(تم إعداد هذا المقال استنادا إلى نسخة جوان 2018 من مشروع القانون المتعلق بحماية اللاجئين).

 

منذ الاستقلال لم تهتم الدولة التونسية بحالة الأجانب بصفة عامة وبحالة اللاجئين بصفة خاصة. ولم يتم تخصيص سياسة عمومية متكاملة وواضحة الملامح للتعامل معهم وحمايتهم. وبالتالي لم يكن التعامل مع هذه الفئة تعاملا يغلب عليه الطابع الحمائي بل كان بالأساس تعاملا أمنيا لا تتدخل من خلاله الدولة إلا بهدف تسليط الرقابة والمتابعة وذلك بهدف حماية الحدود والأمن الوطني.

ولا يجب أن ننسى بأن تونس قد صادقت على الاتفاقية الدولية لحماية اللاجئين لسنة 1951 وعلى البروتوكول المكمل لها لسنة 1967[1] كما صادقت كذلك على اتفاقية منظمة الاتحاد الإفريقي لسنة 1969 المتعلقة باللاجئين[2]. إلا أنها لم تتخذ حتى اليوم قانونا يتعلق باللجوء وبوضعية اللاجئين. كما نص الدستور التونسي لسنة 2014 في الفصل 26 منه كذلك على الحق في اللجوء السياسي. فغياب نظام قانوني خاص باللاجئين يجعلهم خاضعين إلى نظام القانون العام المتعلق بالأجانب[3] وهو ما يعد تجنيا عليهم نظرا لوضعيتهم الخاصة والمختلفة عن بقية الأجانب الذين يوجدون طوعا فوق التراب التونسي.

وتجب الإشارة أنه منذ 2011، قد حدث تغيير في ما يتعلق بوضعية اللاجئين في تونس وذلك خاصة من جرّاء التحولات السياسية التي طالت المنطقة العربية والتي تفاقم على إثرها عدد اللاجئين المتواجدين على التراب التونسي. وقد بات تزايد أعداد اللاجئين يمثّل إشكالا ليس فقط على المستوى الوطني بل كذلك على المستوى الإقليمي خاصة مع بلدان الضفة الشمالية للمتوسط.  

وقد كان لغياب سياسات واضحة سابقة متعلقة بالتعامل مع اللاجئين الأثر الكبير على قدرة الدولة التونسية على مجابهة المد الهائل من اللاجئين الذين توافدوا عليها في سنة 2011 ومن بعدها. إذ شهدت تونس وفود آلاف طالبي اللجوء على أراضيها قادمة من ليبيا. ومقابل ذلك لم تتمكن الدولة التونسية من مجابهة هذه الظاهرة لوحدها فطلبت من مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين القيام بعمليات مساعدة ورعاية للاجئين والاضطلاع بدور قيادي في التنسيق بين كافة هذه المجهودات. وبغية إضفاء طابع رسمي ومؤسساتي لتواجد المفوضية وعملها في تونس، تم التوقيع على اتفاق تعاون بين الطرفين بتاريخ 18 جوان 2011.

ومن الجدير بالذكر أن دور المفوضية في تونس لا يقتصر على تنفيذ ولايتها الأساسية مثل التسجيل والتوثيق وتحديد وضع اللاجئين، بل يشمل أيضاً ضمان تمتعهم بالخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والمساعدات المالية... هذا وتسعى المفوضية لتوفير حلول دائمة للاجئين وطالبي اللجوء مثل إعادة التوطين في بلد آخر والعودة الطوعية إلى الوطن الأصلي وذلك بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة. يلحظ أن تونس قد أصبحت بعد 2011 أرض لجوء بالإضافة إلى كونها أيضا أرض عبور.

ولكل هذه الأسباب، انطلقت الدولة منذ سنة 2011، في إعداد مشروع قانون يتعلق بحماية اللاجئين. هذا المشروع بلغ، في نسخة جوان 2018، درجة متقدمة تسمح بتمريره إلى مجلس نواب الشعب للمصادقة عليه.

 

مشروع قانون يؤسس لنظام قانوني خاص باللاجئين :

يرسي مشروع هذا القانون سياسة عمومية جديدة للدولة التونسية فيما يتعلق بوضعية اللاجئين وهو أمر جيّد في حدّ ذاته إذ أنّه يجعل من اللاجئين أشخاصا يتوجب على الدولة الاهتمام بهم. وكما لهذه السياسة العمومية عديد الإيجابيات فإن لها أيضا عديد النقائص والحدود. ويركز مشروع القانون المتعلق باللاجئين نظاما قانونيا خاصا باللاجئين ويحتوي هذا النظام القانوني على:

 

تعريف اللاجئ

يعدّ هذا التعريف أول تعريف للاجئ تم تصوّره في القانون التونسي إذ لا يوجد إلى اليوم في صلب النظام القانوني التونسي أي إشارة إلى مفهوم اللاجئ. ولذلك يعرّف الفصل 7 من مشروع القانون اللاجئ بكونه "كل شخص أجنبي يدخل التراب التونسي ولا يستطيع أو لا يريد العودة إلى الدولة أو الدول التي يحمل جنسيتها بسبب خوف جدي وحقيقي له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه لفئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، أو كل شخص عديم الجنسية يدخل التراب التونسي ولا يستطيع أو يريد بسبب ذلك الخوف العودة إلى الدولة التي كان يقيم فيها عادة".

هذا التعريف مطابق للتعريف الوارد بالقانون الدولي ليشمل عددا من الأسباب الأخرى لطلب اللجوء (الدين، العرق، الجنسية، الفئة الاجتماعية والآراء السياسية). ويعد هذا التعريف تعريفا واسعا يشمل عديد الأسباب التي تدفع الأشخاص إلى اللجوء ويتجاوز بذلك التعريف الدستوري للجوء الذي اقتصر على اللجوء السياسي وفق الفصل 26 من الدستور[4]. وتجب هنا الإشارة إلى أن هناك معايير مستحدثة يمكن على أساسها طلب اللجوء والتي لم يتم تكريسها بعد صلب القانون الدولي ولكن تمّ تكريسها في عدد من البلدان وهي بصدد التواجد أكثر فأكثر[5].

 

حقوق اللاجئ :

يكرّس مشروع القانون عددا من الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور والمعاهدات الدولية التي يتمتع بها كل إنسان بغض النظر عن جنسيته. ويعد هذا التنصيص مهما لما يتعرض له اللاجئون من صعوبات في ممارسة هذه الحقوق. وقد تضمن الفصل 11 من مشروع القانون جملة من الحقوق التي يتمتع بها اللاجئون والتي يتساوى في ممارستها مع المواطن التونسي وهي: حرية المعتقد والقيام بالشعائر الدينية، الإغاثة والمساعدة العامة والتعليم الأساسي والصحة والتقاضي أمام المحاكم بما فيها الحصول على الإعانة العدلية والملكية الفكرية والثقافية والصناعية. وهو ما يحتم على الدولة التونسية تخصيص الإعتمادات والموارد والفضاءات اللازمة لضمان ممارسة هذه الحقوق حتى لا تبقى حبرا على ورق.

ومن الملفت للانتباه في هذا الفصل أنه قد تم الحد من ممارسة حرية المعتقد والقيام بالشعائر الدينية عند مخالفتها للنظام العام وهو ما يفتح الباب لسلطة تقديرية واسعة في معاينة مخالفة ممارسة هذه الحقوق للنظام العام الذي يتقى مفهوما فضفاضا. وعلى هذا الأساس، يتعارض هذا الفصل مع الفصل 6 من الدستور الذي ينص على "الدولة ... كافلة لحرية الضمير والمعتقد وممارسة الشعائر الدينية" وكذلك الفصل 49 من الدستور الذي يؤسس للحدود الممكن تسليطها على الحقوق والحريات والتي تتجاوز مفهوم النظام العام[6].   

كما أسس الفصل 12 من مشروع القانون كذلك للمساواة بين اللاجئ والأجنبي في ممارسة بعض الحقوق الأخرى وهي: الملكية، حرية التنقل والإقامة داخل البلاد، الشغل والضمان الاجتماعي، ممارسة المهن الحرة وتعاطي أعمال الفلاحة والصناعة والحرف اليدوية وتكوين الشركات، الحصول على سكن، مزاولة التعليم وتكوين الجمعيات والنقابات. فلا يتمتع الأجانب بهذه الحقوق بصفة مطلقة كما هو الأمر بالنسبة إلى المواطنين التونسيين.

 

مشروع قانون يبقى تطبيقه رهن إرادة السلطة السياسية

لطالما كانت سياسة الدولة تجاه اللاجئين سياسة تتسم بالسلبية وبالتراجع. فهي سياسة لا تهتم مباشرة بهذه الفئة من الأجانب ولم تجعل لهم نظاما قانونيا خاصا بهم. ولطالما فوّضت الدولة سلطاتها المتعلقة بإسناد صفة اللاجئ والإحاطة به إلى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين التي تدير إلى اليوم هذه المسائل التي تعد من صلاحيات الدولة.

ولذلك أرسى مشروع القانون هيئة وطنية لحماية اللاجئين أسندت إليها حسب الفصل 27 من مشروع القانون عديد الصلاحيات منها "ضبط الإستراتيجية الوطنية المتعلقة بحماية اللاجئين" و"النظر والبت في مطالب اللجوء والطرد ومتابعة وضع اللاجئين وسحب صفة اللاجئ" واقتراح نصوص قانونية وترتيبية تتعلق بمسألة اللجوء وإبداء الرأي في النصوص المقترحة من قبل الحكومة أو مجلس نواب الشعب  وكذلك ضبط الإستراتيجية الوطنية لحماية اللاجئين وتنظيم ندوات علمية والقيام بالإحصائيات المتعلقة بمطالب اللجوء والتنسيق بين الهياكل العمومية ومنظمات المجتمع المدني.

كما ألحق مشروع القانون عديد الصلاحيات التي كانت موكلة لوزارة الداخلية مثل "تحديد شكل وفحوى الوثائق وبطاقات الإقامة التي يستحقها طالب اللجوء واللاجئ وفقا للنماذج المعتمدة دوليا لاعتمادها من قبل وزارة الداخلية" إلى هذه الهيئة. فمصالح وزارة الداخلية التي تتعامل تعاملا أمنيا مفرطا فيه مع الأجانب بصفة عامة ومع اللاجئين بصفة خاصة لا تزال إلى اليوم وحدها معنية بهذه المسائل ولها سلطة تقديرية واسعة فيما يتعلق بها.

وفيما يتعلق بتركيبه الهيئة، فقد حدد الفصل 28 تركيبة مجلسها الذي يتكون من ثلاثة عشر ممثلا لعدد من الوزارات ومن ممثليْن اثنين للمجتمع المدني وذلك مع تفرّغ الرئيس وحده دون غيره من الأعضاء. كما نص مشروع القانون في فصله 45 بأن مداولات الهيئة لا تصح إلا بحضور ممثلي وزارات العدل والداخلية والشؤون الخارجية والدفاع الوطني.

فهذه التركيبة لا يمكن لها من جهة ضمان نجاعة عمل الهيئة ولذلك نظرا للصلاحيات الكثيرة التي أسندت لها مقابل عدم تفرّغ غالبية أعضائها وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تركيز كل المهام على عاتق الرئيس. كما أن التركيبة التي تتكون أساسا من ممثلين للوزارات هي تركيبة جدّ مسيّسة وهو ما من شأنه أن يؤثر على عمل الهيئة ويجعلها عرضة للتجاذبات السياسية بين مختلف الوزارات كما يؤدي اشتراط حضور ممثلي بعض الوزارات دون غيرها إلى تعطيل عمل الهيئة.

فالنموذج الذي على أساسه تم تصور الهيئة يذكرنا بنفس النموذج الذي وضعت على أساسه الهيئة الوطنية لمكافحة الإتجار بالأشخاص[7]. فهذا النموذج لا يمكن أن يحقق نجاعة في العمل. إذ لا يمكن لهيئة لا تملك ميزانية خاصة بها، مركبة من ممثلين عن عدد كبير من الوزارات، يكون فيها الرئيس وحده متفرغا تحقيق جميع المهام التي أسندها القانون لها.

وبالإضافة إلى ذلك فإن إلحاق الهيئة بوزارة العدل دون تمكينها من الاستقلالية الإدارية والمالية يجعلها خاضعة خضوعا تاما لوزارة العدل. فحسب الفصل 31 من مشروع القانون تتكون موارد الهيئة أساسا من المنح التي ترصدها له وزارة العدل والمعاليم المتأتية من الخدمات التي تسديها والهبات. ولذلك ستكون الهيئة مجبرة على البحث عن الهبات لأدائها عملها وضمان استمراريته.

ولربما يكون من الأجدى، إنشاء هذه الهيئة من ضمن هيئة حقوق الإنسان التي ينص عليها الفصل 128 من الدستور التونسي، على اعتبار أن هذه الهيئة هي مستقلة وفق الدستور، مما يجعلها مبدئيا أكثر استقلالية وفعالية من الهيئة المتصورة في مشروع القانون موضوع التعليق. 

 

[1]  صادقت تونس على الاتفاقية الأممية في 24 أكتوير 1957 وعلى البروتوكول المكمل لها في 16 أكتوبر 1968.

[2]  وقعت تونس على هذه الاتفاقية منذ 10 سبتمبر 1969.

[3]  وهي النصوص التي تهتم بحالة الأجانب في تونس خاصة منها القانون عدد 7 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1968 المتعلق بحالة الأجانب بالبلاد التونسية.

[4]  ينص الفصل 26 من الدستور على "حق اللجوء السياسي مضمون طبق ما يضبطه القانون، ويحجر تسليم المتمتعين باللجوء السياسي".

[5]  Chloé Anne Vlassopoulos, « Des migrants environnementaux aux migrants climatiques : un enjeu définitionnel complexe », Cultures & Conflits [En ligne], 88 | hiver 2012. Disponible sur : http://conflits.revues.org/18563

[6]  "يحدد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بني هذه الضوابط وموجباتها".

[7]  انظر القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 المؤرخ في 3 أوت 2016 المتعلق بمنع التجار بالأشخاص ومكافحته.