"إن هناك سلوكيات وقيم أخلاقية غير لائقة في السينما والتليفزيون والمسرح، بدعوى حرية الإبداع" قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم 28-7-2018 في إحدى فعاليات المؤتمر الوطني السادس للشباب[1]، بجامعة القاهرة والتي جاء شعارها جدّ معبّر "ابدع.. انطلق". فمنذ تولي السيسي رئاسة الجمهورية وتركيزه منصبّ على الأعمال الإبداعية بأشكالها المختلفة. لا نتحدث هنا عن سياسة ثقافية موجهة من الدولة تقودها وتشجع العمل بها، ولكن عن رؤية الدولة لما هو إبداعي. ظهر الأمر بوضوح بعدما صدور القرار الجمهوري رقم 434 لسنة 2017 بإنشاء الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب[2]. وقد أُلحق بها قسمٌ للإبداع[3] أنيط به تقديم ما يراه نموذجا مشرفا للفن. واللافت أنه تم ربط هذه الأكاتديمية برئيس الجمهورية مباشرة[4]. بعد ذلك، تمّ إحكام الرقابة على السينما ومحاولة منع أعمال فنية من العرض. 

وفي 11-7-2018، أصدر رئيس مجلس الوزراء المصري قراره بتشكيل لجنة عليا دائمة لتنظيم إقامة الحفلات والمهرجانات، يرأسها وزير الثقافة وبعضوية 8 وزارات أخرى منهم الداخلية. ووضع القرار شروطا جديدة على إقامة الحفلات؛ على نحو يمثل عقبة في طريق الفن المستقل الذي يعتمد على الإنتاج منخفض التكاليف. كما اتسم بالغموض في ألفاظه بحيث يصعب تفسيرها.

ويشوب هذا القرار عوار دستوري وقانوني واضح. كما أنه يهدد المساحة المتبقيّة لحرية الإبداع في مصر. وهو ما سنتطرق إليه في هذا المقال.

 

اللجنة العليا الدائمة لتنظيم الحفلات والمهرجانات: قيد على حرية إقامة الحفلات

ألزم القرار منظمي الحفلات بإستخراج ترخيص للعرض العام من اللجنة العليا الدائمة لتنظيم الحفلات والمهرجانات، وذلك بالإضافة لباقي التصاريح والتراخيص ومنها ترخيص المصنفات الفنية. وهو بالتالي خالف قانون المصنفات الفنية الذي نص في المادة 2 من لائحته التنفيذية[5] على أن المصنفات الفنية هي الجهة الوحيدة التي يحق لها إصدار ترخيص الأداء أو العرض الفني العام. كما تضع هذه اللجنة أجندة سنوية يتحدد فيها مواعيد وأماكن إقامة الحفلات والمهرجانات على مدار العام، بحيث لا يتكرر نوع الحفل في محافظة واحدة خلال السنة، وهو ما يصعب تصوره في الوقت الذي تصرف الدولة اهتمامها بالكلية إلى العاصمة. كما لم يأت القرار بأي وعد للمبدعين بدعم خاص بالسفر والإقامة عند تقديم الحفلات بالمحافظات النائية. ويثير القرار بصيغته الحالية التساؤل حول الحفلات الأسبوعية التي تقيمها "الملاهي الليلية"؛ فهل تدخل ضمن إطار هذا القرار أم تخرج عنه؟ وإذا دخلت في إطاره، فكيف سيتم التعامل معها حيث سيصعب توزيع حفلاتها على المحافظات الأخرى؟

بالإضافة إلى ذلك، ألزم القانون الراغب في تنظيم حفل بأن يكون جهة منشأة وفقا للقوانين المصرية، وفي حال كونه شركة، بألا يقل رأس مالها عن 500 ألف جنيه؛ وهو بالتالي ما يمنع الشركات المنشأة حديثًا أو ذات التمويل المحدود من إقامة أي حفلات.

بالإضافة إلى ذلك، ينص القرار على منح الحفلات دعما بنسبة 40% من تكاليف الحفل؛ وهو الأمر الذي قد يغري الفنانين. ولكن في المقابل، يسمح الحصول على هذا الدعم لأي من أعضاء اللجنة الخمسة عشر بدخول مقرات إدارة الحفل والاطلاع على سجلاته وحساباته وذلك أثناء إقامة الحفل. وبالتالي، فسيكون تنظيم الحفل مهددا بالإرباك في أي لحظة.

بالإضافة إلى ذلك، ينص القرار على حق وزارة الثقافة بسحب ترخيص تنظيم الحفل في حال رأت أن الحفل يسيء إلى سمعة مصر، وذلك دون إعطاء أمثلة محددة ومنضبطة توضح معنى هذه الإساءة. كما نص القرار على ضرورة أن يكون الحفل بغرض تنمية الإبداع والحفاظ على الهوية الثقافية المصرية، وإلا  يكون من حق وزارة الثقافة رفض ترخيص الحفل أو سحبه.

 

العوار القانوني والدستوري: توغل السلطة التنفيذية على التشريعية

 وفقًا للمبادئ المستقر عليها[6] بمجلس الدولة المصري، يعدّ القرار تنظيميا عاما إذا جاء ليضع قاعدة عامة تنطبق على أشخاص معينين بأوصافهم لا بذواتهم. وهو ما  ينطبق على قرار تنظيم الحفلات والمهرجانات. وبالتالي، كان يجب على رئيس مجلس الوزراء أن يلتزم حدود القرار الإداري التنظيمي العام، وخاصة في ما يتعلق بركن الغاية[7]، أي أن يستهدف القرار الصالح العام. ولكن هذا القرار خالف هذا الركن، ويمكن اعتباره صورة من صور الانحراف بالسلطة. فالمادة الأولى من القرار نصت على تطبيقه على الحفلات الحكومية وغير الحكومية. ولكن مواد القرار جاءت لتلقي بأعباء وشروط على منظمي الحفلات من الجهات الخاصة[8] دون فرض أي شروط على الجهات الحكومية. وهو التالي، يخلق منافسة زائفة مع الجهات الحكومية والتي تستطيع استخراج الترخيص بكل سهولة.

كما يمثل هذا القرار توغلا على صلاحيات السلطة التشريعية، حيث احتوى العديد من الشروط والقيود الجديدة لتنظيم الحفلات والمهرجانات، مما لا يمكن معها اعتباره مجرد قرار تنظيمي. وهو بذلك يخالف حكم المحكمة الدستورية[9] الذي منع السلطات التنفيذية من فرض أي قيود إضافية على المبدعين.

كما أن القرار لم يراعِ المادة 67 من الدستور التي ألزمت الدولة بأن تكون مشجعا وحاميا للإبداع وفرض حماية أكبر للإبداع والمبدعين.

 

مجال تطبيق القرار: وزارة الثقافة تتخبط

كل هذه المخالفات والتهديدات التي تواجه المبدعين في القرار استوجبت تفسير الجهات التنفيذية وعلى رأسها وزارة الثقافة. إلا أنه بدلا من ذلك، ظهرت على المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي تصريحات متضاربة لوزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم التي سترأس اللجنة. فبعد 10 أيام على صدور القرار، أصدرت عبد الدايم بيانا يحوي عدة نقاط للرد على مخاوف الفنانين، منها أن الحفلات التي ترعاها الدولة وتدعمها لوجيستيا هي فقط المعنية بهذا القرار. أما الحفلات الخاصة فهي لا تقع تحت طائلته[10]. ذلك التفسير الذي يخالف ما جاء في المادة الأولى التي تعرف الحفل والمهرجان في تطبيق أحكام هذا القرار بأنها: "جميع الفعاليات الثقافية والفنية ذات الطابع الاحتفالي سواء كانت دولية أو محلية، التي تقيمها الجهات الحكومية أو غير الحكومية"  

 

من يستهدف القرار؟ 

منذ صدور القرار، يسود أوساط الفنانين على اختلافهم شعور بأنه يستهدف كل أشكال الإبداع (موسيقى أو تمثيل أو سينما)، وبشكل خاص الفنون التي تعتمد في نشرها على الأداء العلني أو الحفلات والمهرجانات.  ولكن السينما كانت الضحية الأولى لهذا القرار حيث اتخذت وزارة الثقافة إجراءات تنفيذ القرار في نفس اليوم الذي حاولت فيه طمأنة المبدعين، أي في اليوم الذي أصدرت فيه وزيرة الثقافة بيانها. وعليه، قامت إدارة الرقابة على المصنفات الفنية التابعة لوزارة الثقافة بتحرير بلاغًا ضد القائمين على مهرجان "أوسكار إيجيبت للأفلام الروائية والقصيرة"، لإقامتهم مهرجانات سينمائية دورية دون أي كيان قانوني أو أوراق رسمية أو ترخيص من اللجنة العليا للمهرجانات[11]. ذلك على الرغم من أن المهرجان لا يتلقى دعما من الدولة؛ وهو بالتالي لا يدخل ضمن الإطار التنفيذي لهذا القرار، طبقًا لتفسير الوزيرة المذكور أعلاه.

كما أن الأمر يثير الحيرة، في ما يخص المهرجانات تحديدًا. فقد صدر في وقت سابق قرار[12] بتشكيل اللجنة العليا للمهرجانات الفنية والمسابقات المحلية والدولية، التي تنظم المهرجانات الحائزة على دعم من الدولة. وأنشئت هذه اللجنة فعليا لرسم سياسات دعم التواجد الفني المصري في المهرجانات الخارجية، ووضع أسس تشجيع ودعم الأجهزة والمؤسسات والهيئات والجمعيات والجماعات والنقابات والأفراد على المستويين المحلي والدولي في تنظيم المهرجانات المحلية والدولية. ولم يكن لها بالتالي علاقة بالحفلات الخاصة، التي يتدخل في تنظيمها القرار للمرة الأولى كما أشرنا.

 

خاتمة

تنبئ تصريحات الرئيس الأخيرة في مؤتمر الشباب حول الإبداع والسينما عن قرارات وإجراءات مستقبلية أكثر قسوة بحق المبدعين. ويزيد تخبّط وزيرة الثقافة الحالية في ظل السلطات الواسعة المعطاة لها بموجب هذا القرار، من مشاعر القلق في هذا الشأن. وفي مثل هذا المناخ الخانق للمجال العام والحريات والفنون، أصبح ابداع الفنانين واستمرارهم في الإنتاج في حد ذاته هو الفعل المقاوم الأقوى والأمثل

 


[3]  الاهرام، وسام عبدالعليم، الرئيس السيسي يوجه بانضمام أبطال مسرحية "سلم نفسك" لقسم الإبداع بالأكاديمية الوطنية لتأهيل الشباب، مصر، مارس 2018.

[4]  الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب: بدء عمل أكاديمية تدريب وتأهيل الشباب أول أكتوبر.

[5] الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 162 لسنة 1993.

[6]  حكم محكمة القضاء الإداري – الدعوى رقم 1427 لسنة 6 قضائية بجلسة 4 يونيه 1953.

[7]  حكم محكمة القضاء الإداري – الدعوى رقم 304 لسنة 2 قضائية – بجلسة 8 مارس 1950

[8] مثال لذلك المادة الخامسة من القرار والتي تلزم منظمي الحفلة "من غير الجهات الحكومية" بعدة شروط في شكلها القانوني " ان تكون جهة وليست فرد، حد أدنى لرأس المال 500 الف جنية، أو جمعية أهلية لديها نشاط ملموس".

[9]  حكم المحكمة الدستورية العليا - مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة العليا والمحكمة الدستورية العليا في أربعين عامًا – 2009 – ص 122 – في القضية رقم 29 لسنة 15 قضائية "دستورية" بجلسة 3 مايو 1997 ج8 "دستورية" ص574.

[12]  قرار وزير الثقافة رقم 662 لسنة 2016، وتشكيل اللجنة في 31 يناير 2018