اختار العاهل المغربي، الملك محمد السادس، أمس الأحد، إلقاء خطاب عيد العرش، من مدينة الحسيمة التي كانت مركز الاحتجاجات التي عرفتها المنطقة خلال ما عُرف إعلاميا بـ"حراك الريف"، الذي حمل مجموعة من المطالب السياسية والاجتماعية، وخلّف عشرات المعتقلين من المحتجين، وأيضاً أعفي على خلفيته عدد من المسؤولين.

وفي قراءة لهذه الخطوة الفريدة، اعتبر حُقوقيون ومحللون سياسيون في تصريحات متفرقة لـ"المفكرة القانونية"، أن توقيت الخطاب، ومكان إلقائه، بالإضافة إلى مضمونه، كُلها تحمل إشارات رغبة المؤسسة الملكية في إيجاد "حلحلة للملف".

 

سياقات ودلالات..

في هذا الصدد، شدد عزيز إدمين، الباحث في العلوم السياسية، على أن للخطاب دلالة مكانية، مشددا على أن إلقاءه من مدينة الحسيمة، يبعث رسائل كثيرة مفادها أن "المدينة وملف الريف عموماً، يحظيان باهتمام خاص، ويُمثلان أولوية لدى المؤسسة الملكية".

وأوضح إدمين، في تصريح للمفكرة، أن "عقد الملك مجموعة من الاجتماعات بالمدينة، خاصة الاجتماع الذي أعقب الخطاب، وضمّ رئيس الحكومة إلى جانب مجموعة من الوزراء، يُعبر عن وجود بعض الحلول الميدانية التي يجب أن يُباشرها المسؤولون".

أما في ما يتعلق بمضمون الخطاب، فيرى المتحدث أن الأمر يتعلق بمستويين: "الأول، عبّر عنه الملك في مقدمة الخطاب، إذ تحدث عن استتباب الأمن والاستقرار بالبلاد، بالإضافة إلى الدفاع عن الوطن. وغيرها من المصطلحات التي استعملها الملك والتي تصب جميعاً في الحقول الدلالية المتعلقة بوجود تهديد حقيقي يهم وحدة البلاد واستقرارها، وبالتالي يدعو المواطنين للتوحد والتماسك من أجل حماية البلاد من هذه التهديدات".

أما "المستوى الثاني، فيرتبط بالإجراءات الميدانية والعملية التي من شأنها الإجابة بشكل صريح على انتظارات المواطن المغربي ومطالبه المختلفة"، موضحا أن "الملك حاول الإجابة على بعض هذه التساؤلات، عبر حثه الحكومة على إحياء الحوار الاجتماعي مع النقابات، والحرص على استمراره بشكل دائم"، بالإضافة إلى دعوته الإدارة إلى التفاعل السريع والجدي مع مصالح المواطنين، وأيضاً، اعتماد السجل الموحد الذي يعفي المواطن من مجموعة من الإجراءات الإدارية، يوضح إدمين.

وخلص المتحدث إلى أن "خطابا ملكيا، بهذه الحمولة والدلالة الجغرافية، وأيضاً المناسباتية، يقودنا نحو التأسيس لأرضية من شأنها حل إشكالية الريف وعلى رأسها إطلاق سراح المعتقلين".

 

الكرة في الملعب الآخر..

زاد المتحدث أن "المؤسسة الملكية، أبدت اليوم مجموعة من الإشارات، وبالتالي الكرة في ملعب باقي الفاعلين، سواء الأحزاب أو الحقوقيين، أو حتى المعتقلين أنفسهم وعائلاتهم والمدافعين عليها"، موردا أن "باقي الأطراف اليوم مطالبة ببعث رسائل إيجابية هدفها حل جماعي للملف في إطار شمولي، وليس تجزيئيا".

وقال: "الحل الشمولي، لن يكون بإطلاق سراح المعتقلين فقط، بل بإحقاق نموذج تنموي للمنطقة يجيب عن التحديات الحقيقية المطروحة هناك والتي عبر عنها المحتجون طيلة أيام الحراك في أكثر من مظاهرة وتجمع". وبالتالي: "ففي نظري أن إطلاق المعتقلين فقط، دون برنامج تنموي يجيب على المطالب الأساسية للساكنة يبقى حلا ترقيعيا للملف".

ويمضي أمين السعيد، الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، في نفس المنحى، إذ يعتبر أن "الملك قد طالب في أكثر من مناسبة، الأحزاب السياسية بإعادة النظر في أسلوب عملها، بالإضافة إلى اهتمامها بانشغالات المواطنين بالإضافة إلى تشبيب طاقاتها".

وأوضح السعيد، في تصريح "للمفكرة"، أن "الملك كما فعل في خطاب العرش للسنة الماضية، ها هو يطالب اليوم الأحزاب والنقابات مرة أخرى بلعب دورها الحقيقي، من خلال تأطير المواطنين والدفاع عن مطالبهم وهمومهم".

وقال "لقد نبه الملك إلى إشكالية تراجع مؤسسات الوساطة، كما طالب بهيكلة الحقل الحزبي، من خلال الانفتاح على الكفاءات الوطنية والنخب الشابة القادرة على التجاوب مع إنتظارات المواطنين".

كما وقف الخطاب الملكي بشكل قوي على المسألة الاجتماعية التي تعد دافعا رئيسيا لارتفاع وتيرة الاحتجاج، يورد المتحدث، موضحا أن "الملك دعا إلى إحداث مشروع إجتماعي مهيكل عابر للحكومات من خلال هيكلة الحماية الاجتماعية، وفق مقاربة تشاركية تأخد بعين الاعتبار السرعة في التنفيذ".

وزاد "خلاصة القول، الكرة الآن في ملعب باقي الفاعلين، من أجل لعب دورهم الحقيقي سياسيا واجتماعيا، وتأطيريا".

 

الحوار الاجتماعي.. باب الحل.

وفي الوقت الذي يتزامن الخطاب الملكي وتنامي المطالب الاجتماعي، خاصة تلك التي تُرفع من خلال احتجاجات مختلفة. يرى متتبعون أن الباب الأساسي لإيجاد حل لهذه الاحتجاجات، والإجابة على انتظارات المواطنين، خاصة تلك المتعلقة بالجانب الاجتماعي، يبقى هو الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات.

ويذكر أن الملك محمد السادس، قد سجل في خطاب العرش "تعثر" الحوار الاجتماعي، ليؤكد في أعقاب ذلك على أن "الحوار الاجتماعي واجب ولا بد منه، وينبغي اعتماده بشكل غير منقطع"، قبل أن يدعو الحكومة إلى "أن تجتمع بالنقابات، وتتواصل معها بانتظام، بغض النظر عما يمكن أن يفرزه هذا الحوار من نتائج"، مُطالبا مختلف الفرقاء بإنجاح الحوار المتعثر من خلال "استحضار المصلحة العليا، والتحلي بروح المسؤولية والتوافق، قصد بلورة ميثاق اجتماعي متوازن ومستدام، بما يضمن تنافسية المقاولة، ويدعم القدرة الشرائية للطبقة الشغيلة بالقطاعين العام والخاص".

من جهته، لفت ميلود موخاريق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، إلى أن "الملك وقف عند نقطة مهمة طالما طالبت بها النقابات"، موضحا أن "الحوار الاجتماعي من شأنه أن يكون فرصة لمعالجة مشاكل المغاربة العالقة منذ الولاية الحكومية السابقة".

وعلق في تصريح لموقع "هسبريس" المغربي، قائلا "لا يهمُّ شكل الحوار، سواء كان ثنائيا أو ثلاثيا، لأن الرهان هو التوافق حول صيغة موحدة تُخرج البلاد من حالة الانسداد". موضحاً "نريدُ حواراً جديا وتفاوضا بناء من أجل تجاوز "البلوكاج"، ولا نريد أن نكون لاعبا مُهمشاً داخل هذا الحوار لأننا طرف مهم نمثل الشغيلة العاملة"، يقول مخاريق، مُعلناً استعداد هيئته النقابية "للجلوس إلى طاولة المفاوضات من أجل الاتفاق على صيغة توافقية مع الحكومة".

 

عفو ملكي..

وكما جرت العادة في مختلف المناسبات الوطنية والدينية، أصدر الملك عفوه عن المئات من المعتقلين في السجون، دون أن يشمل ذلك أياً من المعتقلين على خلفية حراك الريف، والذين وُزعت عليهم ابتدائيا عقوبات سجنية نافذة، وُصفت بـ"الثقيلة".

وعمت حالة من الانتظار قُبيل خطاب العرش، إذ عبر عدد من السياسيين والحقوقيين، وأيضا عائلات المعتقلين، عن أملهم في إطلاق سراح أبنائهم أو على الأقل تخفيف العقوبات الصادرة في حقهم، من طرف الملك، إلا أن لائحة الأشخاص الذين شملهم العفو لم تضم أياً من نشطاء الريف.

وسبق لأعضاء هيئة الدفاع عن معتقلي حراك الريف أن أكدت، في ندوة صحافية، بكون حل هذا الملف "يجب أن يكون سياسيا طالما بدأ سياسيا"، مشيرين إلى أن "الحل المسطري والقضائي الذي اختارته الدولة لمعالجة حراك الريف ومعاقبة النشطاء، كما هو الشأن في كل المحاكمات السياسية عبر التاريخ، لن يكون سوى حل ملغوم غير معلوم العواقب".

وشمل العفو سجناء في حالة اعتقال وعددهم 899 سجينا، والعفو مما تبقى من العقوبة السجنية أو الحبسية لفائدة: 07 سجناء، والتخفيض من عقوبة الحبس أو السجن لفائدة : 865 سجينا.

وفي تعليق له على الموضوع لوكالة "سبوتنيك"، برر عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، استثناء معتقلي الريف من العفو، بكون الملف لا زال معروضاً على أنظار القضاء، وأن الحكم ابتدائي فقط، ولم يصدر فيه أي حكم نهائي.

وأوضح في تصريحات صحافية، أن "الإشكالات المرتبطة بالملف أعقد بكثير من مسألة العفو، وأن القضية اصطدم فيها هاجس أمن الدولة وحماية الوطن من القلاقل والمؤامرات المحتملة بالحق في الاحتجاج، والحق في التنمية العادلة والعيش الكريم"، بحسب تعبيره.

وزاد: "ما  نأمله هو أن يراجع القضاء الاستئنافي الأحكام في حق النشطاء، كما نأمل أن يتضمن الخطاب الملكي إشارات إيجابية للتصدي للاختلالات العميقة التي يعرفها تدبير الشأن العام والسياسات العمومية، وإعطاء توجيهات من شأنها دعم وتحفيز الشباب، من أجل بث الثقة بين الدولة والمواطن.