بتاريخ 11/6/2018، دخل القانون رقم 2 لسنة 2018 الخاص بنظام التأمين الصحي الشامل[1]، حيز النفاذ، بعد انقضاء ستة أشهر على نشره[2]. وتميز نظام التأمين الصحي في هذا القانون عن سابقيه بمبدأ "الشمولية" كونه إلزامياً لجميع المواطنين المقيمين داخل القطر المصري بجميع شرائحهم وفئاتهم والقطاعات التي يعملون بها، كما أنه يغطي "كافة الأمراض" بلا استثناء، تطبيقًا للمادة 18 من الدستور[3]. واستثنى القانون خدمات الصحة العامة والخدمات الإسعافية وخدمات تنظيم الأسرة من تطبيق أحكامه باعتبارها خدمات تلتزم الدولة بتقديمها بالمجان.[4]

بالإضافة إلى ذلك، تبنى القانون إنشاء كيانات جديدة مُستقلة تعمل على إدارة منظومة التأمين الصحي بجانب وزارة الصحة، حيث حدد اختصاصات مُعينة لكل هيئة من الهيئات التي أُنشئت بموجبه على حدة، ضمانًا لتيسير واستدامة النظام على الوجه الأمثل. واللافت أيضًا هو تنوع مصادر التمويل المختلفة التي يعتمد عليها النظام من أجل تحقيق التوزان المالي المطلوب لضمان استمرار الخدمات بالشكل اللائق. وهو ما سنتطرق إليه بالتفصيل فيما بعد. ولكن على الرغم من هذه الإيجابيات، كان هناك عدد من التخوفات أبرزها إمكانية تطبيق ذلك النظام بصورة فعلية، بالإضافة إلى بعض الإجراءات التي تضمنها وقد تؤدي إلى "خصخصة" النظام بشكل أو بآخر بعد فترة، كما رسمت نسب إشتراكات المؤمن عليهم والمساهمات المُقدمة منهم أيضًا عدد من علامات الإستفهام؛ وهو ما نتطرق إليه في هذا المقال.

 

شبح الخصخصة يحوم في الأفق

إن فلسفة نظام التأمين الصحي الشامل الجديد قائمة على فكرة فصل التمويل عن تقديم الخدمة. فلا يجوز للهيئة العامة للتأمين الصحي أن تقدم أي خدمات علاجية[5]. فيعتمد النظام في تقديم خدماته على إبرام التعاقدات مع المستشفيات المختلفة الحكومية والخاصة على حد سواء. ومن أجل ضمان جودة الخدمات المُقدمة من تلك المستشفيات، نص القانون على إنشاء "الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية"[6] والتي تكون مهمتها الرئيسية وضع معايير الجودة للخدمات الصحية ومراقبة تطبيقها؛ وذلك عن طريق إعتماد وتسجيل المنشآت الطبية المستوفاة لتلك المعايير لتصبح مُشتركة في النظام[7]. وهذا ما يعني أنه يتوجب على أي منشأة طبية تريد الإشتراك في نظام التأمين الشامل سواء كانت حكومية أو خاصة أن تستوفي عددا من الشروط والمعايير التي تؤهلها للحصول على "الاعتماد" اللازم. تلك الضوابط تبدو نظريًا جيدة للغاية وتساعد بالفعل على تقديم خدمات صحية ذات معايير مقبولة. ولكن بتطبيق تلك الأحكام على أغلب المنشآت الطبية "الحكومية"، نجد أنها تفتقر إلى أبسط معايير الجودة، نتيجة للإهمال الذي طالها لعقود متواصلة، سواء على مستوى البنية التحتية من مبانٍ وأجهزة طبية، أو على مستوى الموارد البشرية المؤهلة من أطباء وأطقم تمريض وإداريين. وهو ما يُضعف فرص تلك المنشآت الحكومية في الحصول على الاعتماد اللازم لتقديم خدماتها في إطار نظام التأمين الشامل ويفسح المجال لاستئثار المنشآت الطبية "الخاصة" على تقديم الخدمة الصحية دون منافس حقيقي. وقد فطن المُشرع إلى وجود هذه الإشكالية مما دفعه إلى النص صراحة على أن "تلتزم الدولة برفع جودة وكفاءة المنشآت الصحية التابعة لها تدريجيا، قبل البدء في تطبيق النظام واستمراره في المحافظات المقرر البدء فيها حتى تحصل على الاعتماد اللازم".[8] وهو الأمر المستحيل حدوثه من الناحية العملية في فترة زمنية قصيرة. فأحكام هذا القانون بدأ تطبيقها في خمس محافظات بالفعل[9]، كمرحلة أولى، دون الإعلان عن أي خطط لرفع كفاءة المنشآت الطبية الموجودة في تلك المحافظات. كل هذا يقودنا إلى منافسة غير عادلة بين قطاع عام مُتهالك وقطاع خاص يملك موارد غير محدودة قد تجعله في المستقبل القريب هو المقدم الوحيد للخدمة والذي سوف يؤدي بالقطع إلى فرض أسعاره وشروطه الخاصة مما قد يجرد نظام التأمين الشامل من طبيعته الإجتماعية.

ليس هذا فحسب: فقد تضمن القانون أيضاً إنشاء لجنة دائمة بالهيئة العامة للتأمين الصحي تختص بتسعير الخدمات الطبية التي يتم التعاقد على شرائها. وتتشكل من عدد من الخبراء المستقلين والمتخصصين في تسعير الخدمات الطبية، بالإضافة إلى ممثلي مقدمى الخدمة في القطاع الخاص مما لا يزيد على ربع أعضاء اللجنة[10]. ويثير هذا التشكيل القلق، خاصة في ظل غياب أي تمثيل إلزامي للدولة واقتصار الأمر على خبراء مستقلين بجانب ممثلي القطاع الخاص، مما قد يسهل تسعير الخدمات الطبية وفقًا لتطلعات المنشآت الخاصة التي تهدف إلى الربح في المقام الأول.  

 

تنوع مصادر التمويل وغياب البُعد الإجتماعي

يتميز نظام التأمين الشامل كما سبق وأشرنا إلى تنوع مصادر تمويله، فبجانب إشتراكات المُؤمن عليهم، ومساهمتهم، وحصص أصحاب الأعمال، والتزامات الخزانة العامة عن غير القادرين، اعتمد النظام على عدد من المصادر الجديدة التي من المفترض أن تعمل على ضمان استمراريته وتغطية مصاريفه. على سبيل المثال، نصّ القانون على تحصيل مبالغ مالية من قيمة كل علبة سجائر أو مشتقات التبغ التي تُباع بالسوق المحلي، إلى جانب نسبة من رسوم المرور على الطرق السريعة، بالإضافة إلى مبالغ مالية ثابتة تُدفع عند إستخراج أو تجديد رخص قيادة السيارات. كما ألزم القانون كافة المنشأت الطبية التي ترغب في التعاقد مع النظام بسداد مبالغ معينة حتى تتمكن من العمل تحت مظلته، بالإضافة إلى رسوم أخرى تم فرضها على إستخراج تراخيص المستشفيات والمراكز الطبية[11].     

ولكن حينما أتى الأمر إلى حساب اشتراكات المؤمن عليهم ونسب مساهمتهم في التمويل، نجد أن المُشرع لم ينظر إلى أي أبعاد إجتماعية تخص المواطنين، ولعل هذا يظهر بداية من تثبيت نسبة 1% من أجر المؤمن عليه كرسوم اشتراك شهرية تخصم من أجره؛ حيث كان من الأفضل أن يتم  وضع نسب تصاعدية للاشتراك حسب قيمة الأجر؛ فمن يتقاضى أجرا أكبر عليه أن يدفع مبدئيا نسبة إشتراك أعلى، كما هي الحال في الضرائب التصاعدية. ليس هذا فحسب، بل ألزم القانون المؤمن عليه بسداد اشتراك 3% من قيمة أجره عن الزوجة غير العاملة أو التي ليس لديها دخل ثابت، بالإضافة إلى 1% عن كل ابن أو مُعال في الأسرة.

فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك عامل متزوج ولديه ثلاثة أطفال سوف يتم خصم 7% من أجره تحت بند "اشتراك تأمين صحي"[12]. وهو الأمر غير المسبوق، طالما كان هناك عدد من التشريعات التي تلزم الدولة بالتأمين الصحي على المواليد والأطفال قبل سن الدراسة والطلاب[13]، مع بعض المساهمات القليلة من قبل ولي الأمر. وبذلك تكون الدولة قد ألقت هذا العبء على كاهل المواطنين وحدهم، وهو ما يخالف النص الدستوري الذي يلزم الدولة بأن تكفل الرعاية الصحية للأطفال[14].

في الوقت نفسه، اختلف حساب قيمة إشتراك أصحاب المعاشات، والذين يتقاضون في الأصل معاشات ضعيفة للغاية لتكون 2% من قيمة معاشهم الشهري بالإضافة إلى نفس النسب المتعلقة بالزوجة والأبناء. ولعل أبرز الحجج التي تُساق للرد على تلك النقطة أن أصحاب المعاشات هم أكثر من يستخدمون نظام التأمين الصحي كونهم كبار السن ويعاني أغلبهم من أمراض مزمنة. ولكن هل تعتبر تلك الحجة الغير الإنسانية مبررا يسوغ تحميلهم أعباء إضافية فقط لكونهم أكثر عرضة للمرض؟!

ولا يقتصر الأمر على ما يدفعه المؤمن عليه من إشتراك فحسب، ولكن يُضاف إليه أيضًا نسب المساهمات، أي نسبة من سعر كل خدمة يحصل عليها، والتي تمثل 10% تقريبًا من أسعار الدواء ورسوم الإشاعات والتحاليل الطبية، والتي لا تتناسب إطلاقًا مع الاشتراكات التي يتم دفعها. وقد كان من الأجدر أن يتم التأمين الصحي نسبة 100% من هذه الخدمات. كما تجدر الإشارة إلى أن المُشرع أعفى ذوي الأمراض المزمنة والأورام من تحمل تلك المساهمات.[15]

والجدير بالإشارة أيضًا أن نظام التأمين الشامل يهدف إلى تغطية كافة المواطنين داخل مصر. ولكنه حينما تطرق إلى نسب اشتراكات المؤمن عليهم اعتمد على حسم نسبة من الأجر الشهري للعمال والموظفين دون التطرق إلى العمالة الموسمية وغير المنتظمة؛ والغير مسجلين بأي شركات أو كيانات حكومية أو خاصة مثل صغار الحرفيين والبائعين وغيرهم الكثير. فما هي الآلية التي سيتعامل بها القانون من أجل إحتواء تلك الفئات داخل مظلته التأمينية؟ وهنا نشير أن هذه المهن تنشط في الطبقات الأكثر تهميشًا، وبالتالي يمثلون الشريحة الأساسية التي يجب أن يطالها تأمين صحي شامل لهم ولأسرهم.

 

تخوفات ومشكلات عند تطبيق القانون

يُعد الإطار الزمني لتطبيق أحكام قانون التأمين الصحي الشامل إحدى أكبر علامات الاستفهام المطروحة الآن؛ حيث من المفترض أن يتم تطبيقه على ست مراحل جغرافية تشمل كل واحدة منها عددا من المحافظات [16]. ولكن لم يشر القانون إلى الخطة الزمنية لتطبيق تلك المراحل. وتأتي اللائحة التنفيذية للقانون[17] وتسند مهمة إعداد تلك الخطة إلى الهيئة العامة للتأمين الصحي، وذلك على أن يتم تغطية جميع المواطنين جغرافيًا خلال فترة زمنية لا تجاوز خمسة عشر عامًا من تاريخ العمل بالقانون[18]. وبالرغم من العلم أن تطبيق هذا النظام بشكل شامل يحتاج إلى سنوات عديدة؛ إلا أننا نعتبر هذه المدة طويلة نسبيًا نظرًا لأهمية هذا النظام والحاجة إليه. كما أنه كان يجب على المُشرع أن ينظم وحده الإطار الزمني لتطبيق أحكام القانون، فلا يوجد قانون حتى من الناحية الشكلية لا ينص على توقيت سريان أحكامه.

كذلك خلت نصوص القانون من أي إشارة إلى وجود خطة من أجل رفع مستوى كفاءة الموارد البشرية القائمة على تطبيق أحكام هذا القانون سواء أطباء أو أطقم تمريض أو غيرهم. كما لم يشِر من قريب أو بعيد إلى أي تحسين لأوضاع أو رواتب الأطباء، على الرغم من أنهم العنصر الأول اللازم العناية به من أجل نجاح ذلك النظام الجديد.

 

 


[2] صدر القانون رقم 2 لسنة 2018 في 11 يناير 2018 ونصت المادة (5) من مواد إصداره على: "ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية، ويعمل به من اليوم التالي لانقضاء ستة أشهر من تاريخ نشره"

[3]  تنص المادة (18) من الدستور على أن: " ... وتلتزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحى شامل لجميع المصريين يغطى كل الأمراض ..."

[4]  المادة (2) من مواد الإصدار: " فيما عدا خدمات الصحة العامة، والخدمات الوقائية، والخدمات الإسعافية، وخدمات تنظيم الأسرة، والخدمات الصحية الخاصة بتغطية الكوارث بكافة أنواعها، والأوبئة، وما يماثلها من خدمات تلتزم بتقديمها سائر أجهزة الدولة مجانا.."

[5] المادة (2) من القانون: "... ويقوم هذا النظام على أساس فصل التمويل عن تقديم الخدمة، ولا يجوز للهيئة تقديم خدمات علاجية أو الاشتراك في تقديمها."

[6]  المادة (26) من القانون: "تنشأ هيئة عامة خدمية، تسمى "الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية"، تكون لها شخصية اعتبارية وموازنة مستقلة، وتخضع للإشراف العام لرئيس الجمهورية..."

[7] المادة (28) من القانون: "لهيئة الاعتماد والرقابة في سبيل تحقيق أهدافها اتخاذ كافة الإجراءات والقرارات اللازمة لذلك، ولها على الأخص ما يأتي: 1-  وضع معايير الجودة للخدمات الصحية، واعتماد تطبيقها على منشآت تقديم الرعاية الطبية. 2- الاعتماد والتسجيل للمنشآت الطبية المستوفاة لمعايير الجودة المشار إليها بالبند رقم (1) للعمل بالنظام، وتكون مدة الاعتماد والتسجيل أربع سنوات قابلة للتجديد لمدد أخرى مماثلة..".

[8] نص المادة (3) من مواد إصدار قانون التأمين الصحي الشامل.

[10] نص المادة (9) من مواد إصدار قانون التأمين الصحي الشامل.

[11] تنص المادة (40) من القانون رقم 2 لسنة 2018 على كافة مصادر تمويل عمل الهيئة.

[12] أنظر الجدول رقم (1) المرفق مع القانون رقم 2 لسنة 2018.

[13] القانون رقم 99 لسنة 1992 في شأن نظام التأمين الصحي على الطلاب والقانون رقم 86 لسنة 2012 في شأن نظام التأمين الصحي على الأطفال دون السن الدراسية.

[14] تنص المادة (80) من الدستور على أن: " يُعد طفلاً كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، ولكل طفل الحق فى اسم وأوراق ثبوتية، وتطعيم إجباري مجاني، ورعاية صحية وأسرية أو بديلة..."

[15]  راجع المادة (40) من القانون 2 لسنة 2018. بند (ثالثًا).

[16]  راجع المرجع رقم 9.

[17]  نص اللائحة التنفيذية لقانون التأمين الصحي الشامل – موقع بوابة فيتو الإخبارية – 9 مايو 2018.

[18]  نص المادة (4) من اللائحة التنفيذية لقانون نظام التأمين الصحي الشامل.