أصدرت إدارة الرقابة على المصنفات الفنية بتاريخ 10-6-2018 قرارًا[1] بسحب الترخيص الممنوح لعرض فيلم "كارما" للمخرج خالد يوسف، وذلك قبل طرحه فى صالات السينما بيوم واحد. وكان الفيلم حصل  على ترخيص بالعرض من نفس الجهة قبل شهرين. الجدير بالذكر أن الرقابة أصدرت قرارا[2] غير معلل مكتفية بالإشارة إلى أن العمل خالف الشروط الممنوحة له دون تحديد طبيعة تلك المخالفات على وجه الدقة. أدى منع الفيلم إلى تضامن لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة والتي عقدت جلسة طارئة وانتهت باستقالة جماعية لأعضائها اعتراضًا على قرار المنع ولوضع حدّ لانتهاكات حرية الإبداع في مصر. إلا أنه في اليوم التالي وبعد تدخل بعض الجهات السيادية، حسب ما تم تداوله، تراجعت الرقابة عن قرارها السابق، وأصدرت قرارا جديدا بالتصريح بعرض الفيلم[3]. وهو ما يثير التساؤل حول الطبيعة القانونية لأعمال الرقابة في مصر وهامش حرية الإبداع السينمائي.

    

المنظومة القانونية لإدارة الرقابة على الأفلام

  • التاريخ القانوني للرقابة على حرية الإبداع السينمائي  

من الصعب أن نحدّد على وجه الدقة متى بدأت الدولة فرض سيطرتها على الإبداع الفني في مصر. إلا أنه في عام 1881 وبالتزامن مع أحداث الثورة العرابية، صدر أول قانون ينظم الرقابة على المطبوعات كـإحدى وسائل الدولة آنذاك لإيقاف طبع الصحف الوطنية والسيطرة على ما يُنشر فيها عن الأحداث الجارية. وأعطى القانون الحكومة الحقّ في مصادرة الأعمال الفنية المُعارضة للسلطة تحت ذريعة "النظام العمومي والآداب أو الدين"[4]. وقد تم تعديل هذا القانون في عام 1904 وأُضيفت إليه رقابة وزارة الداخلية على الأفلام السينمائية. واستمر العمل بهذا القانون حتى الحقبة الناصرية حين تم إصدار القانون رقم 430 لسنة 1955 الساري حالياً، والذي تم تعديله في عام 1992[5].

إلى جانب ذلك، طرأت عدة "تعليمات" من وزارة الثقافة للرقابة، لعل أبرزها وأهمها وأكثرها قمعًا لحرية الإبداع هي تعليمات 1947 التي سردت 71 تعليمة لمراقبة السينما. وانقسمت إلى شقين: الأول خاص بالناحية الاجتماعية والأخلاقية والثاني خاص بالأمن والنظام العام.[6] وفي هذا الشق الأخير، نصت التعليمات صراحة على مقاومة الحركة الوطنية والخوف من سقوط النظام السياسي ونمو الفكر الاشتراكي. وبالتالي منعت هذه التعليمات المواضيع ذات الصبغة الشيوعية والتي تحوي دعاية ضد الملكية أو نظام الحكم القائم أو العدالة الاجتماعية، وتجمهر العمال أو إضرابهم أو توقفهم عن العمل. كما منعت على الصعيد الاجتماعي منظر الحارات ظاهرة القذارة أو منظر بيوت الفلاحين الفقراء ومحتوياتها. كما منعت التعبير عن الحرية أو الجنس أو الموت[7].

من الجدير بالذكر أن مع بداية الحقبة الناصرية وصدور قانون 1955 وحتى نهاية السبعينات، لم يُمنع أي فيلم مصري من العرض. ولكن كانت هناك شد وجذب بين صناع الأفلام في مصر والرقابة بشكل مستمر على محتوى الأفلام. وأدركت السلطة أن قانون 1955 لا يواكب موجة الأفلام التي تناول الأحداث السياسية والاجتماعية. فأصدر وزير الإعلام القرار رقم 220 لسنة 1976 بشأن القواعد الأساسية للرقابة على المصنفات الفنية، وهو القرار الذى يعتبر عودة صريحة لتعليمات 1947. بل أن القرار الجديد كان يفرض المزيد من القيود على الأعمال الفنية حيث منح على سبيل المثال الجهات الدينية المختصة سلطة أعلى من سلطة الرقابة حين فوض جهات الرقابة العودة إلى تلك الجهات فيما يتعلق بتمثيل أو إظهار الشخصيات الدينية التاريخية في الأعمال الفنية وغيرها من المحرمات التي تعرقل العملية الإبداعية.  

 

  • صلاحيات هيئة الرقابة في ضوء قانون رقم 430 لسنة 1955

من الجدير بالذكر أن القانون رقم 430 لسنة 1955 والمعُدل بعض أحكامه في عام 1992 ينظم الإطار القانوني العام لأعمال الرقابة على الأعمال الفنية السمعية أو السمعية البصرية في كافة أشكالها المختلفة. فإدارة الرقابة على المصنفات الفنية تتبع وزارة الثقافة ولها سلطات رقابية واسعة. فجاءت المادة الأولى من القانون تنص صراحة بأن الغرض من أعمال الرقابة هو حماية الآداب العامة والمحافظة على الأمن والنظام العام ومصالح الدولة العليا. وهو ما يعني أن للإدارة سلطة تقديرية واسعة في منح الترخيص بتصوير العمل أو عرضه أو بيعه أو منعه من العرض دون إبداء أسباب قانونية تحت ذريعة أي من الأمور المذكورة في هذا النص التي لم يتطرق القانون إلى تعريف دقيق لها.  

والجدير بالذكر أن جميع مراحل العمل الفني تخضع للرقابة حيث يحظر التسجيل أو التصوير أو نسخ أو تحويل الأعمال الفنية إلى بصرية إلا بعد الحصول على تصريح أو إذن مسبق من إدارة المصنفات الفنية. فيستلزم تقديم السيناريو إلى لجنة مسؤولة عن قراءة السيناريوهات وتضع ملاحظاتها والتعديلات التي تراها مناسبة ويكون لها السلطة المنفردة في إعطاء التصريح بالعمل على المحتوى من عدمه. في حال صرحت اللجنة بالعمل على تصوير أو تسجيل العمل، يكون هناك لجنة ثانية وهي لجنة مختصة بمشاهدة العمل أو المواد البصرية بعد تصويرها وإنجازها ولها أيضًا أن تعطي الملاحظات والتعديلات التي تراها مناسبة للعرض والتداول التجاري أو السفر إلى الخارج ولها أن تمنعه من العرض إذا كان يخالف النظام العام والآداب.

ثم يعرض الأمر بعد ذلك على الإدارة العليا لجهاز الرقابة ويكون لها حرية المنع أو العرض ولها أن تستعين بجهات أخرى غير منصوص عليها قانونًا في أخذ الرأي خاصة في الأعمال ذات الطابع السياسي. ونصت المادة 8 من اللائحة التنفيذية[8] على ضرورة ألا يتضمن المحتوى ما يمس بالقيم الدينية والروحية والآداب العامة وأشارت صراحة إلى "دعوات الإلحاد، تصوير المخدرات، المشاهد الجنسية، الألفاظ البذيئة، عرض الجريمة بطريقة تثير العواطف". وهي معايير تدل على تحول الرقابة إلى وصاية يفرضها المُشرع على المجتمع.

كما أنه طبقًا لنص المادة الخامسة من القانون، فإن الترخيص يكون محدد المدة من تاريخ الصدور بحيث يكون لمدة سنة واحدة للتسجيل والتصوير، ومدة عشر سنوات للعرض أو الإستعراض أو الإذاعة، ولمدة شهر واحد في حالة التصدير. ويقتصر التصدير إلى الدول التي تدرجها الإدارة. كما يجوز للإدارة تحديد الأماكن التي يسري في نطاقها هذا التصريح بحيث تتحكم في أماكن التصوير وأماكن العرض[9]. علاوة على ذلك، أجاز القانون للرقابة سحب الترخيص الصادر في أي وقت إذا ارتأت وجود أسباب تستدعي ذلك، دون توضيح أي  معايير قانونية لهذا الإجراء. وبالتالي، ترك القانون تحديد الأسباب للجهة المعنية[10]. كما جاءت المادة السابعة من القانون لمنع صاحب العمل من إجراء أي تعديل أو تغيير أو تطوير بالمحتوى الفني بعد الحصول على الترخيص. وهنا نطرح التساؤل أي عمل إبداعي يمكن أن يكتمل في ظل تلك الشروط المجحفة التي تقيد وعي المبدعين وخيالهم؟  كما أن القانون ينص على بعض العقوبات المجحفة حيث يعاقب من يقوم بالتصوير أو التسجيل أو العرض دون الحصول على الترخيص بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين وغرامة لا تزيد عن 10.000 آلاف جنية. كما يعاقب كل من عدل أو حرف بالإضافة أو الحذف في عمله الفني بالحبس لمدة لا تزيد عن السنة وبغرامة لا تزيد عن ألفي جنيه. وبالتالي، وفي ظل هذه الأحكام، تتمكن السلطة من التحكم في السينما حسب هواها وبقوة القانون. كما تؤكد السياسة العقابية في القانون على عداء السلطة لحرية الإبداع والرغبة فب التحكم فيها تحت سيف الحبس.

 

كيف تستخدم الرقابة للقضاء على حرية الإبداع السينمائي؟

ارتبطت أعمال الرقابة على السينما بشكل رئيسي بالأحداث السياسية المتغيرة. فكما أشرنا أن أول قانون لتنظيم الرقابة على المطبوعات كان ردة فعل الدولة بعد الثورة العرابية. وفي تاريخ السينما هناك العديد من الصراعات بين المبدعين أو الفنانين وجهاز الرقابة. فمع إصدار تعليمات 1947، والتي شملت عدداً كبيراً من المحظورات تعبر عن مخاوف الحكومة تجاه السينماوالتي تقدم ذكرها. وقد طبقت تلك المحظورات على العديد من الأفلام منها مسمار جحا تحت دعوى تعرضه للطبقة الحاكمة[11]. وعلى الرغم من إصدار قانون جديد للرقابة في عام 1955، إلا أن روح محظورات 1947 ظلت سارية المفعول حيث اقتصر القانون الجديد على صياغة الهدف من الرقابة بعبارات مطاطة يصعب تحديدها كما وضحنا.

فعلى سبيل المثال، في عام 1969 تعرض فيلم يوميات نائب في الأرياف للمنع من العرض بعد صدور الموافقة وقبل عرضه بأيام قليلة وذلك بقرار من وزير الداخلية الذى اشترط على المخرج أن ينجز فيلم قصير عن الشرطة في خدمة الشعب يعرض قبل الفيلم فى كل عرض للفيلم، وهو ما رفضه المخرج. وتم عرض الفيلم في وقت لاحق دون إضافة هذا الفيلم القصير[12]. وكرس المُشرع استعانة جهات الرقابة ببنود محظورات 1947 عند استنساخها فيما بعد في قرار وزير الثقافة رقم 220 لسنة 1976.

وفي السبعينات، صادرت السلطة الكثير من الأفلام التي تناقش وتعرض أسباب الهزيمة في 1967 والقضية الفلسطينية. كما تدخلت في أحيان كثيرة  لتعديل العمل الفني بما يتناسب مع السياسات الجديدة، حيث فرضت الرقابة على فيلم (المتمردون) تعديل نهايته تعبيراً عن العصر الجديد والاتجاه نحو الأمل. وفي 1976، أُحيل 15 من العاملين والعاملات في الرقابة إلى النيابة الإدارية بسبب موافقتهم على عرض وتصوير فيلم المذنبون بسبب "ما انطوى عليه من مخالفات تمس الآداب العامة والقطاع العام وتنال من قيم المجتمع الدينية والروحية..." وصدر حكم بإدانتهم في عام 1982[13].

لم يختلف الأمر كثيرًا بعد ثورة يناير، حيث بقيت القوانين الخاصة بالرقابة على الأعمال الفنية كما هي من دون تغيير. بل توسعت الرقابة في فرض رقابتها على الأشكال الفنية المختلفة التي خلقتها الثورة، واستمرت ممارسة القيود على الكثير من الأفلام التي مُنعت أو تعرضت للتعديلات بأمر من الرقابة. فعلى سبيل المثال، منعت الرقابة فيلم المسافر في عام 2011 لاحتوائه على مشاهد حميمية. كما منعت الرقابة الكثير من الأفلام التي توثق لأحداث الثورة مثل فيلم "18 يوم" وفيلم "آخر أيام المدينة". وفي نوفمبر عام 2017، منعت قوة من وزارة الداخلية عرض فيلم "اللي حصل في الهيلتون" في أحد الأماكن التي تنظم فاعليات الفن البديل حيث اقتحمت مكان العرض وفحصت هوية الموجودين بالكامل وأمرتهم بمغادرة المكان[14].

 

خاتمة

نلاحظ أن القوانين المنظمة لهيئة الرقابة تجعل منها أداة تُستخدم للقضاء على حرية الإبداع السينمائي وتتيح إستخدام الدولة لها للقضاء على أي وجهة نظر مخالفة لها. فلاحظنا تعاون أجهزة الرقابة مع الأجهزة الأمنية بعد الثورة في فرض سيطرتها على نوعية الأفلام التي تقدم إلى الجمهور حيث منعت الأفلام التي تمجد الثورة وصرحت بأفلام تنسجم مع رواية النظام الحالي عن الثورة. وكذلك الأمر بعد أحداث 30 يونيو والتى تبنتها أجهزة الدولة باعتبارها الثورة الحقيقة التي تعبر عن إرادة الشعب وتطلعاته والتي انتهت بتفويض الجيش لمحاربة الإرهاب والتطرف فظهرت موجة من الأفلام التي تمجد وتعظم دور رجال الشرطة والمخابرات وأفراد الجيش من خلال ذكر بطولاتهم في محاربة الإرهاب والجماعات الإرهابية المحظورة. كما تعاونت الرقابة للقضاء على حرية الإبداع بتبني أيدلوجية الدولة "المحافظة" تجاه قضايا عديدة منها الدين وقضايا مجتمعية أخرى وتصدير نموذج ل"المواطن الصالح". وفي ظل كل ذلك، لا يبقى إلا هامش ضئيل لحرية الإبداع السينمائي في مصر، مما أدى إلى تراجع الأفلام ذات النوعية الجيدة وصعود الأفلام التي لا تناقش أي قضايا مجتمعية وذات مستوى فني رديء.

 

 


 

[2] قرار الرقابة رقم 5 لسنة 2018.

[3] قرار الرقابة رقم 6 لسنة 2018.

[4] مؤسسة حرية الفكر والتعبير "الرقابة والإبداع فى ظل ثلاث أنظمة مختلفة" برنامج حرية الإبداع- 2014

[5] بموجب القانون رقم 38 لسنة 1992.

[6] راجع حسين بيومي "الرقابة على السينما: القيود والحدود" صادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب لعام 2012 .

[7] راجع سمير فريد، "تاريخ الرقابة على السينما في مصر"، صادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب-لعام 2016.

[8] [8] قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 162 لسنة 1993 بشان اللائحة التنفيذية لتنظيم أعمال الرقابة على المصنفات السمعية والسمعية البصرية

[9] راجع نص المادة 5 من القانون رقم 430 لسنة 1955

[10] راجع المادة 9 من القانون رقم 430 لسنة 1955

[11] راجع حسين بيومي، مصدر مذكور سابقا.

[12] راجع حسين بيومي، مرجع مذكور سابقا.

[13] حكم المحكمة التأديبية المختصة بالعاملين من مستوى الإدارة العليا بالقاهرة في القضية رقم 35 لسنة 1977.

[14] راجع مصطفى محيي، "الشرطة تداهم بلكون لاونج وتمنع عرض فيلم اللى حصل فى هيلتون"-مدى مصر- 24-11-2017