عادت الحياة لتنبض أمس في 24 تموز 2018، في وسط  بيروت، لكن بالإعتصامات ورفع الأصوات اعتراضاً على تراجع مستوى حرية التعبير في لبنان. تجمع مئات الناشطين والصحفيين في ساحة "سمير قصير" عند  السابعة عصراً، ليرفعوا شعاراً مشتركاً وموحداً: "ضد القمع".

الحملة التي بدأت صغيرة وعفوية بإطلاق هاشتاغ على مواقع التواصل الإجتماعي منذ أيام، كبرت بسرعة لتعبّر عن سخط الكثيرين من القمع الذي يتعرض له نشطاء وصحفيون مؤخراً، من خلال إستدعائهم للتحقيق من قبل "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية" التابع للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، بسبب منشورات لهم على وسائل التواصل الاجتماعي "السوشيل ميديا"، تنتقد مختلف جوانب الحياة السياسية والدينية والاقتصادية في لبنان.

أحد المنظمين والداعين إلى الإعتصام، الناشط أدهم الحسنية، يشير في حديث مع "المفكرة القانونية" إلى أنّ "التحرك جاء سريعاً قبل أن تتوسع دائرة الرقابة أكثر ويضيق مدى المقص"، مؤكداً أنّ "كل الذين تمّ إستدعاؤهم في الآونة الأخيرة للتحقيق، لم تتضمن منشوراتهم أيّ قدح وذم، ما يعني أن مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية يستدعي تعسفياً، وهو أمر خطير جداً".

وأخطر ما في الموضوع بحسب الحسنية، هو "التعهد بعدم التعرض للرموز السياسية والدينية الذي يُلزم المستدعين بالتوقيع عليه، وذلك للضغط عليهم ومنعهم من التعبير عن رأيهم بحرية". هذا الأمر سبق أن أثارته "منظمة العفو الدولية" يوم 11 تموز 2018 ، بحيث تحدثت في تقرير لها، عن أنّ "ناشطي حقوق الإنسان في لبنان يُستدعوّن للتحقيق، ثم يتعرّضون للإبتزاز لتوقيع تعهدات غير قانونية بالإمتناع عن القيام بأفعال معينة لا تخلّ بالقانون، كشرط للإفراج عنهم". وتعليقاً على ذلك، قالت لين معلوف، مديرة بحوث الشرق الأوسط في المنظمة، إن "هذه التعهدات ليست سوى ضربٍ من ضروب الترهيب، ولا أساس لها في القانون".

وأكد الناشط ذو الفقار الحركة، خلال مشاركته في الإعتصام، أنّ "التنفس أصبح ممنوعاً في لبنان، وبعد كل كلمة نقولها يستدعوننا للتحقيق"، معتبراً أنّ الحل الوحيد هو "التوقف عن تقديس الناس، فحتى رئيس الجمهورية هو بشر مثلنا، ويحق لنا انتقاده إذا أخطأ"، مستغرباً كيف أنّه "بعد الحديث عن أنّ الرئيس ميشال عون أسقط كل الدعاوى التي رفعها على ناشطين، قام الثلاثاء برفع دعوى على ناشطة انتقدته".

وتمّ أمس الثلاثاء استدعاء الناشطة روان الخطيب للتحقيق معها على خلفية منشور ينتقد عون وفق ما تعتقده. وتقول روان لـ"المفكرة القانونية": "تكثر الإستدعاءات هذه الأيام لأنهم يرغبون بإسكات الجميع بالقوة، ولأنهم يخافون من أن نقول الحق"، داعيةً إلى "إغلاق مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، لأنّ ما يقوم به تفاهة وقمع لحرية الرأي والتعبير ليس أكثر".

 

مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية أم مكتب "تكميم الأفواه"؟

وتوالت خلال الأسبوع الماضي عملية استدعاء الناشطين من قبل "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية"، كان أبرزها خضوع الناشط شربل خوري، يوم 19 يوليو 2018، للتحقيق على خلفية منشور له حول القديس مار شربل. لم ينته التحقيق مع خوري الذي استمر ثماني ساعات إلا بتعهده إغلاق حسابه على موقع "فيسبوك" لمدة شهر، وبعدم التعرّض الى أي دين.

وبعد العديد من الإستدعاءات السابقة، استدعي مجدداً منذ أيام، الناشط عماد بزي، بسبب نشره تعليقاً عن فندق "إيدن باي" المتعدي على الملك العام على شاطىء الرملة البيضاء. بزي الذي تعذر عليه الحضور إلى جلسة التحقيق يوم الجمعة الماضي، بسبب خضوعه  لعملية جراحية، أشار إلى أنّ "الملفت للنظر أنه للمرة الأولى في تاريخ طويل من الإستدعاءات الأمنية، يتمّ إبلاغي بموضوع الشكوى، فمثلاً في قضية الوزير بانوس مانوجيان في السابق كان الجواب تعال وستعرف!"، وأضاف: "إنّه أمر جيد وتطوّر لافت وفيه إحترام لحقوقي كشخص مستدعى للتحقيق".

وكان بزي قد نشر منذ أسابيع، بوست على "فيسبوك"، يدعو فيه أصدقاءه لإعطاء تقييم سلبي لـ"إيدن باي" على وسائل التواصل الإجتماعي ومنصات السياحة عبر الإنترنت، وذلك برأيه كـ "نوع من التحرك السيبراني (أي الفضاء الإلكتروني) السلمي اللاعنفي، لإظهار غضبنا نتيجة إستهتار الشركة بمطالب المواطنين وضربها عرض الحائط بالقوانين والقرارات السابقة لمجلس شورى الدولة"، مؤكداً أنّ "طلب التقييم السيء ليس فيه أيّ نوع من الإفتراء، فهناك عدد كبير من القرارات القضائية بحق المشروع، والقاصي والداني يعلم أنّه يحتل حيزاً من الشاطئ العام".

يروي بزي لـ"المفكرة القانونية"، أنّ "عددا كبيرا جداً من المواطنين  تفاعلوا مع الطلب، بحيث تدنى تقييم ايدن باي إلى مستوى سيء للغاية، وطبعاً تعرض المنشور للتبليغ بكثافة وتمّت إزالته عن فيسبوك، لكن إتصالي بالموقع وإصراري على إستعادة المنشور، أدى الى إستدعائه في اليوم التالي". إستدعاء بزي للتحقيق على خلفية ما حصل، سيدفعه إلى "الإدعاء على إيدن باي للتعسف في إستخدام الحق في التقاضي"، مؤكداً أنّه لم يرتكب "أيّ عمل غير قانوني، بل كل ما قمت به يندرج ضمن حقي الطبيعي والإنساني كمواطن لبناني".

 

الناشطون يدافعون عن حقهم في التعبير الذي تراجع بشدة خلال العامين الأخيرين

وشرح بزي أنّ مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية "ليس ضابطة عدلية بحد ذاتها، ما يعني أنّه لا يتحرك تلقائياً لإستدعاء الصحفيين والناشطين، بل يقوم بذلك مكلفاً من النيابات العامة"، أي أنّ القضية الأساس برأيه "تكمن في استغلال السياسيين وأصحاب النفوذ للنيابات العامة واستنسابيتها في التعاطي مع القضايا، فهي تتحرك بسرعة فائقة وأحياناً من تلقاء نفسها للتحقيق مع مواطن أو صحفي نشر رأياً، بينما تتقاعس وتبطئ عندما يتعلق الأمر بقضايا حيوية للشعب اللبناني".

وأكد بزي لـ"المفكرة القانونية"، أنّ الحل يكمن في أن "تراعي النيابات العامة الأصول في الإستدعاءات، وأن لا تعتبر قضايا حرية التعبير مواضيعاً تستدعي الإستدعاء والتحقيق"، والأهم بحسبه هو أن "تتحرر من الضغوط السياسية، وأن لا تكون أداة تخويف وإبتزاز وقمع للمواطن من قبل أصحاب النفوذ السياسي والمالي"، مشيراً إلى أنّ "من يظن أنّه بإمكانه أن يعيدنا الى عهد الوصاية والنظام الأمني مخطىء تماماً".

"لنرفع الصوت عالياً إيمانا منا بما تبقى من ديمقراطية"، بهذه العبارة ختم تحرك "َضد القمع" دعوته اللبنانيين للتظاهر، فشارك المئات من الناشطين في إعتصام الأمس، مدافعين بشراسة عن حقهم بالتعبير عن الرأي، بإلقاء الشعارات والهتافات على الأرض، وبالكتابة والتعبير على مواقع التواصل الإجتماعي، التي ضجت بالغضب على الانتهاكات التي يتعرضون لها. واعتبر أحد المنظمين والداعين إلى الاعتصام، الناشط جاد شحرور، في حديث مع "المفكرة" أنّ "ما يحصل هو نوع من الترهيب السياسي والأمني ضد المواطنين"، مشدداً على "عفوية التحرك وتوسعه السريع، ما أظهر أن القمع الذي يحصل أصبح هاجس الكثير من اللبنانيين". ومن جهته، تمنى الناشط أدهم الحسنية أن "تنبثق بعد التحرك، لجان حقوقية لمكافحة القمع".

ومن الجدير بالذكر، أن تقارير دولية عدة، أكدت في العامين الأخيرين تراجع حرية الرأي والتعبير في لبنان، أهمها تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" لعام 2018، والذي أشار إلى أن "القيود على حرية التعبير اشتدت في ظل مماطلة في الإصلاحات الحقوقية، بحيث لاحقت السلطات اللبنانية أشخاصاً على خلفية التعبير السلمي". كما أكدت "منظمة العفو الدولية"، في تقريرها حول حالة حقوق الإنسان 2017/2018، أنّه "استمر مكتب مكافحة جرائم الإلكترونية في استجواب النشطاء السلميين والقبض عليهم واحتجازهم قبل المحاكمة بسبب نشر تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي". وأضاف التقرير: "أصدرت النيابة العامة ما لا يقل عن أربعة أوامر اعتقال بتهم منها تحقير الرئيس أو العلم أو الشعار الوطني، والازدراء والذم والتحقير". كما احتل لبنان خلال العام 2018، المرتبة 100 من أصل 180 بلداً، في "التصنيف العالمي لحرية الصحافة"، الذي أصدرته منظمة "مراسلون بلا حدود".