رائحتان تشكلان هوية منطقة "الكرنتينا" في بيروت: رائحة الحرب الأهلية التي تنبعث من مبانيها المتضررة، ورائحة النفايات القوية التي أصحبت جزءاً لا يتجزأ من منطقة عانى أهلها كثيراً من أزمة النفايات، وهم اليوم يترقبون مجزرة صحية جديدة، وهي "محرقة الكرنتينا"، التي من المرتقب أن تنشئها بلدية بيروت قريباً.

وتنديداً بقرار إقامة المحرقة، التي مهدت لها الحكومة اللبنانية، بتاريخ 11 تموز 2018، بطلبها من مجلس الإنماء والإعمار، التأكيد على إطلاق مناقصة محارق نفايات بالجملة خلال ستة أشهر، نظم "إئتلاف إدارة النفايات"، في 31 تموز 2018، وبالتعاون مع النائبة بولا يعقوبيان، مؤتمراً صحفياً بعنوان "محرقتكم.. مقبرتنا"، في KED BEIRUT، في الكرنتينا، بحضور النائبين شامل روكز من تكتل "لبنان القوي"، وجان طالوزيان من كتلة "الجمهورية القوية"، وحشد من الناشطين والمواطنين وأهالي المنطقة.

حضور روكز لم يعجب عدداً من المشاركين، حيث اعتبر أحدهم أنه "لا يتشرف بالمشاركة في أيّ تحرك يحضر فيه أي فريق يشيّد المطامر والمحارق"، خاتماً بالإنسحاب برفقة عدد من الحاضرين، ليتكرّر المشهد مرّةً أخرى في نهاية المؤتمر الصحفي، لدى شكر يعقوبيان للنائبين الحاضرين، ليصرخ أحد المواطنين المشاركين: "إنّه واجبهم، لا يحق لأحد أن يُمننا". لكن موقف المعارضين لم يُجابه بأي ردّ، بحيث رفض النائبان التعليق على موضوع المحرقة، وغادرا قاعة المؤتمر – كما دخلاها – بصمت.

 

ملخص المؤتمر: لن تنشأ محرقة في بيروت

يعقوبيان التي قالت أنها تضع على عاتقها مهمة متابعة أزمة النفايات في لبنان، شددت في كلمتها على أنّ تشييد محرقة الكرنتينا "نكبة بيئية كبيرة، وحصولها يمهّد لأن تصبح المحارق منتشرة كالفطر في كل لبنان، خاصةً أنّ عدداً كبيراً من رجال الأعمال بالإنتظار لعقد الصفقات". وتحدثت عن "ضرورة إعلان حالة طوارىء بيئية، والعمل على تعبئة حقيقية"، مشيرة إلى أن لبنان "بحاجة إلى حملة توعية بخصوص الفرز من المصدر، وهي عملية سهلة جداً، ويمكن لكل اللبنانيين القيام بها لينقذوا بلدهم".

ومع الإصرار على أنّ المحرقة لن تشيّد مهما حصل، تمحورت مداخلات أهل المنطقة، و"إئتلاف إدارة النفايات"، خلال المؤتمر الصحفي، حول مخاطر المحرقة، بيئياً وصحياً، مع التركيز على توفر البديل، وهو إدارة مستدامة لمعالجة النفايات، من خلال التخفيف والتدوير وإعادة الإستخدام. كما دعا المتكلمون الدولة لـ"إيجاد حل سريع للمشكلة بعيداً عن إنشاء المحارق، والإبتعاد عن التفكير بالمصالح الخاصة على حساب مصلحة المواطن".

وبعدما اعتبرت النائب يعقوبيان في كلمتها، أننا "لسنا في بلد مهيّأ لوضع قنبلة موقوتة كالمحرقة بين الناس"، دعت إلى "التوصل لحل بيئي سليم، وأن نكون شعباً واعياً مدركاً لخطورة المحرقة على بيئتنا وصحتنا، وأن نكون مسؤولين حتى ولو كان ممثلونا في السلطة غير مسؤولين".

وعلّق العديد من المواطنين خلال المؤتمر الصحفي على قضية المحرقة، عارضين أزمات مناطقهم البيئية، كجبل النفايات في طرابلس. كما تمّ الحديث عن العديد من التجارب الناجحة بفرز النفايات في لبنان، كتجربة عين تورة وبيت مري، حيث يتمّ الفرز بجهد البلديات. وفي نهاية المؤتمر وقع المشاركون على عريضة ترفض تشييد محرقة الكرنتينا وتطالب بإيجاد بديل صحيّ سريعاً.

 

محرقة الكرنتينا: عندما تقرر الدولة قتل مواطنيها بالسرطان

حجة الدولة بأنّ المحارق منتشرة في أوروبا، وبالتالي يمكن تشييدها في لبنان، لم تقنع معارضي المشروع، بحيث تساءل "إئتلاف إدارة النفايات"، في بيان سابق له: "كيف نقارن لبنان بالاتحاد الأوروبي؟ ليس لدينا تطبيق للقوانين، لا مراقبة ولا محاسبة. إننا في بلد سوء الإدارة فيه هي القاعدة، والدولة هي أول من يخرق القوانين ويسبب التلوث في البلاد". وأشار الإئتلاف إلى أنّه "تتجه أوروبا حالياً للتخلي عن المحارق وللتخفيف من إنتاج النفايات وإعادة استعمالها وتدويرها ومعالجتها بيولوجياً والحد من الحرق والطمر، بينما نحن نمشي بالاتجاه المعاكس".

ومن جهتها عرضت ممثلة الإئتلاف، سمر خليل، خلال المؤتمر الصحفي، عدداً من الأضرار التي ستسببها المحرقة في حال إنشائها، أهمها "الملوثات الهوائية السامة التي تتسبب بأمراض مميتة مثل السرطان وأمراض القلب والرئة والتشوهات الخلقية". وفي وقت تُشير فيه الأرقام الأخيرة للسجل الوطني للسرطان في وزارة الصحة اللبنانية، إلى "وجود 13013 إصابة جديدة (6228 ذكوراً و6762 إناثا)، خلال العام 2015"، سبق لوزارة الصحة، أن أكدت من خلال بيانات عرضتها، أنّ "لبنان الأعلى عربياً بنسبة السرطان".

وطرح الإئتلاف عدداً من التساؤلات التي ينتظر إجابة عليها من قبل مجلس النواب والحكومة وبلدية بيروت، منها "كيف ستتمّ مراقبة أداء المحارق؟ وكيف نعتمد المحارق التي تعتبر من أغلى التقنيات في بلد صنف الثالث عالمياً من ناحية الدين العام؟"، مبرزاً أنّه "تقول البلدية أن الشركات المستثمرة ستتحمل كلفة إنشاء المعمل، ولكن المواطن اللبناني سيدفع أعلى تعرفة لمعالجة النفايات والتي ستتعدى 150-200 دولار أميركي/الطن". كما ويسخر الائتلاف من وعد الدولة اللبنانية بتوليد الطاقة من النفايات، شارحاً أنّه "تتكون نفايات مدينة بيروت من 60% مواد عضوية ذات طاقة حرارية منخفضة، ولا يمكن توليد الطاقة منها".

 

أهل الكرنتينا: لا بديل عن صحة ومستقبل أولادنا

ويعمل "إئتلاف إدارة النفايات"، منذ شباط الماضي على محاربة مشروع "محرقة الموت"، كما تؤكد ممثلة الإئتلاف زينة عبلا، في حديث مع "المفكرة"، مبرزةً أنّه "بدأنا بالتحرك من خلال رفع دعوى قضائية أمام مجلس شورى الدولة ضد قرار الحكومة بخصوص المحارق، وقمنا بإرسال إنذارات إلى أعضاء مجلس بلدية بيروت يحملهم مسؤولية المخاطر الصحية التي سيتعرض لها أهل المنطقة، بالإضافة إلى تنظيم العديد من التحركات على الأرض". ويركز الإئتلاف أيضاً على حملات التوعية للمواطنين، من خلال توزيع مناشير ترشدهم إلى عملية الفرز، وعرض فيديوهات تشرح خطورة المحارق والمطامر على البيئة والصحة.

وفي سياق متصل، أشار علي مهاوش، عضو حملة "طاحونة الكرنتينا" (وهو تجمع لشباب المنطقة رافض للمحرقة)، إلى أنّ "أهل المنطقة يدعمون أي تحرك يقف ضد هذا المشروع الذي يبرز بوضوح إستهتار وفساد الدولة"، موضحاً لـ"المفكرة" أنّ المحرقة "ليست الحل الأفضل في منطقة تعداد سكانها مرتفع، ونحن نعمل على إيصال صوت الأهالي إلى السياسيين، ولن نسمح بأن يشيّد هذه المشروع على حساب صحتنا".

ومن الجدير بالذكر، أنّ  اللجان النيابية المشتركة أقرّت الخميس 26 تموز 2018، مشروع القانون الوارد في المرسوم الرقم 8003، المتعلق بالإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، في وقت دعا فيه "ائتلاف إدارة النفايات"،  إلى "عدم إقرار القانون بصيغته الحالية لضعفه من النواحي التقنية والحوكمة"، مشيراً إلى أنّه "يجب إعادة دراسة هذا القانون وإشراك الخبراء والمجتمع المدني بنقاشه".

وبإنتظار ما ستؤول إليه تطورات القضية، خاصةً بوجود معلومات تشير إلى أنّ بلدية بيروت ستعلن دفتر الشروط الخاصة بالمحرقة قريباً، يرفع أهالي الكرنتينا صوتهم عالياً، مؤكدين أنّ هناك بديلا عن المحارق ولكن "ليس هناك بديل عن صحة ومستقبل أولادنا".