بتاريخ 12/07/2018، صدر قرار قضائي جديد باعتبار أن المثلية ليست جرماً. فيما أن هذا القرار هو الخامس من نوعه، فإنه يتميز أنه يصدر للمرة الأولى عن محكمة استئنافية، بحيث أن القرارات الأربعة السابقة صدرت عن قضاة منفردين جزائيين. صدر القرار عن محكمة الاستئناف الجزائية في جبل لبنان (الغرفة الثانية عشرة برئاسة القاضية رندى كفوري، والمستشارين زيدان وبو نصار) بأكثرية أعضاء الهيئة بعدما سجّل بو نصار مخالفة. ويسجل أنه أتى في سياق الاستئناف المقدم ضد الحكم الرائد الذي كان أصدره القاضي المنفرد ربيع معلوف بتاريخ 26/01/2017 في الاتجاه نفسه، فانتهى إلى تصديق الحكم المذكور ولو بحجج تختلف بعض الشيء عن الحجج التي استند إليها معلوف.

 

ومن أبرز ما تضمنه القرار، حيثيات ثلاثة:

الأولى، أنه اعتبر أن للقاضي تفسير عبارة القصد من "المجامعة خلافا للطبيعة" (الواردة ضمن المادة 534 من قانون العقوبات المدعى بها)، من منطلق أنها وردت ضمن الفصل الثاني من الباب السابع من قانون العقوبات والذي عنوانه هو التعرض للآداب والأخلاق العامة. بمعنى أن غاية المشرع من هذه العبارة، ليس بالضرورة معاقبة "الشذوذ الجنسي" (العبارة للمحكمة)، إنما أولا معاقبة التعرض للآداب والأخلاق الخاصة الذي هو مفهوم ذات مضمون متغير، يتعين على القاضي تحديده على ضوء التطور الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، تحررت المحكمة من التفسير التقليدي القديم للمجامعة خلافاً للطبيعة والذي كان يعتبر أنها تعني تحديداً العلاقات المثلية.

 

الحيثية الثانية، لم تكتفِ المحكمة بتفسير النص على هذا النحو. بل أنها أبدت في قرارها فهماً خاصاً للوظيفة القضائية، وتحديداً لكيفية تأويل النص القانوني. وهذا ما نقرؤه بوضوح في القرار حيث جاء حرفياً "يجب دوماً تفسير النص وتحديد نظاق تطبيقه بما يتلاءم معه (التطور الإجتماعي)، وإلا أضحى تطبيق النص غير مقبول إن من ناحية المنطق السليم أم العدالة الإجتماعية". وعلى ضوء هذه العبارة، يتأتى أنه يتعين على القاضي دائماً أن يفسر النص على النحو الذي يجعله متناسباً، ليس فقط مع التطور الاجتماعي، بل أيضاً مع المنطق السليم ومع العدالة الاجتماعية. ومن هذه الزاوية، بدت محكمة الاستئناف وكأنها تتبنى تصوراً للوظيفة القاضي يخرج عن التصور الذي يجعله خادماً للقانون لينحاز إلى التصور الذي يجعله رائداً في مجتمعه، وعاملاً أساسياً في سبيل تطوير منظومته القانونية. وبذلك، تلتقي محكمة الاستئناف مع موقف القاضي الابتدائي الذي كان أعلن أن وظيفة القاضي هي "حماية الحقوق والحريات". 

 

الحيثية الثالثة، انطلاقاً مما تقدم، خلصت المحكمة إلى تحديد مضمون "التعرض للآداب والأخلاق العامة" على أنه يشمل "المجامعة التي تخرج عن المفهوم التقليدي للعلاقة الجنسية الطبيعية بين رجل وامرأة، متى حصلت على مرأى من الغير أو مسمعه أو في مكان عام أو متى تناولت قاصراً يجب حمايته". وعليه، وفق هذه القراءة، تكون العلاقة المثلية بين راشدين حرة لا يعاقب القانون عليها، إلا إذا حصلت في مكان عام أو  مع قاصر.

 

ومع هذا الحكم، تكون محكمة الإستئناف قد إنضمت لأوّل مرة في تاريخها إلى مجموعة القضاة اللبنانيين الذين رفضوا تطبيق المادة 534 على العلاقات المثلية (منذ 2009 وصولاً إلى حكم القاضي معلوف سنة 2017)؛ على أمل أن تتوسع دائرة القضاة المجتهدين لمواكبة التطور العلمي والإجتماعي، وضمناً قضاة النيابات العامة. فتكف ملاحقة مثليي الجنس على خلاف الحقوق والحريات الأساسية المحمية في الدستور اللبناني وفي المعاهدات الدولية.

 

يذكر أخيراً أنه كان ترافع أمام المحكمة محامون أربعة من المفكرة القانونية (هم يمنى مخلوف ونزار صاغية وغيدة فرنجية وكريم نمور) خلال الجلسة المنعقدة بتاريخ 18/06/2018. وقد طلبت مخلوف في مرافعتها ردّ الإستئناف على أساس أنه لا يمكن الحكم على الميل الجنسي وبأن المادة 534 المذكورة لا تعاقب المثلية الجنسية بصفتها ميلاً. كما ذكرت مخلوف بالتطور الحاصل في مقاربة المثلية الجنسية على الصعيد الدولي من خلال تعديل القوانين التي كانت تجرم العلاقات المثلية، مسترشدة بالمعاهدات الدولية وبتطور الإجتهاد اللبناني في هذا الإطار. أما صاغية فأوضح أن مرافعته لا تهدف إلى الدفاع عن المدعى عليهم وحسب، بل أولاً الدفاع عن حق القضاة بالاجتهاد واستقلاليتهم، وأيضاً عن التصور الذي عبر عنه القاضي الابتدائي لوظيفة القاضي التي تتمثل أولاً في حماية الحقوق والحريات.