"على من يحمي زوجي المتحرش بإبنته، ويقوم بمحاربة إمرأة وطفلة، أن يتوقف عن القيام بذلك وأن يضع حداً له". بهذه العبارة تطالب خديجة بيطار، والدة إبنة الـ4 سنوات، التي تعرضت للتحرش من قبل والدها، كل من توسط لزوجها للخروج من السجن، أن "لا يحمي متحرشاً ويساهم في تدمير حياة طفلة صغيرة". وجاء إثبات تهمة الأب بالتحرش بإحدى ابنتيه بناء على تقرير دائرة مصلحة الأحداث في وزارة العدل، والذي أخذت به محكمة الأمور المستعجلة في النبطية.

فبعدما ضجت مواقع التواصل الإجتماعي مؤخراً، بقرار المحكمة الشرعية الجعفرية في مدينة النبطية، بتوقيع القاضي الشيخ علاء الدين شرارة، الذي يسمح لأب تحرش جنسياً بإبنته، أن يلتقي بها وبأختها الأصغر منها (3 سنوات)، وأن يقضيا لديه ليلةً أسبوعياً (من عصر السبت إلى عصر الأحد)، أكدت والدة الطفلتين، خديجة، لـ "المفكرة القانونية"، أنها ستطعن بالحكم اليوم الثلاثاء لدى المحكمة الجعفرية، و"لن أسمح بتسليم إبنتي له مهما حصل". وفي الوقت نفسه، يكشف وكيلها (فضل عدم ذكر اسمه) بأنّها "معرضة للحبس الإكراهي باعتبار أنها خالفت قراراً قضائياً، وهو ما يسعى الأب للوصول إليه"، مناشداً وسائل الإعلام والجمعيات الحقوقية " الدعم الكامل للقضية الحساسة والصعبة".

ولم يكن قرار الحماية، الذي استحصلت عليه خديجة، في 18 يناير 2018، من قاضي الأمور المستعجلة في النبطية، والذي يمنع الأب من الإقتراب من إبنتيه، ومن التعرض لهما، ولا حتى القرار الظني الذي صدر بحقه والذي يدينه بالتحرش، كافياً بالنسبة للمحكمة الجعفرية وللقاضي شرارة، للأخذ باتهام الأب ومنعه من رؤية إبنتيه، ليقع تناقض بين القانونين المدنيّ والجعفريّ، وهو ما تؤكده ممثلة "الحملة الوطنية لرفع سن الحضانة لدى الطائفة الشيعية"، زينة إبراهيم، محذرةً من "خطورة استمرار القاضي شرارة في قراره"، ومعتبرةً أنّ "المحكمة لا تحكمها القوانين بل الوسائط وأمور أخرى غير مشروعة".

ويبرز التناقض المستغرب بوضوح، من خلال قيام القاضي المدني نفسه، الذي وقّع على قرار حماية الطفلتين من والدهما، بالتوقيع أيضاً على أمر بتنفيذ حكم القضاء الشرعي بتسليم الطفلتين لوالدهما بعد أربعة أشهر.  وبانتظار استئناف والدة الفتاتين للحكم، و"الحكم النهائي الذي سيصدر بحق الأب من الهيئة الإتهامية بعد انتهاء العطلة القضائية"، كما تؤكد خديجة، سـ "تتابع الحملة القضية، وسنحوّل الموضوع إلى قضية رأي عام"، توضح إبراهيم، مشيرةً إلى أن "الحملة تواصلت مع الوزيرة عناية عز الدين ووضعتها في صورة المعطيات الكاملة، بعد معلومات وصلتها (وصلت للوزيرة) عن أنّ القاضي الجعفري عند إصداره قرار الرؤية لم يكن على علم بتفاصيل القضية"، وفق ما نقلت إبراهيم عن عز الدين.

والمفارقة أنّ خديجة تلوم القاضي شرارة لإتخاذه القرار قبل التحقيق بالقضية، كاشفةً أنها عندما لجأت إليه لإستشارته بعد قيام زوجها بتهديدها، "لم يخبرني بأنّه أصدر قرار الرؤية لصالح الأب، لكنّه كان قد وقع عليه سابقاً بحجة أن القرار الظني غير كافٍ لإدانة الأب"، متساءلةً: "كيف يفعل ذلك وقرآننا وشرعنا يقول إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا؟".

وحاولت "المفكرة" الإتصال بالشيخ شرارة مراراً للإستفسار دون الحصول على أيّ جواب، إذ أنه أقفل هاتفه، وسط معلومات تقول أنه خارج البلاد. ومن جهته، أكد القاضي الجعفري الشيخ موسى سمّوري، المعروف بمواقفه وقراراته الإجتهادية والمتقدمة تجاه حضانة المرأة لأطفالها، في حديث مع "المفكرة"، أنّه ليس على علم بملابسات القضية، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنّه "شرعاً، في حال ثبت على الأب جرم التحرش، من المستحيل أن نمكنّه من حضانة أطفاله أو رؤيتهم بشكل منفرد، لأنّ الشرط الأساسي هو حماية الطفل من الضرر، وليس أن يُسبب له الضرر".

وغادرت الأم منزلها الخميس الماضي خوفاً من محاولة تسليم إبنتيها لوالدهما بالقوّة لـ "عدم تعريضهما لأي صدمة نفسية جديدة، ولكي لا يتمّ سحبهما من حضني بالقوّة"، وفي الوقت الذي تشير فيه إلى أنّها تستكمل العلاج النفسي لإبنتها بعدما تعرضت له، تؤكد أن والدها اليوم "حر طليق خارج السجن بسبب واسطة من أحد الأحزاب، بالرغم من صدور قرار ظني يدينه بوضوح".

في هذا السياق، توضح إبراهيم أنّه "من حق الأب في الحالة الطبيعية رؤية إبنتيه اللتين هما اليوم بحضانة الأم، ولكن في حالة عدم أهليته ووجود خطر على الفتاتين، لا يجب منحه هذا الحق"، موضحةً "أنّنا لن نقبل أبداً أن تسلّم خديجة بناتها لوالدهما"، وما يجب أن يحصل برأيها أن "يُلزم الأب بالخضوع لعلاج نفسي طويل قبل التأمين على بناته معه، وهو أمر صعب في لبنان، لأنّ الدولة إن تحركت ستقوم فقط بسجنه"، مضيفةً: "انتهاء محكوميته لن تعني أنّه لم يعد متحرشاً"، متخوفةً في الوقت نفسه من "عدم صدور حكم بسجنه لقوة واسطته".

مطالب الحملة لا تكفي خديجة، الأم التي تطالب عبر "المفكرة"، ب "َضروة فتح تحقيق قضائي شامل في القضية التي يجب أن تحلّ بشكل نهائي مدنياً وشرعياً"، متساءلةً بحسرة: "لماذا يقومون بحماية الفاسدين ويشتكون من الفساد في الوقت نفسه؟".

 

قصة خديجة وبناتها و"الذئب" المتحرش..

بدأت القصة نهاية العام 2017، عندما قررت خديجة مغادرة منزل زوجها برفقة إبنتيها الصغيرتين (4 و3 سنوات)، مؤكدةً أنها لم ترغب بالطلاق منه "لأنني كأم أتمنى بأن نربي إبنتينا معاً، وأن تكبرا في ظل حياة طبيعية ومشتركة". تتحدث خديجة عن "العلاقة القوية التي كانت تجمع الأب بإبنته المتعلقة به كثيراً، إلى أن بدأت تخاف من رؤيته كلما علمت أنه قادم لإصطحابها، ما دفعني للإستغراب"، مشيرةً إلى أنّها لم تتوقع أنّه يتحرش بها، وأنها استمرت حينها بالسماح له برؤيتها "لكي لا يتهمني أحد أنني أحرض الفتاتين على والدهما".

كبر الشك لدى خديجة، بعدما لاحظت عارضاً صحياً لدى إبنتها. تروي لـ "المفكرة": "في آخر مرة حضر والدها لإصطحابها، نظرت إلى عيونه وهو يحدق بها، شعرت كأنهم عيون ذئب يريد أن ينقض على فريسته". تتابع: "في اليوم التالي، رسمت إبنتي رسمة غريبة، قمت بعرضها على أخصائية نفسية، أكدت لي بعد المتابعة، أنها تتعرض للتحرش من والدها، طالبة مني عدم السماح لها بلقائه أبداً، وهو ما التزمت به".

ومنذ ذلك الحين، بدأت معركة الأم مع الوالد المتحرش ومع القضاء. تخبر أنها "توجهت مباشرة بالتقرير الطبي الذي أصدرته الأخصائية النفسية، والذي يقرّ بالتحرش إلى محكمة النبطية، ورفعت دعوى قضائية عند النائب العام الإستئنافي القاضي غادة أبو علوان، التي لم تقبل التقرير، بعد شكّها بأنني قد أكون فبركته لأحصل على الطلاق والحضانة"، وأضافت: "طلبت مني أبو علوان أن أحوّل الدعوى إلى مخفر حبيش، الذي سيوجهني بعدها إلى دائرة حماية الأحداث، وتقريرهم هو الذي سيحدد صحة كلامي من عدمه".

أتمّت خديجة كل الإجراءات، لتسارع دائرة حماية الأحداث بعد إجراء تحقيقها، بإصدار تقرير يقرّ بحصول التحرش، ليتمّ إلقاء القبض على الأب في اليوم التالي، ويصدر قاضي التحقيق في بيروت بلال وزنة بحقه قراراً ظنياً يدينه بجناية ويأمر بتوقيفه، مستغربةً "كيف للدولة أن تسمح بإخراجه من السجن بعد 47 يوماً والقرار الظني بالإدانة وقرار حماية إبنتيّ صادر عنها؟".

 

رفع سنّ الحضانة لدى الطائفة الشيعية لن يتحقق إلا بعد نضال طويل

بانتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة من تطورات في القضية، لا تزال العديد من النساء اللبنانيات يطالبن برفع سن الحضانة لدى الطائفة الشيعية، الذي لا يتعدى السنتين للصبي، والسبع سنوات للفتاة، وهو ما تعمل عليه الحملة منذ سنوات، بحسب ممثلتها زينة إبراهيم، التي تعبّر عن فخرها بـ"النجاح بإصدار ثلاثة قرارات مؤقتة بحضانة الأم الكاملة لأطفالها، وهو ما نركز عليه حالياً، لأنّ هناك أمهات مظلومات، ولأنّ قرار رفع سن الحضانة بحاجة إلى فتاوى من المراجع الشيعية، وهو أمر لن يتحقق إلّا بعد نضال طويل".

وتستغرب إبراهيم إتهام المحكمة للحملة بـ"أنها تعمل على ضرب الطائفة الشيعية لأهداف خارجية، مع أننا لسنا جمعية وليس لدينا أيّ تمويل"، مشيرة في القوت نفسه، إلى أنّ "عدد النساء اللواتي يُحرمن من أطفالهن يتعدّى المئات، وهو في ازدياد كل يوم، ما يدفعنا إلى الاستمرار في هذه الحملة لرفع الظلم الحاصل على الطفل والأم!".