أصدر القاضي محمد المعز العروسي وكيل رئيس محكمة ناحية تونس حكما في مادة التبني تحت عدد 12639 بتاريخ 12-07-2018 أقر صلبه بصحة تبني[1] إمرأة عزباء لطفلة قاصرة مجهولة النسب متجاوزا بذلك شرط الزواج المنصوص عليه بالفصلين التاسع والعاشر من القانون عدد 27 لسنة 1958 المؤرخ في 04 /03/1958 المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني في طالبة التبني[2].

يتّسم هذا الحكم بالجرأة في تنزيله مفهوم المصلحة الفضلى للطفل كقيمة فوق قانونية وإقراره لقيم ومفاهيم أسرية جديدة تمنح في عمقها ودلالاتها حقوقا للأمهات العازبات من جهة، كالتوصل لبيان الدور الخلاق للقاضي بوصفه حاميا للحقوق والحريات.

 

المصلحة الفضلى للطفل قيمة فوق قانونية

في الحكم موضوع التعليق، قدّر القاضي أن اشتراط المشرع أن يكون طالب التبني متزوجا أو سبق له الزواج لا غاية منه سوى "حماية الأطفال فاقدي السند بتوفير سند عائلي لهم يحميهم من ويلات الحياة ومصاعبها عبر توفير مناخ ملائم يسمح لهم بالنمو والكبر في بيئة سليمة ووضع طبيعي، مثلهم مثل بقية الأطفال الذين يتوفر لهم سند عائلي".

فضلا عن ذلك، عكس الحكم فهم القاضي لدوره في مجال حماية الأطفال، بحيث نص على أن هذا الدور يفرض عليه التضحية بالشرط القانوني متى تبين له أن التقيّد به يؤدي للمس بمصلحة الطفل موضوع طلب التبني ونكران حق الطالب في التبني بتعلّة عدم زواجه. وقد تولى الحكم، تنزيلا لهذا التصور، إبراز حاجة الطفلة بأن تتمتع برعاية خاصة مردها إعاقتها العضوية، مع بيان أن تلك العناية الخصوصية حرمت منها بسبب بقائها بمركز رعاية الطفولة مدة أربعة أعوام دون أن يتقدم أيّ كان لطلب تبنيها. انطلاقا من ذلك، أمكن القاضي القول استنادا إلى عمل البحث الاجتماعي بأن طالبة التبني ولئن كانت غير متزوجة، فإنها قادرة لوحدها على تحقيق مصلحة الطفلة التي تطلب تبنيها.

وعليه، يظهر أن القاضي اعتبر في حكمه أن "للمصلحة الفضلى للطفل" قيمة أساسية يجب ترجيح كفتها والعمل على تكريسها ولو أدى الأمر إلى تجاوز شرط قانوني قد يؤدي التشبث به إلى الحيلولة دون تحقيقها.

 

الإعتراف بالحق بالأمومة وبقدرة الأم بتوفير بيئة عائلية سليمة

يؤدي إسناد التبني لأم عزباء فعليا لصياغة مفهوم لمؤسسة الأم العزباء يعطي الأولوية لحق الأمومة ويقطع بالتالي مع النظرة الإجتماعية الدونية للأمهات العازبات التي تدفع بنصفهن إلى التضحية بأمومتهن والتخلي عن أطفالهن[3] وتفرض على الباقيات وأبنائهن التهميش الاجتماعي.

ويبدو هذا الموقف مهما في أثره الاجتماعي خصوصا وأن الإحصائيات الرسمية التونسية تبين أن هناك قرابة تسعمائة طفل يولدون سنويا من أمهات عازبات[4].

وفي هذا الإطار يبدو من المهم تعميق الحوار الاجتماعي حول حقوق الأطفال المولودين خارج إطار الزواج بحثا عن سبل تضمن لهم بقاءهم في وسطهم الأسري الحقيقي من دون أن يؤدي ذلك لتعرضهم لأي وصم اجتماعي أو أي شكل من أشكال الإنتهاك والدونية.

ومن هذا المنطلق يكون الحكم القضائي الذي أعمل الاجتهاد في الموضوع محفزا على ذلك.

 

الحقوق والحريات مبررات لدفع الاجتهاد القضائي

يشكل هذا الحكم نموذجا جديدا على تطور فهم القاضي لوظيفته والمتمثلة في الانتصار للحقوق الأساسية وإن غفلت القوانين عن تكريسها. بفضل إجتهاده المُقدّر وجرأته، كرّس القاضي حقوقا سكت عنها القانون. ومن شأن هذا الأمر أن يؤسس لمراجعات تشريعية تستوجبها طبيعة المجتمعات وتغير العقليات وتطورها من جهة وتفرضها حقوق الإنسان في أبعادها و أوجهها المتعدّدة من جهة أخرى.

ومن هنا تكمن أهمية دور القضاء في حماية الحقوق والحريات في مفهومها الأسمى والأشمل وأيضا ... تكريسها.

 

[1] التبني هو عقد يُنشئ بين شخصين و طرفين علاقات صورية ، بالنظر إلى أنها غير طبيعية المنشأ، و روابط مدنية محضة لأبوّة و بنوّة مفترضة أي أنه بهذا المفهوم يمثل عملية إستلحاق شخص ولدا معروف النسب أو مجهوله به مع التصريح بأنه يتخذه ولدا له

[2]   ينص الفصل 9" " ينبغي أن يكون المتبني شخصا رشيدا ذكرا أو أنثى متزوجا متمتعا بحقوقه المدنية ذا أخلاق حميدة سليم العقل و الجسم و قادرا على القيام بشؤون المتبنى..."

[3]  معطيات ينازع فيها المجتمع المدني إذ تذكر جمعية أمل المهتمة بالأمهات العازبات "أن عدد الولادات خارج إطار مؤسسة الزواج ما بين 1200 و1500 حالة سنويا. أي انه يولد  4 أطفال يوميا خارج إطار الزواج.- يراجع مقال الامهات العازبات بتونس –الحوار نت– 19-11-2009.
 

[4]   يراجع مقال " ظاهرة الأمهات العازبات في تونس بين القانون والتحريم " – أحلام بالرحومة -  10-03-2017 موقع مدونات فرانشيفال