نشأ أمس لاعب جديد في الساحة الحقوقية هو اتحاد القضاة العرب. الخطوة كانت أعلنت عنها المفكرة في مقال سابق. يسر المفكرة أن تنشر هنا تعليقا لرئيس نادي قضاة المغرب (أحد مؤسسي الاتحاد) القاضي عبد اللطيف الشنتوف بشأن رؤاه وتوقعاته حول مستقبل الاتحاد وسبل إنجاحه. المفكرة تأمل طبعا للاتحاد كل النجاح، كما تأمل أن يتسنى لها مشاركته في العديد من القضايا الحقوقية والقضائية. ولا تنسى المفكرة أخيرا أن تحيي مشاركة نادي قضاة لبنان في هذا الاتحاد، وذلك بعد أيام قليلة من استكمال اجراءاته التأسيسية (المحرر).

 

بتاريخ 22-09-2018 بالعاصمة تونس، عقد اجتماع تأسيسي "لاتحاد القضاة العرب"، حضره عدد من الهياكل (جمعيات ونقابات وأندية..) القضائية العربية وصل عددها إلى 12 هيكلا قضائيا، ينتمون لتونس ولبنان وموريطانيا والمغرب وفلسطين وليبيا واليمن. إلى جانب هؤلاء، حضر قاض من سلطنة عمان باعتبارها لا تتوفر على جمعية خاصة بالقضاة كما هي حال العديد من الدول العربية ولاسيما دول الخليج العربي. بالمقابل، سجّل غياب ثلاث دول عربية هما الجزائر ومصر والعراق مع أنها تتوفر على هياكل قضائية يتمثل القضاة فيها. ولا بد هنا من تنويه خاص بحضور نادي قضاة لبنان بعد ثلاثة أيام من استكمال اجراءات تأسيسه وانتخاب هيئته الإدارية الأولى. ومجرد حضور هذا النادي إنما يؤشر إلى رغبة مقدرة جدا في توطيد العمل الجمعوي القضائي بهذا البلد الذي له خصوصيته المتعددة.

وقد أسفر الاجتماع الذي دام 13 ساعة عن المصادقة على النظام الأساسي للاتحاد وانتخاب هياكله الإدارية المسيرة التي جاءت كما يلي:

أحمد الأشقر رئيسا للاتحاد (فلسطين) وعبداللطيف الشنتوف نائب أول للرئيس (المغرب) وإبراهيم بوصلاح نائبا ثانيا (تونس ) وأميرة العمري الأمينة العامة للاتحاد (تونس) ونائبتها روضة العريقي (اليمن) وحمزة الأخضر رئيسا للجمعية العمومية للاتحاد (ليبيا) ونائب رئيس الجمعية العمومية فيصل مكي (لبنان) وجمال الفهيدي رئيس الهيئة الاستشارية (اليمن) ونائبته فاطمة قرط (تونس) ومحاسن قدور مسؤولة مالية الاتحاد (تونس) ورياض الحامدي الأمين العام المساعد لشؤون العضوية والانخراط (ليبيا) وأماني سلامة الأمينة العامة المساعدة لإدارة المشاريع والعلاقات الخارجية (لبنان) والشيخ خليل بومينة الأمين العام المساعد للدراسات والنشر (موريطانيا) وأسامة الكيلاني الأمين العام المساعد للتكوين والتدريب (فلسطين) وناصر جرار الأمين العام المساعد للإعلام (فلسطين).

وبعد هذا اللقاء التأسيسي الذي جاء في ظرفية عربية خاصة، ما المأمول من هذا الاتحاد؟. ثم ما هي الإكراهات التي من المتوقع أن تواجه الاتحاد في عمله؟

 

أولا: المأمول من الاتحاد االعربي للقضاة:

ما المأمول من الاتحاد العربي للقضاة لكي يكون إضافة نوعية للاتحادات العربية الموجودة في مجالات أخرى منها ما هو وسياسي ومنها ما هو حقوقي مثل المحامين والصحافين والحقوقيين الخ، حيث تزخر الساحة العربية باتحادات جلها مشلول أو يناقش مواضيع لا تهم الفئات أو القطاعات التي يمثلها؟

إن الاتحاد إذا أراد أن يكون له موقع وسط الساحة القضائية العربية يتعين عليه في نظري القيام بما يأتي:

  • أن يبني سياسته على قضايا تلامس هموم القضاة العرب والإنسان في الوطن العربي، ومن هذه القضايا على سبيل المثال ما يلي:
    • الاشتغال على قضايا كونية كبرى في علاقتها بحقوق القضاة واستقلال القضاء، والتي تؤول في النهاية لصالح المتقاضي وليس لصالح القاضي كفرد فقط، مثل قضايا استقلال القضاء والدفاع عن حرية التعبير وانشاء التجمعات القضائية في الدول التي لم تؤسس فيها وتطوير التجربة في البلدان الموجودة بها الجمعيات مع العمل على خطة لضم الهياكل غير المؤسسة للاتحاد أو التي لها مواقف معينة، وهذا يأتي من خلال مواكبة القوانين المتعلقة بالعدالة والقضاة وقضايا الحريات العامة في البلدان الأعضاء بشكل واضح وما يرتبط بهما من مدونات السلوك وغيرها.
    • الابتعاد بشكل واضح عن الفئوية لقضائية لأنها تشكل خطرا وخيما على القضاة أنفسهم. 
  • رفع الوعي في صفوف القضاة وفق خطط هادفة ومدروسة من طرف الاتحاد، لأنه تبين من خلال بعض التجارب أن المشكل الأخطر الذي يواجه الجسم القضائي، كما غيره من المجالات في البلدان العربية، هو مشكلة الوعي بالمحيط وانعزال القضاة عن قضايا المجتمع. فبذلك، أضحى القضاة  وكأنهم يخلقون عن وعي أو لا وعي حواجز وحدودا تجعلهم في عزلة تامة عمن يمكن أن يدافع عنهم، كل ذلك تحت تسميات ومبررات غير سليمة من انتاج بيئتنا العربية غير السليمة على أكثر من مستوى.
  • مواكبة عمل المجالس العليا في دول الاتحاد ورصد أشغالها بشكل دوري ومدى احترامها للقوانين الناظمة لها ومعايير الشفافية وتكافؤ الفرص عند بتها في الوضعيات الفردية للقضاة، مع التجرد في هذه المواكبة وفي عمل الاتحاد بشكل عام من أي خلفية شخصية أو غير ذلك في التعاطي مع قضايا الدول المشكلة للاتحاد والحذر من أن تشكل هذه المواكبة تصفية حسابات معينة.
  • تشبيك علاقات الاتحاد مع الهيئات المهنية والحقوقية ذات المصداقية والاستفادة منها فيما له علاقة بأهداف الاتحاد.

 

ثانيا: الإكراهات التي ستواجه الاتحاد

طبعا لا حاجة لأن أقوم بسرد هذه العراقيل لأنها في الوطن العربي أضحت أكبر من أن تُعرف. ويكفينا أن ندلل على ذلك ببعض الأمثلة الآتية:

  • ظروف عربية استثنائية. فعلى الأقل هناك دولتان من دول الاتحاد تشهدان حربا أهلية حقيقية وهما اليمن وليبيا ودولة محتلة منذ أكثر من سبعين عاما (فلسطين). فيما الدول الأخرى متفاوتة فيما بينها من حيث الإصلاحات القضائية والمناخ الديمقراطي، وهو ما سيشكل عقبة بكل تأكيد في الاتفاق على مواقف الاتحاد.
  • غياب تمثيلية ثلاث دول كبرى من حجم مصر والجزائر والعراق، مع الأخذ بعين الاعتبار المناخ العام لهذه الدول، فضلا عن الدول التي لا توجد بها هياكل قضائية وهي عامة دول الخليج وبعض الدول العربية وفي مقدمتها سورية التي تعاني مما تعانيه منذ سنوات.
  • نتوقع أن تكون مقاومة من داخل الهياكل القضائية المحافظة للدول العربية المعنية بالاتحاد (وأتمنى أن يكون توقعي غير صحيح)، لأن الاتحاد على كل حال لا يمثل جميع الهياكل القضائية العربية. ،مع العلم أن هذا ليس مشكلا في حد ذاته: فأن يتشكل من فئات معينة من القضاة والهياكل تكون قادرة على السير بسرعة لتحقيق الأهداف وبما تيسر من الهياكل، خير من السعي لجمع الجميع وفقدان القدرة على المسير في النهاية (على فرض تيسر هذا الجمع الكلي طبعا) لاختلاف الوجهات بين الجمعيات القضائية داخل البلد الواحد.
  • وأخيرا هناك إكراه هام جدا سيواجه الاتحاد وهو مشكلة تمويله. فأعضاء الاتحاد متباعدون فيما بينهم وهم بحاجة إلى تنقلات وأنشطة للاتحاد. وفي علمي، أن الهياكل القضائية لا تتوفر على ميزانيات من الدولة وعلى هذه حالة المغرب، وبالتالي ينبغي حل هذا الاشكال أيضا.

ولا ننسى أخيرا أن الاتحاد يجب عليه هو الآخر أن يعطي القدوة في تسيير شؤونه للآخرين من خلال تدبير إداري ومالي جيد وشفاف ومحتكم لآليات التسيير الديمقراطي.