليها القانون، في حال تركه العمل على هذه الخلفية. في المقابل، يظهر أن النهار تمسكت برفض إنطباق هذه الأحكام على حالة موظفيها، مطالبةً بتطبيق المادة 50/و، معتبرةً أن صدور تقرير التشاور عن وزارة العمل لصالحها يعفيها من موجب دفع هذه البدلات، ولا يمكن معه اعتبار الصرف صرفاً "تعسفياً".

بالنتيجة تنتهي كل المطالعات إلى إجابة طلبات المدعين لناحية تعويض الصرف التعسفي، والإنذار. ويرجح على ضوئها أن تنتهي جميع الأحكام إلى النتيجة نفسها.  

 

حياة موظف مصروف بعد عقود ولاء

"كان عمري 17 عاماً عندما بدأت العمل في قسم المعلوماتية لدى جريدة النهار، عام 72. ليال كثيرة قضيتها أنام على الدرج في الجريدة كي لا أعطل العمل خلال الحرب. أيام أخرى كنت أغطي 3 دوامات. صرفوني قبل سنتين من تقاعدي". لا يزال فياض يستغرب تخلي النهار عنه بعدما أفنى من حياته 46 عاماً يعمل لديها. فهذه "ليست النهار التي أعرفها" كما يقول.

يقول فياض أن "قرار مجلس العمل منصف، وهو أقصى ما يسمح به القانون، لكن نسبة لسنوات الخدمة التي قضيتها في عملي، ما حصلت عليه ليس منصفاً". فأنا الآن: "لا أملك ما أعتمد عليه، لا عمل لدي وزوجتي تحتاج إلى دواء باستمرار". للتعامل مع حاجات مرض زوجته "حصلت على أموال إضافية، زيادة إلى قيمة التعويض، من إبني واشتريت نمرة عمومية لا أستطيع أن أحافظ على استفادة زوجتي من خدمات الضمان الإجتماعي". ولكنني "لا أقوى على العمل في مجال النقل، فأنا أيضاً أعاني من صعوبات صحية".

حال مشرفية لا يختلف عن حال فياض لناحية إنعدام مجالات العمل. فهو قد عمل مدة "33 سنة لدى النهار، وصرفنا جاء خلال مرحلة سيئة على الصحافة". لكن النهار لم يكن وضعها سيئا "فبينما هي تصرفنا كانت تحقق أعلى نسبة إعلانات، أيضاً جهزت ستديو يكلف مبالغ طائلة". يأسف مشرفية كما زميله أن "الذي عمل كل هذه السنين، وبقي يعمل لمصلحة هذه المؤسسة خلال سنيّ الحرب، يتم صرفه بهذه الطريقة ولا يعطونه تعويضات... الذين قبلوا بالتسوية، قبلوها لأن حالهم كان بالويل"

 

تعويض معنوي لباقي الموظفين

إذن، يبقى خمسة موظفين ينتظرون قرارات مجلس العمل التحكيمي بعد صدور القرارين الأولين في مصلحة زميلهما رمزي مشرفية وياسر فياض. والحال أن الموعودين بالإنصاف الحقيقي هم أقلية، بينما هناك أغلبية اضطرت للقبول بالتسوية ولم تخض المعركة القضائية.

"القراران بالنسبة إلينا هما بمثابة تعويض معنوي بعد ما عانيناه " يقول أحد الموظفين المصروفين تعسفاً في حديث للمفكرة. يفضل الموظف المذكور عدم ذكر إسمه، فالذي "مررنا به فيه الكافي من الصعوبة، ولا أود أن أسترجع كل ذلك الآن". يضيف "قبولنا بالتسوية لا يعني أننا سامحنا النهار، إنما هي حصلت تحت وطأة الظروف المسيطرة". ذلك أن "القضاء كان بالنسبة إلينا مغامرة مجهولة، ربما تستمر لسنوات وسنوات، ولم أكن أقوى على الإستمرار ضمن نفس الظروف لفترة طويلة". حيث أن الموظفين كانوا عرضةً "للإبتزاز برواتبنا لمنعنا من اللجوء إلى القضاء". إلى جانب ذلك "كان لدينا مخاوف من لجوء النهار إلى إعلان إفلاسها إحتيالياً، وعندها  حتى رواتبنا نخسرها".

أمر يؤكده الصحافي ناجي شربل، وهو يوضح للمفكرة أن نقطة التحول التي فاتت الموظفين الذين قبلوا التسوية هي "صدور قرار قاضي الأمور المستعجلة باعتبار الرواتب دين مستحق لمصلحة الموظفين". هذا القرار حفظ حقهم بأولوية تسديد رواتبهم في حال إعلان النهار إفلاسها. ذلك أن الدخول في التسوية كان بسبب " إنعدام الأمل لدينا بتحصيل رواتبنا، في ظل عملية إبتزاز منظمة تعرضنا لها من قبل النهار". بالنتيجة، يعبّر شربل عن سعادته لناحيتين: "أولاً بالقرار الذي أصدره القضاء والذي أكد على أننا أصحاب حق، وثانياً للخروج من حالة الإبتزاز التي يخضع لها الموظفون في النهار، بزملائنا الذين لم يصرفوا لا تزال رواتبهم محجوزة وإبتزازهم مستمر: الاستقالة أو عدم تسديد الرواتب".

 

 

[1] - أحكام الصرف الإقتصادي.

[2]  يعتمد هذا المقال اليحادية الجندرية بمعنى أن المؤنث أو الذكر بالجمع قد يرمز إلى الإناث والذكور على حد سواء.