بتاريخ 10 يونيو 2018، وافق مجلس النواب في جلسته العامة من حيث المبدأ على مشروع قانون "تنظيم الصحافة والإعلام" ومشروعين قانونين آخرين ينظمان عمل كلًا من "الهيئة الوطنية للصحافة" و"الهيئة الوطنية للإعلام". وإذ أحال المجلس تبعا لذلك هذه النصوص إلى قسم التشريع بمجلس الدولة لإبداء الرأي القانوني، أرسل هذا الأخير ملاحظاتها عليها والتي ذهب أغلبها إلى ضبط بعض الصياغات وتعديل بعض المرادفات دون المسّ بمضمون النصوص نفسها[1].

ويأتي ذلك بعد أقل من عامين من إصدار قانون "التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام[2]" الذي أُنشئت بموجبه عدد من الهيئات المعنية بتنظيم عمل المؤسسات الإعلامية والصحفية في مصر وعلى رأسها المجلس الأعلى للإعلام[3].  وانتهت اللجنة البرلمانية المسؤولة عن إعداد تلك القوانين الجديدة إلى ضرورة إلغاء قانون "التنظيم المؤسسي" وضمّ المواد المتعلقة بالمجلس الأعلى للإعلام إلى قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد نظرًا لإرتباط عمل المجلس الأعلى ارتباطًا وثيقًا بتنظيم الصحافة والإعلام. بالإضافة إلى ضرورة فصل الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام بقانون مستقل لكل منهما نتيجة للفجوات العملية التي ظهرت أثناء تطبيق القانون على حد التقرير الصادر عن اللجنة[4]. كما تضمنت مواد قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد بعض التعديلات فيما يخص طريقة تشكيل المجلس الأعلى للإعلام وعدد أعضائه[5]، بالإضافة إلى التوسع في الصلاحيات الممنوحة له ليصبح هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن كافة وسائل الإعلام والصحف والمواقع الإلكترونية.

ومن الجدير بالذكر أن هذا التخبط والإسراف في إصدار التشريعات المُتعلقة بتنظيم المشهد الإعلامي والصحفي لا ينُم إلا عن غياب رؤية تشريعية واضحة ينتهجها المُشرع المصري، ويفتح الباب للعديد من التساؤلات والشكوك بشأن الرغبة في إحكام مزيد من السيطرة على حرية الصحافة والإعلام. كما نصت هذه القوانين على عدم توقيع أي عقوبات سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر[6]، إنفاذًا للدستور، مع إستثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو الطعن في أعراض الأفراد[7]. كذلك عدم جواز اتّخاذ الوثائق والأوراق التي يحوزها الصحفي أو الإعلامي كدليل اتهام ضدّه في أي تحقيق جنائي.[8] بالإضافة إلى النص على إلتزام المؤسسات الصحفية بوضع حدّ أدنى لأجور الصحفيين وكذلك الإلتزام بعلاجهم[9]، وذلك في محاولة لإرضاء وطمأنة الصحفيين والعاملين بالمؤسسات الإعلامية. ولكن على النقيض تمامًا تسببت القوانين الجديدة في موجة غضب داخل الأوساط الصحفية والإعلامية مما دفع أكثر من 15 عضوًا سابقًا بمجلس نقابة الصحفيين لإصدار بيان رفضوا فيه مشروعات قوانين الصحافة والإعلام المعروضة على مجلس النواب، ووصفها البيان بأنها «تشكل اعتداء على الدستور وردة واضحة عن الحريات الصحفية، وتفتح باب الهيمنة على العمل الصحفي»[10]. بل وصل الأمر حدّ تقديم أحد أعضاء مجلس نقابة الصحفيين إستقالته إعتراضًا على القوانين الجديدة[11].

 

مزيد من السيطرة على المشهد الإعلامي والصحفي

استهل مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد أحكامه بالنص على كفالة الدولة لحرية الصحافة والإعلام باعتبارها أحد الأركان الأساسية لأي نظام ديمقراطي[12]. كما حظر فرض أية رقابة عليها أو وقفها أو مصادرتها إلا في حالات محددة في زمن الحرب أو التعبئة العامة[13]. ولكن كما جرت العادة في أغلب القوانين الصادرة في الفترة الأخيرة، لحقت تلك المواد نصوص أخرى تفرغ تلك الحريات من مضمونها الحقيقي. فحظر على كافة الوسائل الإعلامية والصحفية والمواقع الإلكترونية نشر أي مواد تخالف "النظام العام والآداب العامة"، كما أعطى المجلس الأعلى للإعلام صلاحية منع أي مطبوعات أو صحف للإعتبارات التي قد يقتضيها "الأمن القومي"[14]. تلك المصطلحات التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من قاموس المُشرع المصري في الأعوام الأخيرة، ولا تستخدم إلا من أجل فتح المجال دائمًا لملاحقة الأفراد والكيانات. كما حظر القانون الترخيص بإنشاء أي وسيلة صحفية أو إعلامية قد "تحرض على الإباحية"[15]، وهي المادة التي على أساسها قد يتم ملاحقة وحظر أي وسيلة إعلامية تتناول أخبارا تتعلق بمجتمع المثليين في مصر أو ما يتعرضون إليه من مضايقات، أو حتى قد تكون مهتمة بالثقافة الجنسية بشكل عام.

 

 

 

المواقع الإلكترونية تحت رقابة الأعلى للإعلام

اشترط مشروع القانون الجديد ضرورة الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى للإعلام لتأسيس أي مواقع إلكترونية داخل مصر أو إدارة مكاتب أو فروع لمواقع إلكترونية تعمل من الخارج[16]، وهو الأمر غير المفهوم على الإطلاق. فلم يشترط أن يكون المحتوى الذي يقدمه هذا الموقع يتضمن أي مواد إعلامية أو إخبارية مثلًا؛ بل جاء النص ليشمل كافة المواقع الإلكترونية. مما يعني أن أي شركة لديها موقع إلكتروني لعرض خدماتها، أو سلسلة محلات عالمية، أو حتى موقع ترفيهي للألعاب يحتاج إلى ترخيص من المجلس الأعلى للإعلام قبل إنشائه أو إدارته. كما توسع القانون أيضاً في مفهومه عن (الموقع الإلكتروني) الذي تنطبق عليه أحكام هذا القانون، فاعتبر أن كل موقع إلكتروني شخصي أو مدونة شخصية أو حتى مجرد حساب إلكتروني شخصي على إحدى منصات التواصل الإجتماعي ويبلغ عدد متابعيه أكثر من خمسة آلاف متابع يخضع لما تخضع له "الوسائل الإعلامية" من حظر نشر أي أخبار كاذبة أو ما قد يعتبر سبًا أو قذفًا لأحد الأشخاص أو إمتهانًا للعقائد الدينية[17]. فمن منظور حقوقي، نجد أن هذا النص يعصف بكافة الحقوق الدستورية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير وحرية العقيدة على حد سواء كما يثير التساؤل حول مفهوم حرمة الحياة الخاصة وحدودها. ومن منظور قانوني، نجده يربط وقوع المخالفة من عدمها وبالتالي توقيع العقوبة على تصرفات الغير، وهي متابعة الآخرين وعددهم، فإذا نشر شخصان نفس العبارات ولكن أحدهما يزيد عدد متابعيه عن خمسة آلاف متابع والآخر أقل من هذا العدد، يخضع الأول فقط إلى العقوبات الواردة في أحكام هذا القانون كحجب الحساب أو إلغاء تصريح الموقع[18]، مما يثير شبهة عدم دستورية هذا النص بشكل واضح.

 

ملكية المؤسسات الإعلامية والصحف للمصريين فقط

حظر مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد تملك غير المصريين لأي وسيلة إعلامية أو صحيفة يومية تصدر في مصر[19]، بل ذهب القانون إلى أبعد من ذلك بالنص على عدم جواز الجمع بين ملكية صحيفتين يوميتين لأي شخص أو حتى أفراد أسرة واحدة[20]. كما وضع قيدا على الشركات العاملة في مجال الإعلام بعدم السماح لها بامتلاك أكثر من سبع قنوات تلفزيونية على ألا تشتمل على أكثر من قناة عامة وأخرى إخبارية[21]. وذلك في محاولة لضبط المشهد الإعلامي والسيطرة عليه من وجهة نظر المشرع، وأيضًا الحد من ظاهرة احتكار بعض الشركات لعدد كبير من المؤسسات الإعلامية ذات التأثير الواسع[22]. فمن الجدير بالذكر، أنه منذ يناير2011 حتى الآن تزايدت نبرة التخوين والاتهامات بالعمالة بين الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي المصري. وكثيرًا ما ارتبطت تلك الاتهامات بدول معينة دون غيرها لديها من القدرات المادية ما يجعلها قادرة على شراء عدد كبير من الوسائل الإعلامية والصحف وبالتالي توجيه الرأي العام بشكل أو بآخر. لذا نعتقد أنه استقر في ذهن المُشرع المصري ضرورة عدم السماح لغير المصريين بتملك أي مؤسسات إعلامية أو صحفية في الوقت الحالي. وهذا الأمر يسلط الضوء على إشكالية أخرى، وهي "قوانين اللحظة" والمقصود بها سيطرة اللحظة الراهنة بشكل كامل على رؤية المشرع أثناء إصداره للقوانين الجديدة، متجاهلًا إستثنائية الظروف والتحالفات القائمة في المشهد السياسي المصري في الوقت الحالي، وضرورة أن توضع التشريعات لتبقى وتنظم وليس لتخدم مصالح وقتية بعينها.

 

صحف الدولة في قبضة الهيئة الوطنية للصحافة

تعكس مواد مشروع قانون الهيئة الوطنية للصحافة الجديد رغبة الدولة في فرض سيطرتها الكاملة على كل ما يخص المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة ملكية خاصة، وذلك عن طريق السيطرة على تشكيل الجمعيات العمومية للمؤسسات الصحفية القومية بشكل غير مسبوق. فقد اعتبر مشروع القانون رئيس الهيئة الوطنية للصحافة والذي يختاره رئيس الجمهورية رئيسًا للجمعية العمومية لكافة المؤسسات الصحفية القومية على أن يتكون باقي أعضاء الجمعية العمومية لأي مؤسسة، والذين تختارهم الهيئة الوطنية للصحافة[23]، من ثلاثة أعضاء من الهيئة الوطنية للصحافة من غير المنتمين للمؤسسة الصحفية، وسبعة خبراء متخصصين في المسائل المالية والاقتصادية والقانونية من خارج المؤسسة أيضًا، بالإضافة إلى ستة من العاملين بالمؤسسة الصحفية يتم انتخابهم بالاقتراع السري على أن يكونوا اثنين من الصحفيين واثنين من الإداريين واثنين من العمال[24]. أي في النهاية تتكون الجمعية العمومية للمؤسسة الصحفية الواحدة من 17 عضوًا بينهم 6 فقط من داخل المؤسسة ومن بينهم  صحفيين فقط. فهل يعقل ألا يتواجد في الجمعية العمومية لمؤسسة عريقة كمؤسسة الأهرام مثلًا غير صحفيين فقط من أبنائها. وهو ما قد يؤثر على قرارات تلك الجمعيات العمومية ويجعل تركيزها الأكبر منصبا على الشؤون المالية وكيفية جلب الإعلانات وما إلى ذلك من أمور، مع تجاهل تطوير المحتوى الصحفي أو تنمية قدرات الصحفيين أنفسهم. بل وقد يصل الأمر إلى الوقوف في طريق إبداعات بعض الصحفيين ومصادرة آرائهم نظرًا لعدم فهمهم لماهية الصحافة من الأساس.

خاتمة

مع صدور قانون "التنظيم المؤسسي"[25] في ديسمبر 2016 وإنشاء المجلس الأعلى للإعلام بصلاحيات واسعة، أصبح واضحًا رغبة السلطة التنفيذية في إحكام قبضتها على المشهد الإعلامي والصحفي في مصر. ولكن مع تلك القوانين الجديدة التي تفرض القيود على ملكية الصحف والمؤسسات الإعلامية، وتعزز توغل السلطة التنفيذية داخل المؤسسات الصحفية القومية بشكل كامل، تخطت الرغبة في الرقابة مستويات غير مسبوقة. كما يتعدى الأمر مجرد الرغبة في السيطرة على الإعلام التقليدي إلى السيطرة على وسائل الإعلام البديل أو ما يعرف بالإعلام الإجتماعي المُعتمد على وسائل التواصل الإجتماعي نظراً للدور الجوهري الذي لعبته منذ 2011 حتى الآن[26]. بالإضافة إلى قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية الذي وافق عليه البرلمان مؤخرًا والذي  يقنن  إغلاق وحجب للمواقع الإخبارية وغيرها[27]. وهي الأمور التي تدلل على اتباع نهج واضح وثابت من أجل خلق أكبر مظلة قانونية لتأميم الساحة الإعلامية والصحفية بكافة صورها المقروءة والمرئية والإلكترونية.

 


[1]  «الشروق» تنفرد بنشر التقرير النهائي لـ«إعلام النواب» حول قوانين الصحافة – بعد ورود ملاحظات مجلس الدولة – جريدة الشروق – 14/7/2018

[2] القانون رقم 92 لسنة 2016. والذي صدر في 24 ديسمبر 2016.

[5]  مادة (72) من مشروع قانون "تنظيم الصحافة والإعلام" الذي وافق عليه البرلمان.

[7]  نص المادة (29) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، والتي نصت على أن الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو   بالطعن في أعراض الأفراد، يحدد عقوباتها القانون

[8] نص المادة (30) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

[9] نص المادة (45) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

[12]  نص المادة (2) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

[13]  نص المادة (3) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

[14] نص المادة (4) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

[15]  نص المادة (5) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

[16]  نص المادة (6) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

[17] نص المادة (19) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

[18]  وهو أمر أيضًا غير مفهوم فكيف سيتم حجب حساب شخصي على أحد مواقع التواصل الإجتماعي كفيسبوك وتويتر !!!

[19]  نصوص المواد (35) و(51) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

[20] نص المادة (35) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

[21] نص المادة (52) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

[23] تتشكل الهيئة الوطنية للصحافة من رئيس يختاره رئيس الجمهورية، ونائب لرئيس مجلس الدولة، بالإضافة إلى ممثل لوزارة المالية يختاره وزير المالية، وأيضًا عضوان من الشخصيات العامة يختارهم رئيس الجمهورية، وممثلين ترشحهم نقابة الصحفيين وآخر عن نقابة العاملين بالصحافة والطباعة والإعلام يتم ترشيحه أيضًا، وعضوًا من الشخصيات العامة يرشحه مجلس النواب، على أن يختار رئيس الجمهورية من بين هؤلاء المرشحين من كافة الجهات التي تلتزم بتقديم ضعف العدد المطلوب منها حتى يتثنى لرئيس الجمهورية الإختيار.

[24] نص المادة (35) من قانون الهيئة الوطنية للصحافة.

[25] راجع مرجع رقم (2).

[26] راجع: حسن مسعد، "كيف نجحت الدولة المصرية في السيطرة على الإعلام الاجتماعي؟" - المفكرة القانونية – 16/5/2018.