مع أوائل شهر مايو 2018، أعلن وزير التربية والتعليم طارق شوقي عن ملامح وشكل المنظومة التعليمية الجديدة المُقرر تطبيقها مع بداية العام الدراسي القادم في سبتمبر. وأكد الوزير في تصريحاته أن النظام الجديد سوف يحدث تغييراً جذرياً في فلسفة التعليم وأساليب التعلُم في المدارس المملوكة للدولة "الحكومية" و"التجريبية" (التي تُدرس العلوم والرياضيات بلغات أجنبية).

ومن الجدير بالذكر أن الملامح الأولى للمشروع المُعلن عنه تناولت الخطوط العريضة له ولم تتضمن طرق تنفيذه  للوصول إلى النتائج المراد تحقيقها. يهدف المشروع إلى تغيير طرق التدريس بما يضمن المزيد من التفاعل بين المعلم والطلاب عن طريق التركيز على الأنشطة التعليمية وتنمية المهارات بجلوس الطلاب في مجموعات وتغيير المناهج الطويلة بأخرى قصيرة وهو ما يعمل عليه حاليًا مركز تطوير المناهج لتطبيقه في العام الدراسي المقبل. كما يضع  النظام الجديد إستراتيجية جديدة لنظام الثانوية العامة بحيث يكون النظام تراكميا على مدار ثلاث سنوات يمتحن فيها الطالب 12 امتحان يحتسب منها الامتحانات الستة الأفضل في التقييم فقط، كما يصبح الامتحان على مستوى المدارس وليس على مستوى الجمهورية كما هو حالياً. هذا بالإضافة إلى إصلاح البنية التكنولوجية في المدارس وتدريب المعلمين وتسليم الطلاب أجهزة "تابلت" على نفقة الدولة يجيب الطالب من خلالها على أسئلة الامتحانات[1].

ويلحظ أن تغيير النظام التعليمي لم يخضع لأي حوار مجتمعي قبل الإعلان عنه. وما يدلّل على ذلك هو غضب أهالي طلاب المدارس التجريبية من الإعلان عن تعريب مناهج الرياضيات والعلوم وتدريسها باللغة العربية بدلاً من اللغات الأجنبية. وهو ما واجه الوزير بتهديدهم بالسجن في حال التظاهر ضد قرار الوزارة وسياسة الدولة[2]. وفيما يتعلق بتمويل المشروع الجديد، صرح الوزير بأن المشروع يعتمد على المنح والقروض المخصصة لتطوير ملف التعليم من صندوق البنك الدولي بفترة سماح لسداد القرض من 7 إلى 10 سنوات قبل احتساب الفوائد[3] مع تخصيص 20% من قيمة القرض لتدريب المعلمين في مراحل التعليم المختلفة. إلا أن التصريحات لم تتضمن مصادر تمويل الدولة أو زيادة نسبة المخصصات من الميزانية على ملف التعليم مما يعكس عدم جدية الدولة بتحسين المنظومة التعليمية[4].

 

تجاهل المشاكل الحقيقية للمنظومة التعليمية في المشروع الجديد

من الجدير بالذكر أن مشروع تنمية وإحلال نظام التعليم ما قبل الجامعي الجديد لم يتطرق إلى جوهر إشكاليات التعليم الحكومي مثل التسرب من التعليم[5]، بالإضافة إلى تكدس المدارس الحكومية المجانية من عدد الطلاب بحيث يصل عدد الطلاب في الفصل الواحد إلى 100-120 طالب[6] مما يجعل التفاعل بين المُعلم وكافة الطلاب مستحيلًا على مدار الحصص المدرسية التي لا تتجاوز الساعة. وفي حين أشار الوزير إلى أن النظام الجديد سيقوم على هذا التفاعل لم يتطرق إلى كيفية حل مشكلة التكدس. بالإضافة إلى ذلك، المناهج الحالية تقليدية تكرس الحفظ دون الفهم، والمشروع الحالي أشار إلى تحديثها وأنه خلال أول 6 سنوات لن يتم تدريس المواد بشكل منفصل، بل تدريسها في صورة "باقة" أي يتم التقسيم حسب مواضيع، ويتم دراسة كل موضوع من جوانبه المختلفة دون التطرق إلى "مواضيع كل سنة"، وكيفية تطوير المناهج التي سيتلقاها الطالب بعد ال6 سنوات هذه. وهو ما يثير التساؤلات والشكوك، خاصة أن الحكومة تدّعي تطويرها المستمر للمناهج لتواكب التطور المجتمعي إلا أنها تطويرات صورية لا تمس مضمونها.

 إلى جانب ذلك، نشير إلى أن الغالبية العظمى من عناصر المشروع تحتاج إلى بنية تحتية وأساسيات يتوقف عليها نجاح المشروع وإلا سيكون إهداراً  للموارد المالية. فعلى سبيل المثال، يعتمد النظام-كما أشار إليه الوزير- في المقام الأول على المُعلم ومهاراته ولكن لم يتطرق إلى إجراءات تدريب المعلمين على هذا النظام الجديد الذي يبدأ تطبيقه بعد أشهر قليلة. كما لم يتطرق الوزير إلى رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمعلم في ظل النظام الجديد، وهو الأمر الضروري لضمان التزام المُعلم بالنظام الجديد والقضاء على الدروس الخصوصية تماماً.

على الجانب الآخر، يجب أن نشير إلى أن النظام الداخلي للمدارس يغلب عليه الطابع السلطوي. فحتى يومنا هذا، يرتدي الأطفال فى المدارس الابتدائية الزي الموحد ويقومون بأداء تحية لعلم الجمهورية كل صباح بدلًا من الأنشطة الرياضية. ومؤخراً، ومع بداية العام الحالي وتصاعد خطاب الدولة تجاه الحرب على الإرهاب، أشاعت بعض الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي بأنه تم إستبدال النشيط الوطني في بعض المدارس بنشيد الصاعقة الأكثر تداولا عبر أجهزة الإعلام التابعة للدولة. والجدير بالإشارة أن تحية العلم نشاط قامت بإلغائه العديد من الدول الأكثر تقدمًا في مجال التعليم. فضلاً عن تكريس مبدأ العقاب الدائم وعدم النقاش عن طريق تعيين أطفال مثلهم كمراقبين بالتناوب على أداء زملائهم في الفصول وهم يسمون "بالشرطة المدرسية" ويقومون برصد الطلاب المتسربين من الفصول في أوقات الدروس وتسليمهم للمعلمين في الفصول. ولم يتطرق الوزير في المشروع الجديد إلى النية في تغيير هذا النظام بأي طريقة من الطرق، بل أشار إلى إضافة مواد تندرج تحت قسم التربية مثل التربية الاجتماعية والتربية الشخصية دون تفصيل ماذا تعني أو تستهدف هذه المواد.

 

التعليم كسلعة للأغنياء فقط

تلتزم الدولة بموجب الدستور منُذ الحقبة الناصرية بتوفير الحق في التعليم بالمجان حتى نهاية مرحلة الثانوية أو ما يعادلها، بالإضافة إلى تخصيص الدستور الحالي لنسبة 6% من إجمالي الناتج المحلي لهذه المراحل[7]، وهي نسبة ضئيلة بالمقارنة مع احتياجات النظام التعليمي. إلا أن الدولة لا تلتزم بهذا المبدأ الدستوري. ففي مشروع الموازنة العامة 2016-2017 بلغت مخصصات قطاع التعليم الجامعي وقبل الجامعي نسبة 3.2% من إجمالي الموازنة وهو نصف الحد الأدنى من المنصوص عليه دستوريًا[8].

 وترجع الأزمة إلى التسعينات حين شرعت الحكومات المتتالية في تقليص دور الدولة في مجال التعليم في مقابل تعظيم دور القطاع الخاص من خلال برامج الخصخصة والاندماج في السوق العالمي[9]. وأدت هذه السياسات إلى تحول التعليم إلى سلعة وازدهار سوق قطاع التعليم الخاص الذي يقدم الخدمات التعليمية للطبقات القادرة على الدفع مقابل التعليم حيث يقتصر دور الدولة على التنظيم والتحكم في الأسعار[10]. كما أدت هذه السياسات الليبرالية إلى انهيار البنية التحتية للمنظومة التعليمية في مصر بالتزامن مع انخفاض رواتب المعلمين وارتفاع كثافة الفصول، مما وسع الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء وجعل من التعليم مجرد سلعة استهلاكية يقدر على سداد ثمنها من يملك رأس المال فقط. وبالتالي، أصبح التعليم طبقيا وتمييزيا بشكل تام حيث يختلف نوع المدرسة حسب القدرة على تحمل الرسوم والمصاريف الدراسية. فالفقراء يذهبون إلى المدارس الحكومية المجانية لأنها لا تكلفهم غير رسوم رمزية (حوالي 80% من الطلاب في مصر)[11]؛ ثم أبناء الطبقة الوسطى الذين يذهبون إلى المدارس الحكومية التجريبية حيث يتحملون مصروفات مدرسية أعلى في مقابل الحصول على مناخ تعليمي أفضل بعيداً عن المدارس المجانية التي تدهورت أوضاعها وأصبحت أماكن غير صالحة للتعليم. ثم تأتي مدارس القطاع الخاص والدولي والتي تعامل كشركات ذات شخصية اعتبارية تسري عليها القوانين المصرية. وينظم القرار الوزاري رقم 420 لسنة 2014 التعليم الخاص[12] والذي يقتصر على أبناء الطبقة الأعلى في المجتمع (الطبقة الوسطى العليا والأغنياء) والتي تمتلك رأس المال مثل أصحاب الوظائف العليا والقضاة وكبار المسؤولين. وأدت هذه الفروق إلى توسع الفجوة بين طبقات المجتمع وانعدام العدالة الاجتماعية ومبدأ تكافؤ الفرص المكفول في الدستور لعدم قدرة النسبة الأكبر من المواطنيين على إلحاق ذويهم بمدارس تقدم مضمونا تعليميا مناسبا لمتطلبات السوق من مهارات لغوية وفكرية يحصل عليها الطالب القادر على الإنفاق فقط.

بالإضافة إلى ذلك، بدأت مؤخرًا قطاعات بالقوات المسلحة بالاستثمار في المنظومة التعليمية كمدارس بدر الدولية للغات،[13]وهي مدارس تابعة لجهاز المشروعات بوزارة الدفاع أي تخضع للإعفاء الضريبي بنص المادة 47 من قانون الضريبة على الدخل[14]معفاة من الضرائب وفقاً لقانون رقم  91 لسنة 2005. وهو ما يعني أن أجهزة الدولة أصبحت تنافس القطاع الخاص فى زيادة أعباء المهمشين.

وعبرت التصريحات الأخيرة لمسؤولين في الدولة بصورة واضحة عن هذه السياسة. فقد صرح رئيس الجمهورية لأحد الصحفيين الفرنسيين عند سؤاله عن حقوق الإنسان في مصر، بعدم وجود انتهاك لحقوق الإنسان أو تعذيب في مصر ومن الأولى الحديث عن حقوق المصريين فى تعليم وصحة جيدة، فلا يجوز الحديث عن حقوق الإنسان في بلد لا يوجد فيها صحة ولا تعليم جيدان[15]. وهو ما يُعد اعترافا من أكبر مسؤول في الدولة إلى ضعف هذه القطاعات وضرورة الاهتمام بها. إلا أن الرئيس في لقاءاته الشهرية مع الشباب دائماً ما يتحدث عن عدم قدرة الدولة على تحمل أعباء العملية التعليمية في ظل مجانيتها. كما صرح أنه على الرغم من أهمية التعليم إلا أن الكنيسة والجامع يقع على عاتقهم المهمة الأساسية، ويجب ألا نختزل الموضوع في العلم والمعرفة. فلا قيمة للتعليم في وطن ضائع أمامه الكثير من التحديات، وأن الدول التي كانت تتبنى سياسات تعليمية ومناهج متقدمة أصابتها الفوضى والحرب[16]. وهو ما يؤكده وزير التربية والتعليم صاحب مشروع التطوير الذي يشكك في قدرة الدولة على استمرار تحمل فاتورة التعليم خاصة وأن أولياء الأمور قادرون على دفع مبالغ كبيرة في الدروس الخصوصية وأن التعليم أصبح سلعة لها تكلفتها التي لا تستطيع الدولة تحملها[17].

 

[1] راجع "30 معلومة عن نظام التعليم الجديد أبرزها: المعلم لن يضع أسئلة الأمتحان"- جريدة اليوم السابع الإلكترونية- 16/04/2018.

وراجع: هبة عفيفي، "نظام التعليم الجديد: ما نعرفه وما لا نعرفه"، موقع مدى مصر- 28/05/2018.

[2] فيديو لوزير التربية والتعليم منشور على اليوتيوب بتاريخ 05/05/2018 لموقع بلدنا اليوم بعنوان "وزير التربية والتعليم يهدد الأهالى بالسجن حال التظاهر ضد قرار المدارس التجريبية".

[3] راجع "وزير التعليم: فوائد قرض البنك الدولى لدعم التعليم من 7-10 سنوات"- جريدة الوطن بتاريخ 16/04/2018.

[4] هبة عفيفي، "نظام التعليم الجديد: ما نعرفه وما لا نعرفه"، موقع مدى مصر-8 28/05/201.

[5] راجع تقرير "المدارس والتفاوت الطبقي: من ينفق على التعليم فى مصر" منصة العدالة الاجتماعية والمركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

[6] راجع "تساؤلات عن مستقبل التعليم في ظل تصريحات الوزير الهلالي"-المركز المصري للحقوق الأقتصادية والأجتماعية- 21 فبراير 2016.

[7] راجع المادة 19 من دستور جمهورية مصر العربية لعام 2014

[8] راجع "مشروع موازنة 2016-2017: زيادة في الاستثمار وتساؤلات حول تحقيق العدالة الاجتماعية"، بيان صادر عن المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية- 12 يونيو 2016.

[9] راجع هدى الصدة، "إصلاح التعليم العالي في مصر وخطر سياسات الليبرالية الجديدة"، نشرة مشاهد القاهرة الغير دورية والغير مخصصة للبيع العدد رقم 5.  

[10] لمزيد عن الاستثمار في التعليم راجع: مي شمس الدين، "هل تحل الشراكة مع القطاع الخاص أزمة التعليم في مصر؟"-مدى مصر- 25-9-2016.

[11] راجع الإحصائية المنشورة فى المرجع رقم 3 فقرة التعليم الحكومي مقابل الخاص

[12] راجع مرجع رقم 3

[13] راجع جريدة المصرى اليوم بعنوان مدارس الجيش 01/09/2016

[14] تنص المادة 47 من قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 على "تفرض ضريبة سنوية على صافى الأرباح الكلية للأشخاص الاعتبارية أيًا كان غرضها وتسرى الضريبة على:1) ...........عدا جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بوزارة الدفاع...."

[15] راجع يوتيوب لقاء صحفي للرئيس السيسي ونظيره الفرنسي بقصر الإليزيه++ بباريس بتاريخ 24/10/2017.

[16] راجع يوتيوب حديث السيسي بالجلسة العامة الأولى لمؤتمر الحوار الشهري الأول للشباب حول التعليم بتاريخ 10/12/2016 .