خلف حكم قضائي فرنسي بإحراق جثة مهاجر مغربي مقيم هُناك، استجابة لوصية شفهية تركها لزوجته وأبنائه، جدلاً مُحتدماً في المغرب، وصل لدرجة مطالبة الدولة بالتدخل من أجل وقف تنفيذ الحكم، وترحيل الجثة إلى المغرب بغرض دفنها في مقابر المسلمين.

ويتم الاحتفاظ بجثة المهاجر المغربي في مستودع للأموات في إحدى مستشفيات المدينة الفرنسية، وتُصر الأسرة على حقها في تسلمها، ودفن ابنها على الطريقة الإسلامية في أحد المقابر المخصصة لأموات المسلمين، في حين تتشبث الزوجة بتنفيذ وصية زوجها.

 

وصية..

يعود أصل الحكاية، إلى وصية شفوية، صرح بها المغربي حسن، الذي كان مقيما بمدينة بوردو ومتزوجاً بامرأة فرنسية الجنسية، إذ أخبرها إثر دخوله المستشفى بسبب لدغة قاتلة لحشرة سامة، إنه يرغب في حرق جثته بعد وفاته.

وفي الثاني من غشت الجاري، قضت محكمة استئناف فرنسية، بتأييد حكم ابتدائي يقضي تسليم جثة مهاجر مغربي لزوجته الفرنسية، قصد حرقها. إذ استند القضاة على شهادات لزوجته الفرنسية، تدعي فيها أن المتوفي أوصى بحرق جثته بعد وفاته.

وفي الوقت الذي تتحدث الزوجة والأبناء عن رغبة المتوفى في حرق جثته على طريقة مخالفة لما يتم في الشريعة الإسلامية، تُشدد أسرة المتوفى في المغرب، على أن الهالك كان معتنقا للديانة الإسلامية، ومُمارسا لشعائرها، خاصة الظاهرية منها.

وفي الوقت الذي تُشدد زوجة المُتوفى على أنها لا تريد سوى تطبيق وصية زوجها، الذي أخبرها أنه يرغب في إحراق جثته بعد وفاته. يُؤكد أخوه أنه كان مسلماً، وكان يزور الأسرة باستمرار دون أن تظهر عليه علامات تغيير دينه، بحسب تصريحات نقلها موقع "DW عربية"، عن الطرفين.

 

رفض أسري وحكومي..

وعبرت والدة المتوفى، سواء في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أو عبر مقاطع فيديو تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن رفضها لإحراق جثة ابنها، مطالبة بدفن ابنها على الطريقة الإسلامية، في واحدة من المقابر الموجودة في المغرب.

وفي هذا الصدد، وجهت والدة المتوفى، رسالة مكتوبة إلى العاهل المغربي، الملك محمد السادس، تلتمس منه التدخل لوقف مسطرة حرق جثة ابنها.

وبحسب ما نشره موقع "اليوم 24"، فإن الأم شددت، في رسالتها إلى الملك، على أن المتوفي لم تكن له أي جنسية غير المغربية، ولم يعتنق ديانة غير الإسلام، معتبرة أن إحراق جثمانه "لا يليق بنا كمسلمين، وبديننا الحنيف، وسنة رسوله العظيم، الذي أنتم سبطه الكريم"، تضيف الرسالة.

بدورها، عبرت الحكومة المغربية، من خلال الوزير الناطق باسمها، مصطفى الخلفي، عن رفضها عملية حرق جثمان المغربي.

وأوضح الخلفي في ندوة صحافية عقدها بحر الأسبوع المنصرم، أن الحكومة لن تقبل بالمطلق حرق جثة مهاجر مغربي بفرنسا، مشددا على أن "القطاع الحكومي المعني يتابع الموضوع".

وعبر عن أمله في مراجعة الحكم القضائي، لأن "الأمر فيه مس صريح بكرامة المواطن المغربي وبشعور عائلته"، بحسب قوله، مشددا على أنه "لا يمكن قبول الأمر تحت أي ظرف من الظروف".

 

تدخل دبلوماسي وجدل حُقوقي..

وكشف موقع "اليوم 24"، أن موضوع إحراق جثة المهاجر المغربي، تحظى باهتمام دبلوماسي كبير، موضحاً أن: "السلطات المغربية أجرت اتصالات سياسية، وديبلوماسية، رفيعة المستوى، خلال الـ24 ساعة الماضية، لإيجاد حل لقضية المهاجر المغربي في فرنسا، المهددة جثته بالحرق".

وأورد الموقع، أن وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، ناصر بوريطة، قد تواصل مع أسرة المتوفى، وبلغها "دعمه لها، مشدداً على أن المغرب يسابق الزمن من أجل تجنيب جثة ابنها، عملية الحرق، التي تصر عليها زوجته الفرنسية".

وبين تشبث الزوجة بالوصية، وحرص الأسرة على الدفن بطريقة إسلامية، احتد النقاش بين مؤيد ومخالف لمسألة الحرق، كما طُرح السؤال: "من يسبق؟ الوصية، أم رغبة الوالدين؟".

وفي هذا الصدد، يوضح المحلل السياسي، عادل بنحمزة، أن الملف معقد جدا، ويتضمن أبعاداً مختلف قانونية وإنسانية ودينية"، بالإضافة إلى كونه بشكل أو بآخر يثير قضية حرية المعتقد وقدرة المحيط العائلي في تقبلها"، يضيف المتحدث.

ولفت بنحمزة، في تصريح "للمفكرة"، أن ما وقع هو من تبعات الزواج المختلط، خاصة عندما يكون بين طرفين بمعتقدات دينية مختلفة.

وزاد "المسار القضائي في نظري سيفضي إلى ما تطالب به زوجته الفرنسية التي عززت طلبها في المرحلة الإستئنافية بتأكيد أبنائها من الهالك روايتها لوصيته بأن يتم حرق جثته، والأبناء راشدون، الولد في عمر 18 سنة والفتاة في عمر 20 سنة مما يجعل شهادتهم قوية ومؤثرة خاصة وأنهم وفقا للقانون الفرنسي معنيون مباشرة و بالأولوية إلى جانب والدتهم، بكل ما يتعلق بمراسيم جنازة والدهم"، موضحاً "النقض كاختيار للعائلة المغربية ربما لن يغير شيئا في مسار القضية، لهذا يجب البحث في مسار آخر توافقي بين العائلتين".

وقال "الصدمة هي التي جعلت العائلة ترفض رواية الزوجة التي أصبحت في المرحلة الإستئنافية رواية الأبناء أيضا، لأنها لا تملك سوى صورة إبنها المسلم والذي كان حريصا (وفق أقوال الأهل) على هذه الصورة".

من جهته، أوضح إمونان رشيد، عضو تنسيقية المسيحيين المغاربة، أنه "عبر تاريخ الكنيسة في القرن الأول الميلادي ولا حتى في تاريخ اليهود، لم يسبق لنا أن وقفنا على آية في الكتاب المقدس تدعو لحرق الجثث"، مُضيفا أن "الطريقة الصحيحة هي الدفن".

وأوضح في تصريح للمفكرة، أن النقاش الدائر بخصوص رغبة الزوجة الفرنسية في تطبيق وصية زوجها المغربي، بحرق جثته، فإنه يدخل في الحرية الشخصية للأفراد ورغبتهم التي اتفقوا عليها، معلقا بالقول "من ترك وصية يريد حرق جسده بعد موته، فهو حر"، لكن "لا أظن أن ذلك جاء بناء على تعاليم الإنجيل"، يعلق المتحدث.

وأضاف: "في المقابل، من حق العائلة في المغرب مطالبتهم بجثة ابنهم، ودفنها بحسب معتقداته الدينية، سواء كان مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً"، مشددا على أن "الثقافة المغربية تنبني على احترام قدسية الموتى وجُثثهم، وأيضا الحرص على زيارتهم في مختلف المناسبات، وبالتالي، لا يمكننا التفريط في هذه الأمور"، يوضح المتحدث.