ترددت في الأوساط السياسية معلومات عن احتمال مقاطعة "النواب السنة" الجلسة التشريعية المرتقبة لمجلس النواب تحت مسمى تشريع الضرورة. والهدف المضمر لتلك المقاطعة هو إفقاد الجلسة "ميثاقيتها" بحجة غياب نواب طائفة معينة. ولا شك أيضا أن الممارسة التي باتت تعرف بتشريع الضرورة هي اختراع طائفي جديد يقوم على فكرة تعطيل عمل مجلس النواب ورئيسه "الشيعي" مقابل وجود حكومة مستقيلة ورئيس مجلس للوزراء "سني" يقوم بتصريف الأعمال. وهكذا تصبح "المقاطعة السنية" شكلا من أشكال ممارسة حق النقض أو الفيتو، هذا علما أن تلك المقاطعة لا تأثير لها من الناحية الدستورية على صلاحيات مجلس النواب الذي يستطيع أن يشرع في حال توفرت الغالبية المطلقة من أعضائه التي تشكل النصاب القانوني لانعقاده وفقا لأحكام المادة 34 من الدستور.

وبغض النظر عن جواز التشريع في ظل حكومة مستقيلة وهو أمر يمكن مناقشته من الناحية الدستورية الصرفة، بات النظام اللبناني وتحديدا منذ 2005 يقوم على ممارسات تقر للزعماء حق تعطيل عمل المؤسسات الدستورية بحجج ميثاقية لا يعرف ما هي ومن يحددها وما هو موقعها من النظام القانوني في لبنان. وقد تطور الأمر لدرجة بات يتم التحدث فيها عن أعراف دستورية تتعارض كليا مع نص الدستور. ونحن هنا لا نريد أن ندخل في معالجة موضوع شائك جدا في نظرية القانون حول العرف وماهيته وهل هو أصلا مبدأ معترف به في القانون الدستوري خاصة، لكن الأكيد أن تلك الممارسات لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالمفهوم العلمي للعرف دستوري.

والحقيقة أن الطبقة السياسية باتت تتصرف وكأن اتفاقها على أمر ما يشكل مصدرا من مصادر القانون الكفيلة بخلق قواعد (norme) تنافس لا بل تتفوق على القواعد الدستورية. فمقاطعة وزراء طائفة ما يعطل مجلس الوزراء ومقاطعة نواب طائفة أخرى يشل عمل مجلس النواب والميثاقية تفرض التوافق في كل شيء وفق أطر سياسية وخارج منطق المؤسسات الدستورية.

وما أدى إلى تفاقم هذه الظاهرة هو اعتبار الزعماء والأحزاب التابعة لهم ممثلين سياسيين عن طوائف إذ يتكلمون باسمها ويدافعون عن مصالحها بوجه "الآخرين". وحقيقة الأمر أن الطوائف في لبنان لا وجود سياسي لها أي أن النظام القانوني اللبناني لا يقر بوجود ممثلين سياسيين عن الطوائف المعترف بها. فالقرار الشهير 60/LR  الصادر سنة 1936 اعترف بوجود سلطات دينية تتولى مهام محددة حصريا بالشؤون المختصة بالأحوال الشخصية وما يتفرع منها، أي أن رئيس الطائفة هو رئيسها من الناحية الدينية وهو غير مخول كي يتكلم باسم أفراد طائفته من الناحية السياسية كونه غير منتخب ولا يحمل تفويضا بذلك.

والأمر نفسه ينسحب على النائب الذي لا يعتبر ممثلا لطائفته بل للأمة اللبنانية وهو لا يحق له التكلم باسم طائفته كونها بكل بساطة لا وجود لها سياسيا. وهنا لا بد لنا أن نشير إلى قرار بالغ الأهمية وشبه منسي صادر عن المجلس الدستوري يؤدي إلى نسف مبدأ التمثيل الميثاقي بشكل كامل. ففي سنة 2008 تم تعديل قانون تنظيم مشيخة العقل للطائفة الدرزية ما دفع بشيخ عقل الطائفة الدرزية بهجت غيث للطعن بالقانون المذكور الذي نصت المادة 16 منه أن شيخ العقل يتم انتخابه بالإجماع من قبل النواب الدروز. وبالفعل أبطل المجلس الدستوري في قراره رقم 2/2000 تاريخ 8 حزيران 2000 تلك المادة وفقا للتعليل التالي:

" وبما أنه فضلا عن ذلك فإن إناطة اختيار شيخ عقل الطائفة الدرزية بإجماع النواب الدروز الحاليين يشكل خرقا لأحكام الدستور ولا سيما للمادة 27 لأنه لا يمكن اعتبار هؤلاء النواب ممثلين للطائفة الدرزية، باعتبار أن المادة 27 من الدستور تنص على أن عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء ولا يمثل طائفته أو منطقته أو حتى أولئك الذين انتخبوه، بدليل أن النائب لا ينتخب من أبناء طائفته ولكن من جميع الناخبين في الدائرة الانتخابية على اختلاف طوائفهم.

 

وبما أن القانون الذي يسنه مجلس النواب يتم إقراره منهم بوصفهم ممثلين للشعب اللبناني، وفقا للمادة 27 من الدستور وليس بوصفهم ممثلين للطوائف، وإلا لكان لكل مجموعة من النواب تنتمي إلى طائفة معينة حق الاعتر اض على أي مشروع أو اقتراح قانون يتناول تنظيم أوضاع الطوائف أو حقوقها التي تنتمي إليها هذه المجموعة، والحؤول بالتالي دون إقراره، وهو الأمر الذي يتعارض وأحكام الدستور والمرتكزات الدستورية الأساسية التي يقوم عليها نظام المجتمع وكيان الوطن، والمنصوص عليها في مقدمة الدستور".

 

يتمتع هذا القرار بأهيمة قصوى لا بل هو حجر الزاوية لتفكيك نظام الزعامة القائم على فكرة تمثيل أحزاب لطوائف معينة وتعطيل عمل المؤسسات الدستورية وفقا لحقوق نقض وفيتوات ميثاقية لا ترتكز على أي مسوغ دستوري. ونعيد التأكيد على هذه الحقيقة التي باتت للأسف تشكل اليوم صدمة لغالبية اللبنانين: الطوائف لا وجود لها في لبنان من الناحية السياسية وهي مجرد سلطات دينية تمارس صلاحياتها حصرا في مسائل الأحوال الشخصية ولا يحق لأحد التكلم سياسيا باسمها.