بعد الحرب المريرة التي وقعت في العام ،٢٠٠٧لقيَ مخيّم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان اهتمامًا كبيرًا من صانعي السياسات والمخطّطين والباحثين نتيجة الدمار الهائل الذي لحق به، ونظرًا لتعقيد مشروع إعادة إعماره. ومنذ باكورة العملية، بدا واضحًا أن إطار عمل إعادة إعمار المخيّم التابع لمنظّمة «الأونروا» يختلف عن إطار العمل الخاص بالمنطقة المحاذية له والمُلحَقة به، والتي صارت تُعرف باسم «المخيّم الجديد». وإذ شهد المخيّم الأصلي دمارًا أكبر بكثيرٍ من امتداده، فإنّ المخيّم الجديد يتّسم بوضعٍ معقّدٍ لجهة الحالة القانونية للمنازل والمباني الواقعة ضمن نطاقه.

ويكشف تحليل التطوّر التاريخي لامتداد مخيّم نهر البارد كيفيّة إسهام التخطيط المديني في تهميش المجتمعات، أي مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في هذه الحالة، ما يثبت مجددًا أن تنظيمات التخطيط ليست تقنيةً فحسب، بل بإمكانها أن تشكّل أدواتٍ سياسيةً للإقصاء والحرمان من حقوقٍ معينة. بالإضافة إلى ذلك، وبدلًا من تحقيق هدفها بتحديد كيفيّة استخدام الأرض، يمكن للتنظيمات المدينية – حين تفشل في الاستجابة للحاجات المتغيّرة على الأرض - أن تدفع بالسكان إلى حيازة الأرض والسكن بطرقٍ غير رسمية، ما يزيد من هشاشة وضعهم. ويركّز هذا المقال على تأثيرات تلك التنظيمات في حالة امتداد المخيم، مع التركيز على الاستراتيجيات التي طوّرها السكان للتغلّب على تلك التأثيرات.

 

ليس جديدًا القول أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لطالما حُرموا من الوصول إلى السكن؛ فالقانون رقم ٢٩٦ الذي أُقرّ في العام٢٠٠١ انتزع منهم الحق في حيازة الملكيّة، وحاول بالتالي حصرهم مساحيًا في المخيّمات الفلسطينية، مشكّلًا  الأداة القانونية الأبرز المُسبّبة لهذا الحرمان. لكن، كما يبيّن المقال أدناه، شكّلت تنظيمات التخطيط في مُلحَق مخيّم نهر البارد عامل إقصاءٍ إضافي ومهم.

لا تختلف حكاية تطوّر امتداد نهر البارد كثيرًا عن حكاية توسّع أي قريةٍ أو بلدةٍ أخرى: في أواخر السبعينات، ازدادت الكثافة السكانية في المخيّم، ولم يعُد بمستطاع حدوده المحدودة استيعاب الحاجة المتنامية إلى وحداتٍ سكنيةٍ جديدة. وبدأ سكان المخيّم المقتدرين بشراء قطعٍ صغيرةٍ من الأراضي الزراعية المجاوِرة للمخيّم بهدف بناء منازلهم الخاصة والحفاظ على روابطهم الاجتماعية في آنٍ معًا. لكن المخطّط التوجيهي لقريتَي المحمّرة وببنين، حيث يقع مخيّم نهر البارد، يتصوّر محيط المخيّم كمنطقةٍ سكنيةٍ ذات كثافةٍ منخفضة (امتداداتٌ سكنيةٌ من الدرجة الثالثة(، حيث لا يقلّ الحجم الأدنى المسموح به لقطعة أرضٍ حديثة التقسيم عن ١٢٠٠ مترٍ مربع، وحيث يبلغ معدل عوامل الاستثمار السطحية .٪٢٠ ويرتبط هذا الأمر مباشرةً بواقع عدم الاعتراف بوجود مخيّم نهر البارد في الأساس، فالمنطقة بكاملها تُعتبر امتدادًا من الدرجة الثالثة لقرية المحمّرة.

وعلى الرغم من تنظيمات تقسيم المناطق، ظلّت الحاجة إلى السكن في نطاق المخيّم واقعًا قائمًا، وتحوّل استخدام الأرض في هذه المنطقة عضويًا من الزراعة إلى السكن. لكن الطريقة الوحيدة لحصول هذا التحوّل كانت عبر القنوات غير الرسمية. وتركّزت طلبات السكان الساعين لبناء مسكنٍ لهم في امتداد المخيم، على قطع أرضٍ صغيرةٍ يتراوح حجمها بين  ١٠٠ و٤٠٠ مترٍ مربع، ويبلغ معدل عوامل الاستثمار السطحية فيها أكثر من ٪٧٠ وهو ما لم يكن ممكنًا وفقًا للتنظيمات الرسمية لتقسيم المناطق.

لكن امتداد مخيّم نهر البارد لم يتطوّر وسط فراغٍ قانوني، بل ضمن نظامٍ عرفيٍ معقّدٍ نظّم وهيكَل تطوّر المنطقة. ووفقًا لهذا النظام، يوظّف مالكو الأرض والمطوّرون العقاريّون مسّاحين لمسح الأرض تقسيمها إلى قطعٍ صغيرةٍ تتراوح مساحتها في العادة بين  ١٠٠ و٤٠٠ مترٍ مربع، تاركين نحو ٪٢٠ من المساحة كـ«مجالٍ عامٍ» يُخصّص بشكلٍ رئيسٍ لإنشاء شبكةٍ من الشوارع المؤدّية إلى قطع الأرض. ويتخذ مالكو الأرض والمطوّرون العقاريّون كافة القرارات المتعلّقة بحجم قطع الأرض وعرض الشوارع ونسبة المجال العام. بعدها، يُصدر المسّاح خريطةً تظهِر التقسيمات الجديدة وتمنح رقمًا لكل قطعة أرض، ثم يوظّف مالك الأرض أو المطوّر العقاري وسيطًا يبيع القطع الصغيرة للسكان الفرادى (وهم بمعظمهم من سكان نهر البارد الفلسطينيين) وفقًا للخريطة. هكذا، تعمل الخريطة عمل الوثيقة الرسمية، وتُرفَق في معظم الأحيان بعقد البيع الذي يشير بوضوحٍ إليها. ولدى بيع كامل قطع الأرض، تبيّن الخريطة توزّع الشّراة على قطعة الأرض، بما في ذلك الحصص، والمنطقة المُحدّدة لكل قطعةٍ وتاريخ إتمام المعاملة.

وغطّى النظام العرفي الذي كان يحكم مُلحَقات المخيّم مسألةَ تسجيل الأرض؛ فعلى الرغم من أن الفلسطينيين كانوا يتمتعون بحقّ تملّك الأرض قبل العام ،٢٠٠١ إلا أنهم كانوا يُعَدّون من الأجانب ويخضعون لنوعٍ مقيدٍ من الملكيّة: إذ كان بإمكانهم تملّك مساحةٍ سطحيةٍ محدودة، كما كانت تُفرض عليهم ضرائب تسجيلٍ أعلى بكثيرٍ من تلك المفروضة على اللبنانيين. وبالإضافة إلى ذلك، كانت عمليّة التسجيل معقّدةً، بل مستحيلةً في بعض الأحيان. ونظرًا إلى التعقيدات والتكاليف التي تفرضها هذه العملية، كانت معظم عمليات الشراء تُسجّل لدى كاتب العدل المحلّي على شكل توكيلٍ غير قابلٍ للعزل. ولدى إقرار قانون العام ،٢٠٠١ لم يتأثّر عمل هذا النظام، بل ازداد جنوحًا نحو الطابع العرفي. واضطرّ اللاجئون الفلسطينيون إلى التكيّف مع الحظر على التسجيل الرسمي للأراضي، من خلال تسجيل عقود البيع لدى اللجنة الشعبية في المخيّم[١]. وتبيّن أشكال التكيّف هذه مرونة النظام العرفي، ما يسمح له بالتطوّر والاستجابة للوضع القانوني، والاجتماعي، والاقتصادي و/أو السياسي المتغيّر.

لكن بالرغم من تمكّن لاجئي نهر البارد من تلبية حاجتهم إلى السكن عن طريق هذا النظام العرفي، إلا أنهم كانوا يتعرّضون لأبعادٍ متعدّدةٍ من الهشاشة. أولًا، بما أن السلطات المحلّية لم تعترف بالمباني حديثة البناء، فإنها لم توفّر البنى التحتية المطلوبة للأراضي حديثة الفرز، مع الإشارة إلى أن مالكي الأرض والمطوّرين العقاريّين يعِدون الباعة في العادة، قبل إتمام عمليّة البيع، بتسوية الطريق وتوفير البنية التحتية اللازم. لكن في ظلّ غياب أيّ التزامٍ قانوني، يخلّ الكثير من المطوّرين العقاريّين بوعودهم. وثانيًا، يقوم مالكو الأرض والمطوّرون العقاريّون بمهام تخطيط امتداد المخيّم: فهم يتّخذون كافة القرارات المتعلّقة بالتقسيمات الجديدة وعرض الشوارع والمساحات العامة، مع الإشارة إلى أن الربح يبقى الدافع الرئيس لهم. بالتالي، باستثناء بعض الحالات الفردية النادرة، لم يكن هناك أيّ جهاتٍ تشرف على المصلحة العامة في خلال عملية تطوير مُلحَق المخيّم.

والأهم، أنه في وقتٍ أثبت فيه النظام العرفي أنه أكثر تكيّفًا من نظيره الرسمي مع الظروف المحلّية وحاجات السكان، فإنّ إمكانيّة تطوّره تُعزى في الأساس إلى غياب مؤسّسات الدولة المركزية. لكن الوضع تغيّر بعد العام ٢٠٠٧ حين انطلق النقاش بشأن عمليّة إعادة الإعمار، وتبنّت الدولة اللبنانية استراتيجيةً قمعيةً تجاه الطابع غير الرسمي لامتداد مخيّم نهر البارد، جاعلةً من ذلك عائقًا أمام إعادة الإعمار .ونتج عن ذلك ظرفٌ وضع حقوق المجتمع موضع مساءلةٍ، واتُهِم فيه السكان باللاشرعية. وشعر بعض مالكي الأرض من اللبنانيين بالاستقواء نتيجة موقف الدولة اللبنانية، فسُجّلت محاولاتٌ للاستفادة من الظرف القائم عبر المطالبة بملكيّة أرضٍ مباعةٍ أصلًا . ولكن لحسن الحظ، دفع النزاع بمجتمع نهر البارد إلى التحرّك والمطالبة بعملية إعادة إعمارٍ سليمةٍ وبحماية حقوق الملكيّة العائدة للسكان الفلسطينيين.

بإيجازٍ، يثبت مثال مُلحَق مخيّم نهر البارد فشل قانون ٢٠٠١ والتنظيمات المدينية في منع الفلسطينيين من حيازة الأرض، لا بل إنها دفعت بهم إلى حيازة الملكيّة عن طريق القنوات غير الرسمية. وتطوّر النظام العرفي في نهر البارد نتيجة عجز النظام الرسمي عن الاستجابة لحاجات السكان، ومن أجل التغلّب على النزعات الإقصائية في القانون الرسمي.

يبدو واضحًا أن اللاجئين الفلسطينيين مهمّشون في القانون بما يتجاوز التنظيمات المدينية المذكورة أعلاه. لكن تنظيمات التخطيط ذاتها التي زادت من تهميشهم في هذا المثال تحديدًا، كان يمكنها أن تشكّل أداوتٍ تسهّل وصولهم إلى سكنٍ ميسور التكلفة، وتخفّف من وضعهم الهشّ في أوقات النزاع. ولتحقيق ذلك، على تنظيمات التخطيط الاعتراف بالأنظمة العرفية وإدماجها؛ إذ أن هذه الأنظمة تنشأ من أجل مواجهة أشكال الظلم الناجمة عن التنظيمات الرسمية. لكن على أيّ حالٍ، يغدو هذا ممكنًا فقط في حال تبنّي مؤسّسات التخطيط موقفًا واضحًا يدعم العدالة الاجتماعية، بدلًا  من استخدام التنظيمات كأدواتٍ للإسهام في النظام الجائر القائم حاليًا.

 

مقالات ذات صلة:

 

كلمة شكر

يستند هذا المقال إلى عملٍ أنجزته الكاتبة في رسالة الماجستير تحت إشراف الدكتورة منى فوّاز، وقدّمته في معرض الوفاء الجزئي بمتطلبات شهادة الماجستير في السياسة والتخطيط المديني في الجامعة الأميركية في بيروت. وتُستمدّ خلاصات رسالة الماجستير بشكلٍ رئيسٍ من انخراط الكاتبة في مشروع إعادة الإعمار كعضوةٍ في  «هيئة العمل الأهلي والدراسات لإعادة إعمار مخيم نهر البارد». وتتوجه الكاتبة بالشكر إلى المشرِفة الأكاديمية التي أشرفت على رسالة الماجستير خاصّتها، كما إلى كافة أعضاء البعثة.

للاطلاع على المزيد من نتائج البحث، الرجاء زيارة

http://www.palestine-studies.org/ar/mdf/abstract/37963

------

١  اللجان الشعبية هي منظّماتٌ شبه رسميةٍ يُفترض بها تمثيل سكان المخيّم لدى السلطات اللبنانية، والأونروا وغيرها من المنظّمات العاملة في المخيّمات. وتضطلع هذه اللجان بمهماتٍ بلديةٍ، وتتولّى إدارة الأمن في حالات السرقة ووقوع الخلافات، إلخ.