بتاريخ 8/07/2013، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف حكما لافتا بتعيين إدارة مؤقتة لشركة تلفزيون لبنان وهي شركة مساهمة تملك الدولة اللبنانية كافة حصصها وتخضع لقانون التجارة. وكانت هذه الأخيرة ممثلة بوزارة الإعلام قد تقدمت أمامه بدعوى طلبت فيها تعيين مدير مؤقت للشركة من ضمن لائحة أبرزتها من أصحاب الخبرة في هذا المجال مبررة ذلك بانتهاء ولاية أعضاء مجلس الإدارة الحاليين من دون أن تكون الحكومة المستقيلة قادرة على تعيين بدائل عنهم. وتداولت بعض الصحف هذا الخبر، وفي حين اكتفى بعضها بذكر أهم حيثيات الحكم وتفسيرها دون طرح إشكاليات بارزة حول دور القضاء وعجز الدولة[1]، علق البعض الآخر على هذه المسألة سياسيا، مسلطا الضوء على عجز الدولة بإدارة المحطة وإقامة التعيينات منذ سنين بسبب التجاذبات السياسية ومتسائلا إذا كان تلفزيون لبنان سيدخل مرحلة جديدة كفيلة بإنقاذه أو إذا الخلل أعمق بكثير من تعيين مدير عام[2]. والواقع أن التدقيق في هذه القضية يظهر أهمية خاصة لها من ثلاث زوايا:  
الزاوية الأولى: اللجوء الى القضاء للتحرر من قاعدة التوافقية كاستراتيجية جديدة
فيما بنت الدولة دعواها على الفراغ الحكومي الحاصل حاليا، فإن التدقيق في وقائع الملف يظهر أن عجز الدولة مزمن بكل معنى الكلمة. فانتهاء ولاية المدير العام وأعضاء مجلس الإدارة حصل ليس بعد استقالة الحكومة، انما منذ أكثر من 10 سنوات من دون أن تعين الحكومات المتعاقبة أحدا محلهم طيلة هذه الفترة. وتاليا، تظهر هذه الدعوى بوضوح أن عجز الدولة ليس ظرفيا انما هو شبه بنيوي، وأنه مرتبط بطبيعة اتخاذ القرارات الحكومية في مجال التعيينات بشكل توافقي عملا بقاعدة المحاصصة. وهكذا، فان الاختلاف على شروط المحاصصة غالبا ما يؤدي الى تعطيل القرارات العامة، مع احتمال شل عدد من المؤسسات العامة. ومن هذا المنظار، يظهر لجوء الدولة ممثلة بأحد الوزراء الى القضاء على أنه استراتيجية جديدة للتحرر من قاعدة التوافقية. وبذلك، لجأ الوزير الى القاضي طالبا منه التعاون معه لإنقاذ المؤسسة من الشلل وضمنا لتجاوز الحواجز السياسية للتعيينات من خلال تعيين شخص من ضمن اللائحة التي وضعها.
الزاوية الثانية: القضاء يستجيب، مع وضع ضوابط
هنا تظهر السمة الثانية للقضية والتي تمثلت في كيفية تجاوب القاضي مع الدور المطلوب منه في اتخاذ قرار يعود للحكومة مبدئيا اتخاذه. وبالإمكان القول بأن القاضي اتخذ في هذا المجال مواقف ثلاثة:
الأول، وهو موقف تقني مفاده التأكيد على صلاحية القاضي في التدخل لتجاوز العقبات القانونية التي تحول دون تعيين أعضاء جدد محل أعضاء مجلس الإدارة المنتهية ولايتهم، عملا بإجماع الآراء الفقهية والاجتهادية. وفي هذا الاطار، نقرأ حيثية القاضي التي أشارت صرحة على أن الأسباب التي تحدوه الى اتخاذ قراره هي من "الأسباب النموذجية التي تحتم عادة تدخل القضاء لتعيين مدير موقت"، وذلك بعدما سجل انتهاء مدة ولاية أعضاء المجلس ورئيسه، وأن عضوين فقط منهم مستمران فعليا في أعمالهما، كما أن رئيس مجلس الادارة المدير العام أضحى بوضع صحي يعرقل قدرته على القيام بعمله، مما يشكل حائلا أساسيا دون متابعة أجهزة الشركة أعمالها بصورة طبيعية ويعرض "القرارات الصادرة عنها لإمكان الطعن بها مستقبلا مع توافر احتمال جدي لقبول الطعن، يلقي ظلالا من الشك حول قانونية الاعمال التي تقوم بها الشركة، ويعرقل سير العمل فيها بصورة جدية". وبذلك، أظهر قاضي الأمور المستعجلة أنه قادر على اللجوء الى القواعد الكلاسيكية لحل مسائل عالقة في كواليس الحكومات المتعاقبة منذ 10 سنين في غضون أيام قليلة، بعيدا عن التجاذبات السياسية ومبدأ التوافقية.
الثاني، وهو موقف يعبر عن حذر معين في ممارسة صلاحيته في الحلول محل السلطة التنفيذية في تعيين مجلس إدارة التلفزيون، بحيث عمد القاضي الى التأكيد على أخذ ارادتها بعين الاعتبار. فالمسألة المطروحة على المحكمة وفق ما جاء في القرار نفسه "فريدة من نوعها في الاجتهاد اللبناني"، مما يجعل القاضي مقيدا ببعض الضوابط. فهي فريدة "من جهة أولى لكونها تتعلق بشركة تتضمن مساهما وحيدا، ومن جهة ثانية لكون المساهم الوحيد يطلب تعيين مدير موقت على شركة لعدم قدرته الحالية على تعيين ادارة وفقا للأصول، في حين أن تعيين المدير الموقت يتم عادة عند تعدد الشركاء ووقوع خلافات حادة بينهم تحول دون تسيير أعمال الشركة، ومن جهة ثالثة لكون المساهم المدعي الذي يتعذر عليه تعيين ادارة للشركة هو الدولة اللبنانية بالنظر الى استقالة الحكومة". وبالتالي، القرار المطلوب لا يهدف، كما هي الحال في معظم الأوقات التي يتم تعيين مدير قضائي، إلى حل نزاعات قائمة بين عدة مساهمين في الشركة،بل إلى الحد من تداعيات عجز مساهم واحد وهو الدولة اللبنانية على تلفزيون لبنان وتأمين إدارة شؤون الشركة مؤقتا". وعليه، وبخلاف الحال في القضايا الأخرى حيث يختار القاضي مديرا مؤقتا ليكون بمثابة حكم بين المساهمين المختلفين، فانه في هذه الحالة (أي حالة الشلل الحاصل في شركة مملوكة من مساهم واحد) يتعين عليه أن يأخذ بعين الاعتبار إرادة هذا المساهم (الدولة) في تحديد هوية المدير المؤقت فهو يبقى صاحبة المصلحة الاولى والاخيرة في ادارة الشركة، ولا سيما أن "الشركة تدير مرفقا عاما ومن كون صاحب الصلاحية في التعيين أساسا هو مجلس الوزراء". وهذا ما قام به القاضي من خلال حصر خياره بالأسماء الواردة على اللائحة التي قدمها وزير الاعلام، بعدما افترض "أن الدولة اللبنانية التي تمثل امام المحكمة بصفة مدعية تمثل موقفا موحدا يهدف الى حماية المصلحة العامة ومصلحة الشركة التابعة لها".
أما الموقف الثالث الذي نستشفه من القرار، فهو يشكل الوجه الآخر للموقف الثاني. وقد بادر اليه القاضي من تلقاء نفسه، على نحو يظهر حيطته إزاء تعسف المسؤولين السياسيين في استعمال هذه الوسيلة لحسم خلافاتهم من خلال القضاء مع تحميله وزر تعيين أشخاص لأهداف مغايرة عن المصلحة العامة. وهذه الحيطة نقرأها عمليا بين سطور الحكم: فبعدما نوه القاضي كما سبق بيانه الى أن استناده الى لائحة وزارة الاعلام مبني على افتراض أنه يمثل موقفا موحدا يهدف الى حماية المصلحة العامة، بدا وكأنه عمد فورا الى التحسب إزاء إمكانية أن يكون هذا الافتراض خاطئا من خلال فرض عدد من الضوابط، على نحو يوازن بين وجوب مراعاة إرادة وزارة الاعلام (السلطة التنفيذية) عملا بمبدأ فصل السلطات ووجوب ممارسة الوظيفة القضائية على نحو يحول دون تعريض المصلحة العامة للخطر من خلال احاطة التدابير المطلوبة من السلطة التنفيذية بضمانات وضوابط ملاءمة. ومن أهم هذه الضوابط/الضمانات الآتية:
الضابط الأول: أن القرار نص صراحة على أن التزامه بلائحة الوزير ليس حتميا انما هو من باب وجوب أخذ ارادته لما يمثله بعين الاعتبار، وكأنه بذلك يحتفظ بحق مجافاة هذه الإرادة في حالات معينة، كأن يظهر في الملف مؤشرات واضحة على سوء استخدام السلطة والقضاء على حد سواء لفرض مصالح خاصة، أو كأن يظهر من اللائحة أنه ليس لأي من الأشخاص الواردة أسماؤهم عليها المواصفات أو المؤهلات الضرورية لأداء مهام المدير المؤقت للمؤسسة المعنية. وهذه الحيثية بالغة الأهمية طالما أنها تضع الوزراء أمام مسؤولياتهم في حسن اختيار الأشخاص المطلوب تعيينهم قضائيا تحت طائلة تعيين اشخاص من خارج اللوائح المقدمة منهم،   
الضابط الثاني وهو الأهم، فهو يتصل بتعيين خبير محاسبة من خارج اللائحة المقدمة من الدولة (وهو يحظى مبدئيا بثقة القاضي)، يكون بمثابة الرقيب على المدير المؤقت داخل الشركة. وقد تجلى ابداع القرار في هذا المجال من خلال توزيع الصلاحيات بين الشخصين المعينين عملا بمبدأ مراعاة إرادة السلطة التنفيذية بعد احاطتها بضمانات وضوابط ملائمة. ففيما يكون للمدير المؤقت أن يمارس صلاحيات رئيس مجلس الإدارة، فان خبير محاسبة يمارس صلاحيات أعضاء مجلس الإدارة، الأمر الذي يجعل مشاركته في اتخاذ القرارات الادارية وفي وضع التقارير وتاليا في متابعة مجمل الأعمال الإدارية للشركة ملزمة. وفيما أبقى القرار صوت المدير المؤقت مرجحا مراعاة لإرادة السلطة التنفيذية، فانه بالمقابل وضع وجوب إيداع قلم المحكمة محاضر مجالس الإدارة الواجب تنظيمها كلما اختلفا على قرار ما في اجتماعات مجلس الإدارة، مما يؤشر الى حرص القاضي على متابعة المداولات على نحو يسمح له بالتدخل منعا لنشوء ممارسات مجافية للمصلحة العامة أو مخالفة للقانون ولنظام الشركة، 
الضابط الثالث: وقد تمثل في إلزام الشخصين المعينين بوضع تقارير دورية وغير دورية ضمانا للشفافية في إدارة الشركة. ومن هذا المنطلق، فرض القرار عليهما أن يجريا جردة كاملة لموجودات الشركة ويطلعا على دفاترها ومحاسبتها وحساباتها المصرفية وينظما تقريرا دقيقا فور تسلمها. كما كلفهما بتنظيم تقرير شهري مشترك بعمل الشركة وإيداعه في قلم المحكمة على أن تضم إليه المحاضر المشار اليها في الفقرة السابقة،  
الضابط الرابع: حفظ حق القاضي بالتدخل وتعديل قراره عند الاقتضاء على ضوء التقارير المرفوعة اليه،
الضابط الخامس: حصر صلاحيات المدير الموقت بالأعمال الضرورية لتسيير عمل الشركة الى حين خروجها من الازمة، على أساس أن القرار تدبير مؤقت "لتأمين استمرارية الشركة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها، ما يحول بالتالي دون تمكين المدير الموقت من اتخاذ القرارات التي ترتب التزامات طويلة الأمد او التزامات مهمة على الشركة ودون تمكينه من اتخاذ القرارات التي من شأنها تعديل السياسة العامة للشركة والتي يعود للإدارة المعينة من قبل المساهمين تحديدها".
وبذلك يكون القاضي قد تجاوب مع طلب وزارة الاعلام بعدما أرسى ضوابط لها قيمة السابقة للتأكد من حسن سير العملية لمصلحة شركة تلفزيون لبنان للحؤول دون إجراء تعيينات مشبوهة أو تحقيق مكاسب سياسية بغطاء قضائي.
أبعد من تلفزيون لبنان، أي دور للقضاء في ظل تعطيل الدولة؟
كما ذكرنا سابقا، اللجوء إلى القضاء للتحرر من عجز المحكمة في اتخاذ قرارات بفعل ممارسات المحاصصة في التعيينات وسيلة جديدة استخدمت للمرة الأولى من قبل وزير الإعلام لفرض تعيين مدير مؤقت على شركة تلفزيون لبنان في ظل الفراغ الحكومي الحاصل حاليا.
لكن أبعد من مسألة تلفزيون لبنان، لا بد من ابداء الملاحظات الآتية:
-أن هذه القضية وضعت كما سبق بيانه حدودا لنظام التوافقية وما نتج عنها من ممارسات محاصصة، وعلى نحو عكس بوضوح دورا جديدا للقضاء من شأنه أن يخفف من هيمنة الطبقة الحاكمة على الحياة العامة؛ وبالطبع، من شأن الضمانات التي فرضها القاضي في قراره والتي لها مفعول السابقة، أن تعزز هذا الدور بحيث يجعل القاضي رقيبا على السلطة الحاكمة وليس أداة لها، مما يعزز بالطبع حظوظ هذه التجربة بالنجاح. وبالطبع، تبرز أهمية هذا القرار بالمقارنة مع موقف قضاة المجلس الدستوري الذين تحولوا من خلال سابقة تعطيل النصاب الى امتداد للنظام التوافقي. وبالطبع، يكون الأمر مختلفا فيما لو اكتفى القاضي بتعيين مدير من ضمن لائحة الدولة من دون زيادة، بحيث أنه كان في هذه الحالة يفتح المجال واسعا أمام إجراء تعيينات مشبوهة وإحراز مكاسب سياسية بغطاء قضائي على نحو قد يؤدي الى زج القضاء في قلب الصراعات السياسية ويجرد دوره من المشروعية قبلما يباشره حتى.
-أن هذه القضية تطرح أيضا أسئلة حول المدى الذي يمكن أن تصل اليه هذه الآلية. فهل يقتصر اللجوء اليها في حالات الفراغ الحكومي أم أن من الممكن استخدامها كلما وصلت الخلافات السياسية الى حد العجز في اتخاذ القرار؟ وأهم من ذلك، هل يمكن للمواطنين تحريكها للمحافظة على مؤسسات عامة مهملة كأن يتقدم مواطنون بطلب تعيين مدراء مؤقتين محل أشخاص انتهت ولاياتهم ولم يعين بدائل عنهم بسب عجز الدولة، بحيث يتعزز دور المواطن تبعا لتعزيز دور القاضي في إدارة الشأن العام؟ سؤال قد يكون من المبكر الإجابة عليه.   


[1]و إن هذا ما برز في المقالالذي نشر في جريدة النهار
[2]و إن هذا ما برز في المقالالذي نشر في جريدة السفير و في المقالالذي نشر في جريدة الأخبار