يبيّن تاريخُ القرن العشرين لمدينة بعلبك حوارًا متضاربًا في غالب الأحيان بين التنظيمات المدينية للدولة من جهةٍ، ومعيشة سكان المدينة ومعاييرها المدينية من جهةٍ أخرى. وعلى الرغم من أن هذا التضارب يحضر في المشهد اللبناني ككلٍ، إلا أنه يتخذ شكلًا خاصًا في بعلبك بسبب القيمة الوطنية والسياحية العالية للآثارات الرومانية. واستنادًا إلى العمل المُنجز في مطلع الألفية الثانية، يعرض النص أدناه مقتطفًا من منشورٍ يعود إلى العام ٢٠٠٦ والذي يدرس مدينة بعلبك[١] من منظورات الدولة والشارع، حيث غالبًا ما تتضارب سيروراتُ التمدين المتتالية بعضها مع بعض.

يتألّف التاريخ الحديث لبعلبك من سلسلة إجراءاتٍ تعيد موضَعة المدينة ضمن شبكة المدن اللبنانية، وتضعِف علاقاتها الوثيقة بالمدن الداخلية الواقعة في ما يُعرف اليوم بسوريا لجهتَي الشمال والشرق. واتخذت هذه الإجراءات شكل تدابير بيروقراطيةٍ وتشريعيةٍ وتدخّلاتٍ ماديةٍ وعمرانيةٍ عزّزت علاقة بعلبك بالدولة المتركّزة في بيروت وغيرها من المدن الساحلية.

 

 

التنظيمات المدينية الأولى

في العام ١٩٣٩، صدر مرسومٌ تشريعيٌ صنّف ثلاثة مواقع أساسيةً للحفظ في بعلبك: موقع معبد مركور على المنحدر الشرقي، والأشجار المحيطة بالطريق المحوري المؤدّي إلى رأس العين، ومنطقة المعابد الأثرية (الشكل ١). ولعلّ الموقع الأخير هو الأهمّ لكونه حدّد إطارًا للموقع الأثري تضمّن أحياءً سكنية. وفي العام ١٩٥٥، صدر مرسومُ أساسيٌ ثاني أوصى بتوسعة الطريقين الرئيسَين للمركبات، الأول يصِل منطقة رأس العين بموقع المعابد[٢]، بينما يصِل الآخرُ المدخلَ الجنوبي لبعلبك بالمحور الذي يربط منطقة المعابد برأس العين (الشكل ١). أُعدّ هذين المرسومَين بغرض تسهيل الحركة السياحية داخل المدينة والتخفيف من تأثير سكان المدينة على تدفّق حركة السير السياحية. ويوصِل هذان الطريقان السيّاحَ القادمين عن طريق بيروت – دمشق إلى الموقع الأثريّ للمعابد مباشرةً، ومنه إلى موقع رأس العين الترفيهي حيث يمكنهم تناول الغداء في المطاعم المنشأة هناك. وفي العام ذاته، صدر قانون بناءٍ خاصٍ ببعلبك حُدّد فيه تقسيم المناطق، وارتفاع العمران، ومستويات التراجع وعوامل الاستثمار السطحية، وكانت تلك المرة الأولى التي تُقونَن فيها المباني في بعلبك وفقًا للشروط الرسمية «الحديثة». وفي ذلك العام، صدر مرسومٌ أساسيٌ ثالثٌ يقضي بإزالة كافة المنازل السكنية الواقعة ضمن النطاق الأثري المحدّد للحفظ في العام ١٩٣٩، ما جعل الموقع الأثري ظاهرًا للعيان من طريق مدخل بعلبك، أي شارع عبد الحليم الحجّار.

وكما يبدو واضحًا في خريطة العام ٢٠٠٠، لم تُنفذ هذه المراسيم على نحوٍ تامٍ على الرغم من سريان مفعولها حتى العام ٢٠٠٢، حين أعادت دراسةٌ جديدةٌ تقييم بعضٍ منها.

 

دولة الحداثة

في العام ١٩٦٤، شُرّعت مجموعةٌ جديدةٌ من التدخلات كان أبرزها اقتراح إنشاء طريقٍ للمركبات كامتدادٍ للمحور المتماثِل لمعبد جوبيتير. ويبدأ هذا الطريق من بروبيليا المعبد (البوابة الرئيسة) وينتهي عند دوارٍ حديثٍ مقترحٍ إنشاؤه  في داخل المدينة (الشكل ١). ويطرح الطريق والدوّار إزالة العديد من المساكن، وهي عمليةٌ لم تُنفّذ بالكامل. ساهمت هذه الاقتراحات في موضَعة المباني الأثرية كعاملٍ رئيسٍ في إعادة صياغة التجربة المدينية لبعلبك. ويبيّن هذا الواقع توجّهًا ثابتًا في تخطيط مدينة بعلبك يمنح الأولوية للسيّاح على حساب السكان، إذ نظر المصمّم/ المخطّط الى المدينة من الموقع الأثري، وأهمل النظرة اليومية لسكان المدينة للموقع الأثري. ولعلّ أبرز تجلٍ لهذه الرؤية التصميمية هو المشروع الفائز بالمركز الأول في مسابقة المخطّط التوجيهي لبعلبك في العام ١٩٦٣ من تصميم هنري إده، أحد روّاد الهندسة الحديثة في لبنان (الشكل ٢).

 

 

الشكل 1: طريق لمعبد جوبيتر

 

 

الشكل 2 :المشروع الفائز بالمركز الأول في مسابقة المخطّط التوجيهي لبعلبك في العام  1963  

 

واقترح إده في مخطّطه إزالة معظم الأحياء المعاصِرة وبناء «مدينة رومانية» مكانها تتألّف من مربّعاتٍ سكنيةٍ، بهدف إعادة إنشاء «البيئة الطبيعية» للمعابد الأثرية. ووفقًا لهذه الخطة، نُقِل سكان بعلبك إلى تجمعاتٍ سكنيةٍ حديثةٍ في الجهة الشمالية الشرقية، أي جُعِل وجودهم «غير مشينٍ» للمدينة التاريخية الخالدة. وباستثناء حيٍ ثريٍ بجوار المعابد، لم يحفظ إده من المدينة سوى بضعة مساكن [من دون سكانها] أسماها «المساكن الشعبية» كعيّنةٍ «أنثروبولوجية»، ليبيّن للسيّاح على الأرجح كيف «كان» الناس يعيشون هناك!

ويكشف تهميش المدينة المعاصِرة وطغيان الآثار على المخطّطات التوجيهية أيديولوجيّة مسؤولي الدولة ومهندسي الحداثة في ذلك العصر، أي المعماري في هذا المثال. بالطبع، احتاجت الدولة اللبنانية بعد الاستقلال إلى إثبات هويةٍ تُشرعِن حدودها حديثة التشكيل وتفصلها عن الظهير السوري. وكانت بيوت ومباني مدينة بعلبك المعاصِرة شديدة الشبه بمباني المدن والقرى السورية، وبذلك كانت تشكّل عوامل إدماجٍ بدلًا من عوامل تمايز. أما الموقع الأثري الذي يبلغ عمره ألفَي عامٍ، فأصبح أحد معالم لبنان الأيقونية المميزة، فطُبعَت صورته على العملة والطوابع وفي الكتب. واستطرادًا، تحوّل كل ما يشوب وضوح تلك الصورة إلى شيءٍ طفيليٍ غير ذي قيمة. ودفع إده بهذا المنطق إلى حدّه الأقصى من خلال النظر إلى المدينة المعاصِرة كآثارٍ ضمن المدينة الرومانية الخالدة، فجرى تمثيل المدينة المعاصِرة في عيّناتٍ من «المساكن الشعبية» كفترةٍ عابرةٍ في حياة المدينة الأثرية الأصلية والحقيقية التي تمكن إعادة إعمارها وتجميعها فورًا، واحتضانها في كنف الأمّة الحديثة. وحقّق المعماري هذا الأمر من خلال إظهار وتوكيد المعالم الثقافية المُعترَف بها عالميًا، بالتزامن مع تغليف واحتواء وإلغاء تشكيلات الموقع المحلّي وتهميش مشاهد التاريخ القريب والمألوف. وتبيّن هذه الممارسات اقتراب المعماريين (من مصمّمين ومخطّطين) من توجّه السلطات التي كانت لسنين تطوّر خططًا لبعلبك الحديثة، ما يفسّر دورهم الرياديّ في خلق البعد المساحي لاستراتيجيات التسلط. هكذا، لحظ التدخّل المديني اللبناني المتكرر في بعلبك حلولَ الحداثة وديمومة الآثار، بينما تجاهل تمامًا المدينة المعاصِرة وطريقة إنتاجها بصورةٍ يومية.

 

ممارسة المساحة: استقاء الدروس من حيّ الصّلح

 

:

الشكل 3: الخريطة الحالية لحيّ الصّلح الواقع في الجزء الشمالي الشرقي من مدينة بعلبك

 

في هذا القسم، أعاين حيّ الصّلح في بعلبك بغرض فهم المعايير المتّبعة لإنتاج حيٍ عاديٍ في المدينة، والعاملة خارج سلطة الدولة[3]. ولدى النظر إلى الخريطة الحالية لحيّ الصّلح الواقع في الجزء الشمالي الشرقي من المدينة، تمكن رؤية حدٍ واضحٍ يفصل رسميًا بين نوعَين من المورفولوجيا العمرانية (الشكل ٣): فالمنطقة الأولى تضمّ مبانٍ سكنيةً محدّدة الشكل الهندسيّ، بينما تضمّ الأخرى المحاذية لها أشكالًا عمرانيةً متنوعةً، أصغر حجمًا ومتداخلةً على نحوٍ معقّد. في الواقع، يُرسّم هذا الحدُ الحدودَ بين المباني السكنية الملتزمة بتنظيمات قانون البناء الحديث الرسمي المُطوّر في خمسينات القرن الماضي، بينما تتبع المساكن الأخرى قانونًا عرفيًا لا يُمكن تأريخه. ويُحدّد قانون البناء الحديث الرسمي عوامل الاستثمار ومغلفًا هندسيًا لا ينبغي بالمباني تجاوز نطاقه. أما القانون العرفي، فيحدّد ممارساتٍ مساحيةً متفقًا عليها اجتماعيًا توجّه أعمال البناء من دون أن تمليَ شكل المبنى. وتمتاز مساكن حيّ الصّلح بنوعٍ خاصٍ من البيوت ذات الباحات التي تبدأ في معظم الأحيان من وحدةٍ مؤلّفةٍ من غرفتَين وباحةٍ أمامية. وتُعدّ الباحة المفتوحة محوريةً بالنسبة إلى المسكن على المستويَين المساحي والبرمجي، فهي المساحة التي تترابط فيها كافّة الأنشطة ويشغلها جميع أفراد الأسرة. هكذا، تصبح الباحة موقعًا لمزيدٍ من الإضافات العمرانية الناشئة عن حاجات الأسرة، كالخدمات الإضافية، والزيجات الجديدة، ونموّ حجم الأسرة وتقاعد الأب، إلخ. ويتمّ توجيه هذه الإضافات التدريجية وفقًا لقاعدتَين أساسيّتين: الأولى تقضي بوجوب الحفاظ على مساحةٍ خارجيةٍ لا تقلّ عن مترَي تراجعٍ أمام أيّ فتحةٍ في المباني القائمة أو الجديدة للسماح بوصول الهواء والضوء الطبيعي؛ والثانية تنصّ على وجوب ألا تشرف أيٌ من الغرف على البيت المجاور، بغرض الحفاظ على خصوصيّة البيت بكامله من الناحية البصريّة. وتوجد استثناءاتٌ لهاتَين القاعدتَين كما في حال العائلات التي تربطها صلة القرابة والتي قد تسمح بأن تشرف بيوتها بعضها على بعضٍ، مع الاحتفاظ بالحقّ في حجب هذا النوع من الوصول البصريّ في حال وقوع خلافاتٍ عائليةٍ أو تأجير البيت لعائلةٍ أخرى. أما القاعدة الثالثة، فتنصّ على كون الشارع فضاءً مشتركًا، ما يجعل منه المساحة الوحيدة التي يمكن للناس التفاعل فيها والإشراف بعضهم على بعض. وتتّسم مساكن حيّ الصّلح ذات الباحات بتناغمٍ تامٍ بين البنية الاجتماعية ومساحة المدينة، إذ تصوغ وتعيد صياغة بعضها البعض على نحوٍ ديالكتيكي. وبالتالي، تُسمّى الأحياء السكنية بأسماء العائلات التي تنشئ التكتّلات المُشكّلة للنسيج المديني: فالأجداد الأوائل ينشئون التكتّل، ومن ثم يزداد هذا التكتّل كثافةً وتنوعًا مع نموّ العائلة. حاليًا (٢٠٠٦)، ما زالت غالبية الأحياء القديمة ملتزمةً بالقانون العرفي (غير القانوني)؛ بينما تتبع توسّعاتُ المدينة القانونَ الحديث. ومع السماح للمبنى  السكني الحديث بالإشراف بصريًا على العقارات المحيطة به، تُنتهَك خصوصية الباحات من قِبل هذه المباني الجديدة، ما يتسبّب بتراجع وضع البيت ذي الباحة في بعلبك، وينتج حالًا من الإرباك بين الممارسات المساحيّة لتلك العائلات من جهةٍ، والمبادئ التوجيهية المساحية للقانون الحديث من جهةٍ أخرى. ولعلّ النتيجة المدمّرة الأبرز لهذا الإرباك بين القانون العرفي والقانون الرسمي الحديث هي تدهور نوعيّة المساحة في المدينة. ويعود هذا التدهور بشكلٍ رئيسٍ إلى بناء مبانٍ سكنية جديدة تتّسم بالتطلّع إلى الخارج والاستفادة القصوى من الأحجام المتاحة وفقًا لمعايير القانون الرسمي الحديث، ضمن نسيجٍ من الشوارع الضيّقة والمتعرّجة المُنشأة وفقًا للممارسات المساحية الخاصة بالبيت ذي الباحة.

يبدو أن القانون العرفي ساري المفعول منذ أجيالٍ في بعلبك لم يكن معروفًا لدى المعماريين الذين وضعوا المبادئ التوجيهية لتطوير مدينة بعلبك. وفي خلال القرن العشرين، حاول المعماريون والمُخطّطون تحديث المدينة وحماية ثرواتها الأثرية، مولين اهتمامًا ضعيفًا جدًا لتبِعات أعمالهم وخططهم وأفكارهم على الحياة اليومية في المدينة. وفي أثناء محاولتهم تصوّر مستقبل البيئة العمرانية، مال المعماريون إلى رؤية نشاطهم التصميمي خارج الظروف الاجتماعية المعاصِرة وخارج الخطاب التاريخي. بالمقابل، فإنّ الظروف المدينية الحالية لحيّ الصّلح تقصي المعماري تمامًا؛ ذلك المُصمّم المُحدّث الذي يعيش خارج النسيج المحلي ويعمل ضمن شبكةٍ تمتدّ خارج المدينة. وبناءً على ذلك، يكمن التحدّي الحالي في بعلبك في تطوير قدرة المُصمّم على إنتاج مساحاتٍ وتنظيماتٍ مساحية جديدة من دون تهميش الممارسات المساحية اليومية للمدينة.

 

نشر هذا المقال ضمن المنشور "انتاج اللامساواة في تنظيم الأراضي اللبنانية" في شهر تموز\يوليو ٢٠١٨، وهو نتاج مشروع بحثي لاستوديو أشغال عامة بالتعاون مع المفكرة القانونية. لقراءة المنشور بالكامل انقر/ي على الرابط: انتاج اللامساواة في تنظيم الأراضي اللبنانية

 

مقالات ذات صلة:

 

----

١ Marwan Ghandour, “On Cities and Designers:  a Baalbeck Story,” Architecture Research Quarterly, vol 10, issue 1, March 2006 (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2006). PP 37-49.

٢ يناقض مرسومُ 1955 مرسومَ 1939، إذ أن توسعة طريق رأس العين تحتّم قطع الأشجار المصنّفة للحفظ في العام 1939. وبحجّة تنفيذ مرسوم 1955، أُزيلَت الأشجار في العام 1994 على الرغم من استياء الكثير من أهالي بعلبك.

٣ تستند خلاصاتي بشأن أحياء بعلبك إلى عملٍ تحليليٍ وميداني أُنجزَ في العام 2002. وكنتُ طوّرتُ هذا البحث السابق بالاشتراك مع المهندسة/ المخطّطة منى فوّاز وبمشاركة كلٍ من هبة بو عكر، وندى ممتاز وسيرين كلش اللواتي كنّ جزءًا من فريق عمل المشروع.