ما أن صادق، مطلع الأسبوع الجاري، المجلس الوزاري برئاسة الملك، ثم المجلس الحكومي، على مشروع قانون رقم 44.18 المتعلق بالخدمة العسكرية، حتى برزت مواقف متناقضة بشأنه، بين مُؤيد يرى فيه خدمة للوطن وتهذيبا للشباب، ومُتحفظ يقول أن هناك أولويات وجب الانكباب عليها لصالح شباب الوطن، بحسب تعبيرهم.

 

مقتضيات مشروع القانون..

وصادق، الاثنين المنصرم، بشكل متتالٍ، كُل من المجلس الوزاري، الذي يرأسه العاهل المغربي، ويحضره أعضاء من الديوان الملكي، إلى جانب الوزراء ورئيس الحكومة. ثم مجلس الحكومة الذي يرأسه رئيس الحكومة، ويحضره الوزراء وكتاب الدولة، على مشروع قانون رقم 44.18، تفرض بموجبه الخدمة العسكرية على الشباب، ذكوراً وإناثاً، ما بين 19 و 25 سنة، لمدة 12 شهر كاملة.

وأُعد مشروع القانون، بناء على مقتضيات الفصل 38 من الدستور، الذي ينص على أنه "تسهم المواطنات والمواطنون في الدفاع عن الوطن ووحدته الترابية، ولهذا الغرض، يخضعون للخدمة العسكرية وفقا للأحكام والشروط المنصوص عليها في القانون".

 

أحكام القانون

وفي الوقت الذي حدد المشروع الفئة المعنية بالخدمة العسكرية في الشباب ما بين 19 و 25 سنة، جعل الباب مفتوحاً لاستدعاء الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 25 سنة والذين استفادوا من الإعفاء لأحد الأسباب المنصوص عليها في المادة الأولى، يمكن استدعاؤهم لأداء خدمتهم العسكرية حتى سن 40، في حالة انتفاء أسباب الإعفاء.

ويُعفى من الخدمة العسكرية، بشكل دائم أو مؤقت، ما سيشمله نص تنظيمي يصدر لاحقا، علما أن المشروع حدد بعضاً منها في العجز البدني أو الصحي الذي يكون مثبتا بتقرير طبي صادر عن مصالح التكوين الاستشفائية العمومية المختصة، أو التحمل العائلي أو متابعة الدراسة.

وحسب المادة 2 من هذا النص، يستثنى من الخدمة العسكرية الأشخاص الذين حكم عليهم بعقوبة جنائية أو بالسجن النافذ لمدة تزيد عن ستة أشهر، ما لم يحصلوا على إعادة الاعتبار. أما الأشخاص الذين لم يؤدوا خدمتهم العسكرية، أيا كان السبب، فيمكن، عندما تسمح الظروف بذلك، أداءها، وفق المادة الثالثة من نفس النص.

لكن المادة 15 من القانون المذكور، تنص على أن الأشخاص الخاضعين للخدمة العسكرية، الذين تستدعيهم السلطة المختصة بهدف تسجيلهم أو اختيارهم بشكل قبلي، ويمتنعون عن المثول أمام تلك السلطة، دون سبب وجيه، يعاقبون بالسجن من شهر إلى ثلاثة أشهر وغرامة من 2000 إلى 5000 درهم (مابين 200 و 500 دولار تقريباً).

وتشير المادة 5 إلى أنه في نهاية الخدمة العسكرية، يدرج المجندون ضمن احتياطيي القوات المسلحة الملكية وفقا للتشريع الجاري به العمل. كما تنص المادة 6 من مشروع القانون على أن المجندين يخضعون للقوانين والأنظمة العسكرية، خاصة القانون رقم 13-108 بشأن القضاء العسكري، والقانون رقم 12-01 المتعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين بالقوات المسلحة الملكية والظهير رقم 383-74-1 المتعلق بالمصادقة على نظام الانضباط العام في حظيرة القوات المسلحة الملكية، مشيرة إلى أنهم يحصلون على رتب حسب التراتبية المعمول بها.

وإذا اقتضى الأمر، يُضيف النص، يمكن للمجندين الذين يتوفرون على مؤهلات تقنية أو مهنية، بعد استكمال التكوين الأساسي المشترك الذي تحكمه مقتضيات المادتين 37 و38 من نظام الانضباط العام في حظيرة القوات المسلحة، القيام بمهام محددة داخل الإدارات العمومية بإذن من السلطة العسكرية، التي تحدد الشروط والمدة، حسب المادة 7.

 

قانون "مهم"..

وما إن أعلنت المصادقة على مشروع القانون، الذي تُنتظر إحالته على الغرفة الأولى من البرلمان، حتى تباينت الآراء بشأنه، بين مؤيد ومعارض.

ومن جهته، اعتبر مصطفى تاج، الكاتب الوطني للشبيبة المدرسية، أن النص يكتسي أهمية كبيرة، مشدداً أنه "رغم حاجة مشروع قانون التجنيد الإجباري إلى إتمام دورته التشريعية بمصادقة البرلمان والإصدار والنشر بالجريدة الرسمية، إلا أن إقراره من طرف المجلس الوزاري وليس من طرف المجلس الحكومي (الذي يرأسه الملك) يعكس الأهمية الكبرى التي يعرفها هذا القانون، لدى أعلى سلطة في البلاد، ملك البلاد نفسه".

وزاد: "ومما يدل على أهمية القانون "كونه لم يكن ضمن مقتضيات البرنامج الحكومي قبلا، ولا ضمن البرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة للحكومة"، وبالتالي: "نفهم من سرعة إقراره ومن اختيار مروره من المجلس الوزاري وبرئاسة شخصية للملك، أنه قانون ملكي اتخذته المؤسسة الملكية حتى تحقق أهدافا كثيرة"، بحسب قوله.

وعدد التاج في تصريح للمفكرة القانونية، أن من بين الأهداف التي سيخدمها هذا النص بعد المصادقة عليه: "سد الفراغ الذي تركته الحكومتان الحالية والسابقة، وإيجاد الحل لفئة شبابية تتجاوز المليون والسبعمئة ألف تحدث عنها تقرير المندوبية السامية للتخطيط قبل سنتين، حيث جاء فيه أن أزيد من 1 مليون و700 ألف شاب ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و 25 سنة لا يدرسون ولا يعملون"، مُضيفا أن "هذا القانون من شأنه فتح نافذة جديدة لهؤلاء الشباب للانخراط بشكل جدي وفعال في دينامية المجتمع ولو من تكوين عسكري"، إلى جانب "تنمية وإذكاء الروح الوطنية وقابلية الذود عن الثوابت لدى فئات الشباب، خصوصا في المرحلة الحالية التي تنامت فيها ديناميات التيئيس والتعبئة نحو المجهول".

واعتبر المتحدث أن هذا النص هو "خطوة استباقية تجاه معارضي النظام ومشاريع المعارضين، وإخضاعهم ضمن النظام العام. فالملك هو رئيس للدولة وهو أيضا القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية".

في المقابل، شدد التاج على أنه على الرغم من وجود "ترحاب كبير" لهذا القانون، إلا أنه يطرح أيضا سؤال الإشراك والتشاور مع فئة الشباب أنفسهم، وأسئلة مضامين وبرامج التكوين، وسؤال الآفاق ما بعد مرحلة التجنيد.

 

فرصة للتكوين والتهذيب..

أما الفاعل الجمعوي، عبد العالي الرامي، فقد اعتبر أن إقرار هذا القانون "أمر إيجابي"، وذلك في ظل "حالة التسيّب التي أصبح يعرفها الشباب في السنوات الأخيرة"، إلا أنه شدد على ضرورة عدم الاكتفاء بالخدمة العسكرية وتفعيل قانون الخدمة المدنية أيضاً.

وأوضح الرامي في تصريح للمفكرة، أن "هذا القانون فرصة للإسهام في تأطير الشباب وزرع قيم المواطنة والروح الوطنية"، مؤكداً أنه من الضروري استغلال هذه الفترة من أجل "جعل الخدمة العسكرية فرصة للتكوين والتهذيب".

وزاد "يجب أن لا تكون فترة الخدمة العسكرية فرصة لإحباط الشباب وعزلهم عن محيطهم فيما بعد، بل يجب أن تكون محفزا للاندماج بعد إتمامها"، داعيا الحكومة إلى "التفكير في إعطاء الأولوية في التوظيف لمن أدى الخدمة العسكرية والخدمة المدنية مثل جل الدول التي فيها مثل هذه القوانين".

ودعا إلى تطبيق مقتضيات هذا القانون على جميع الفئات المجتمعية من دون استثناء طبقي أو اقتصادي.

 

لا لوصاية الدولة..

وبمقابل المرحبين بالمشروع، ينبري طرف ثانٍ يرى في إقراره "وصاية للدولة". وفي هذا الصدد، أطلق مجموعة من الشباب مبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي، باسم "التجمع المغربي ضد الخدمة العسكرية الإجبارية".

وقد برّر أصحاب المبادرة، بحسب بيانهم التأسيسي، رفضهم الخدمة العسكرية بكون "الأولوية يجب أن توجه للتعليم، الصحة، الثقافة والشغل"، لأن "مشاكل الشباب التربوية سببها استقالة المدرسة العمومية من دورها بسبب غياب إرادة حقيقية لتحسين وضع التعليم، وتأكد ذلك بعدما صادق المجلس الوزاري على إلغاء مجانيته تدريجيا، ومشاكل الشباب الأخلاقية تتعلق بتهميش الثقافة في البلاد، وغياب المسارح، ودور الشباب وقاعات السينما، والإغلاق المنهجي للساحات العمومية". بحسب قولهم.

وتساءل أصحاب المبادرة إن كانت الخدمة العسكرية هي التي ستحسن من وضعية الشباب في ما يخص تنامي ظاهرة السرقة تحت تهديد السلاح، المرتبطة بالفقر وانعدام فرص الشغل أمام هذه الفئة.

وقال عبد الله عيد، أحد أعضاء المبادرة، إن "الخدمة العسكرية في المغرب كانت على الدوام مرتبطة بالوضع السياسي، فبعد الانتفاضة التلاميذية لسنة 1965 أقرت الدولة التجنيد الاجباري سنة 1966، واليوم بعد حراكي الريف وجرادة سنة 2017 قررت إعادة التجنيد الاجباري سنة بعد ذلك"، مبرزا أن "العسكرة لا تفتح سوى أبواب التدجين والخنوع أمام الشباب، وذلك تحت اسم الوطنية"، بحسب تعبيره.

ولفت في تصريح لموقع "هسبريس"، أن: "الدولة ستصرُف ملايين الدراهم في التجنيد، بينما كان بالإمكان استثمارها في بناء المدارس والمسارح ودور السينما والمستشفيات"، مستبعدا أن يكون الهدف من القانون ردع المجرمين، "لأنهم غير معنيين به، إذ إن أصحاب السوابق المتجاوزة لستة أشهر سجنا لا يمكن دمجهم في الخدمة". واستغرب المتحدث "التنزيل الفُجائي" لمشروع القانون، قائلاً: "أسبوع قبل المصادقة لم يكن أحد يتحدث عن مشروع القانون، وإذا بخبر يأتي أول أمس يفيد بقرب اعتماد التجنيد الإجباري، رغم أنه غير مدرج ضمن البرنامج الحكومي الذي أعلنته حكومة سعد الدين العثماني؛ في حين أن الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون أعلن عودة التجنيد ضمن برنامجه الانتخابي، لكنه لم يتمكن إلى حدود اللحظة من تنزيله بحكم حدة النقاش حوله".

ويُنتظر أن يُحال في الأسابيع القادمة على الغرفة الأولى للبرلمان، التي ستحليه على اللجنة المختصة لمناقشته وإدخال تعديلات عليه، قبل أن يُصادق عليه في جلسة عمومية تُبث على القناة الأولى العمومية، ليُحال من جديد على الغرفة الثانية، التي ستقوم بنفس العملية، ثُم تعيده للغرفة الأولى للبث في تعديلات زميلتها، قبل المصادقة عليه بشكل نهائي، ثم نشره على الجريدة الرسمية، ليُصبح نافذا في غضون مدة يُحددها المُشرع.

 

ليست المرة الأولى..

وليست هذه هي المرة الأولى التي يعتمد فيها المغرب نظام الخدمة العسكرية، إذ سبق وفرضتها الدولة سنة 1966، على جميع الموظفين، باستثناء حالات العجز البدني، والتحملات العائلية، ومتابعة الدروس.

وكان الشرط الأساسي لشغل أي منصب في الإدارة أو الوظيفة العمومية، هو قضاء فترة الخدمة العسكرية الإجبارية، التي كانت تستغرق آنذاك 18 شهراً، موزعة بين فترة التكوين العسكري وعند الاقتضاء على فترة التكوين التقني والمهني. كما شملت الخدمة العسكرية في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينات عددا من الشباب الذين فشلوا في الدراسة.

وفي سنة 2006، أعلنت الحكومة التي كان يترأسها آنذاك، التكنوقراط ادريس جطو، عن إلغاء العمل بالخدمة العسكرية، بناء على تعليمات ملكية.