اليوم، صدر بيان عن عدد من الحقوقيين (جلّهم غير سوريين) البارزين في مجال القانون الدولي. مناسبة البيان هي سعي الاتحاد الروسي إلى تأمين مشاركة دولية في إعادة إعمار سورية، على اعتبار أن العملية الحربية قد انحسرت وأن الإعمار شرط ضروري لعودة النازحين واللاجئين. في هذا السياق، جاء بيان الحقوقيين ليحذّر من خطورة أن يتمّ الإعمار على نحو يغطّي انتهاكات الأمس لحقوق الإنسان أو يسهّل الانتهاكات المستمرّة أو الجديدة. ومن هذه الوجهة، بدا البيان بمثابة تحذير للدول الأوروبية والمنظمات الدولية من مغبة المشاركة مباشرة أو غير مباشرة (من خلال شركات ومنظمات) في عملية الإعمار من دون التحقق مسبقا من ضمان احترام المبادئ المذكورة فيه.

وقد حذّر البيان بشكل خاصّ من مشاريع الإعمار التي تؤدي إلى طمر القضايا الحقوقية أو إلى وضع اليد على ممتلكات النازحين أو اللاجئين (كما تؤشر إليه بعض مواد القانون 10) أو أكثر من ذلك إلى ما يشبه تكريسا للفصل أو التطهير العرقي أو الديني أو المذهبي. وفيما أفرد البيان للضحايا وفي مقدمتهم المفقودين والمخفيين قسرا وذويهم ولحقهم بالتعويض مساحة كبيرة، فإنه تمسك من جهة أخرى بضرورة ملاحقة جرائم الحرب والانتهاكات للقوانين الدولية. واللافت أيضا أن البيان ذكّر بشروط العودة الطوعية للاجئين والنازحين والتي يجب أن تتم بشكل آمن ومستدام، بعد إعطاء هؤلاء معلومات واضحة والتشاور معهم وموافقتهم. وفيما خلت المبادئ العشرة من الحديث عن انتخابات حرة أو إرساء أسس الديمقراطية (وهي أهداف ذكرت في خلفية البيان فقط وفي سياق التذكير بقرارات مجلس الأمن الخاصة بسوريا)، فإن المبادئ شملت وجوب اعتماد سياسات وممارسات لمكافحة الفساد، وإجراء إصلاحات في القطاعين الأمني والقضائي.

بمعزل عن الصدى الذي سيأخذه هذا البيان في ظلّ الأولويات والحسابات التي تتحكّم باللعبة الدولية والإقليمية، أو أيضا بمدى نزاهة مجلس الأمن وقدرته الفعلية على فرض تطبيق مواثيق الأمم المتحدة ومبادئها المعلنة في النزاعات الدائرة على مدار العالم وبخاصة في سورية، فإنه يشكل تذكيرا بليغا بأسئلة تبقى حتى اللحظة جدّ خافتة في النقاش العام. هذه هي الأسئلة التي نرغب المساهمة بطرحها على النقاش العام، أملا بسورية حرة وعادلة وديمقراطية (المحرر).

 

ولقراءة ترجمة خاصة بالمفكرة عن البيان:

(ترجمة: لمياء الساحلي)

 

 بيان لحقوقيين حول الالتزامات القانونية المتصلة بدعم إعادة الإعمار في سوريا

 

لعناية السيد غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي موغريني، رئيس البنك الدولي يونغ كيم ووزراء خارجية الدول المانحة،

نحن بصفتنا خبراء قانونيين دوليين نحظى بالاحترام،

نوجّه هذا البيان لنشدد على الحاجة إلى ضمان أن تمتثل جهود إعادة الإعمار في سوريا بالالتزامات القائمة بموجب القانون الدولي. فمن دون الالتزام بهذه المعايير، يمكن للمساعدة في عملية إعادة الإعمار أن تغطي انتهاكات سابقة أو تسهل انتهاكات جديدة أو مستمرة للقانون الدولي، وأن تولّد تاليا تواطؤا دوليا أو مسؤولية دولية مشتركة في الخرق. وسيترتّب على المشاركين في تقديم المساعدة لعملية إعادة الإعمار بدون الالتزام بهذه الشروط، التزام قانوني بتوفير سبل انتصاف وجبر للمتضررين.

يحدد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 إضافة إلى القرار رقم 1325، مساراً للسلام وشروطاً لمشاركة سوريا والمجتمع الدولي في مساعي إعادة الإعمار. ومن بين المعايير الواردة في القرار 2254 إصلاحات دستورية وعملية انتقال سياسي وانتخابات حرة ونزيهة و"تدابير بناء ثقة" أخرى من شأنها أن تساهم في تحقيق سلام دائم وعملية سياسية مستدامة.  

تتضمن إجراءات بناء الثقة الضرورية في سوريا إصلاحات قانونية وسياسية ومؤسسية وتوثيق الجرائم السابقة وإرساء شروط آمنة ومستدامة للعودة الطوعية للاجئين والنازحين داخلياً وإعادة الأملاك المصادرة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي.

ليست إجراءات بناء الثقة ضرورية للسلام فحسب، بل هي أيضاً التزامات قانونية دولية.

ورغم أنّها تقع دائماً على عاتق سوريا، فإن الالتزامات الأكثر صلة بعملية إعادة الإعمار ـ التي اختصرناها بعشرة مبادئ ـ تنطوي على آثار بالنسبة للجهات الفاعلة الأخرى المشاركة في عملية إعادة الإعمار وغالباً ما تشملها. وتم تطوير الالتزامات التي تقوم عليها هذه المبادئ خلال فترات النزاع الشديد واستجابة لها. وهي لا تمثل قيوداً، بل دروساً مستقاة عن الشروط المسبقة الضرورية والمعايير القانونية لإرساء سلام وأمن حقيقيين وطويلي الأجل. وهي التزامات بالحد الأدنى وغير شاملة. ويجب على المساعدة التي تقدّم لعملية إعادة الإعمار في سوريا أن تمتثل وتكون مشروطة بهذه المبادئ العشرة.

 

عشرة مبادئ لإعادة الإعمار في سوريا تعكس موجبات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي

  1. يجب ألا تقوّض المساعدة المالية أو العملية والشروط المرتبطة أو المتّصلة بها، حماية حقوق الإنسان.
  2. يجب على المانحين والمموّلين والشركاء ضمان عدم تسهيل التطهير المذهبي أو العرقي أو الديني داخل سوريا أو ترسيخه.
  3. يجب إجراء تحقيق حول أماكن وجود المفقودين والمخفيين قسرا وتوثيقها والكشف عنها.
  4. يجب على الجهات المعنيّة اعتماد العناية الواجبة لضمان احترام حقوق الإنسان human rights due diligence  قبل كل مشروع جديد في إطار عملية إعادة الإعمار، لضمان ألاّ تكون شريكة في تغطية انتهاكات سابقة أو في انتهاكات مستمرة أو جديدة للقانون الدولي.   
  5. يجب تبنّي سياسات وممارسات وقائية وتطبيقها لمكافحة الفساد.
  6. من المطلوب إجراء إصلاحات في القطاعين الأمني والقضائي.
  7. يمكن تسهيل العودة الطوعية وعودة اللاجئين والنازحين داخلياً شريطة أن يتم ذلك بشكل آمن ومستدام، مترافقاً مع معلومات واضحة، بعد التشاور مع النازحين وبموافقتهم.
  8. يجب التحقيق بمصداقية وفعالية في انتهاكات القانون الجنائي الدولي والانتهاكات الجنائية لقانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي ومحاكمة المسؤولين عنها ومعاقبتهم على نحو مناسب.
  9. يجب أن يكون لدى الضحايا إمكانية الوصول إلى سبل انتصاف سريعة ومناسبة وفعّالة ومستقلة قادرة على منحهم تعويضات مناسبة وكاملة. 
  10.  يجب، طيلة عملية إعادة الإعمار، إيلاء اهتماما خاصا بالضرر الحاصل على أساس جندري.

 

عواقب الخرق

ترتبط معظم هذه المبادئ بانتهاكات مستمرة لأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي. لذلك فإنّ المساعدة المالية أو العملية التي تغطّي انتهاكات سابقة أو تسهل انتهاكات مستمرة أو جديدة لهذه الأحكام أو لأي منها يمكن أن تندرج ضمن التعريف القانوني للاشتراك في هذه الانتهاكات.

تتحمّل الدول أو المنظمات الدولية التي تدعم الانتهاكات السابقة أو المستمرة أو الجديدة، مسؤولية دولية لتقديم سبل انتصاف وجبر للمتضررين.

يجب محاسبة الأفراد والمؤسسات التجارية التي تخفق في الالتزام بهذه المعايير سواء عبر دعاوى مدنية أو محاكمة جنائية.

 

شروحات إضافية ودعم

سوف نتوسّع في تفسير هذه المبادئ في "شرح المبادئ" المرفق ونحن على استعداد وكلّنا رغبة في دعم الجهود لإنفاذها. 

 

شرح المبادئ

تمثل هذه المبادئ التزامات دولية قائمة

تمثل هذه المبادئ الالتزامات الدنيا وغير الشاملة المرتبطة بإعادة الإعمار والمساعدة المقدمة لها. يجب أن تكون المشاركة في إعادة الإعمار مشروطة على الأقل بتحقيق المبادئ العشرة جميعها.

يجب احترام قرارات مجلس الأمن الدولي

يدعو مسار السلام الذي ينصّ عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، إلى عملية سياسية تكون موازية لوقف النار. وتهدف هذه العملية إلى ضمان قيام "حكم ذي مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية" من شأنه أن يضمن تحقيق حلّ سلمي ودائم للنزاع. ويعتبر هذا الحل الدائم شرطاً مسبقاً ضرورياً لضمان الحقوق والالتزامات الأخرى.

ومن دون إصلاح مؤسّسي وإيجاد أطر حكم ذات طابع تشاركي، من غير المرجّح أن تتمكّن سوريا من تلبية التزاماتها الأخرى المفصّلة هنا. ويحدد القرار رقم 2254 المعايير التي يجب أن تشكّل شروط تقديم المساعدة لعملية إعادة الإعمار من بينها عميلة انتقال سياسي (الفقرة التنفيذية الثانية) وإصلاحات دستورية وانتخابات حرة ونزيهة (الفقرة الرابعة) وغيرها من "التدابير لبناء الثقة من أجل المساهمة في فرص القيام بعملية سياسية وتحقيق وقف دائم لإطلاق النار" (الفقرة العاشرة). بالإضافة إلى ذلك يجب على الدول أن تتذكّر بأنّه بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1325 يجب التشاور مع النساء وإشراكهن في أية عملية لإعادة الإعمار ويجب إيلاء اهتمام خاص للأذى القائم على أساس الجنس. 

تضاف هذه الشروط التي تتضمنها قرارات مجلس الأمن إلى الالتزامات المفصّلة هنا ولا تحلّ محلّها.

ورغم أنّها تقع دائماً على عاتق سوريا، فإن الالتزامات الأكثر صلة بعملية إعادة الإعمار ـ التي اختصرناها بعشرة مبادئ ـ تنطوي على آثار بالنسبة للجهات الفاعلة الأخرى المشاركة في عملية إعادة الإعمار وغالباً ما تشملها.

تنطبق جميع الالتزامات التي نفصّلها هنا على سوريا. ومعظمها تتطلّب من الدول المانحة والمنظمات الدولية والمتعددة الأطراف والمؤسسات التجارية الامتناع عن دعم أية مساعدة لإعادة الإعمار تنتهك هذه الالتزامات. ويجب الامتناع عن تقديم المساعدة حيث يمكن أن تشكّل تغطية لانتهاكات سابقة أو اشتراكا في انتهاكات مستمرة أو جديدة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي. وعلى غرار ذلك أيضاً، فإن بعض الالتزامات هنا تقع على عاتق جميع الدول في جميع الأوقات. وفي سياق هذا "الشرح"، سوف نحدد الحالات التي  يكون ثمة التزامات ملقاة على عاتق جهات فاعلة معيّنة ولكن أيضاً الحالات التي يجب أن نتفادى فيها أيّة جهود لإعادة الإعمار أو أية مساعدة تقدّم لهذه العملية تنتهك هذه المبادئ.

تسنّ الدول القانون الدولي، ولكنها عبر القيام بذلك تضع التزامات تجاه أشخاص آخرين خاضعين لهذا القانون. وصحيح أنّ لدى المنظمات الدولية شخصية قانونية متميّزة عن دولها الأعضاء، إلاّ أنّ المنظمات ملتزمة بمعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. ولا يمكن للدول أن تقوم بشكل جماعي بما هو ممنوع عليها القيام به بشكل منفصل.

تهدف أية منظمة دولية إلى تطوير وتعزيز وتحقيق أهداف جماعية معيّنة، فيما تؤسس الدول هذه المنظمات كي تحقق سوياً ما لا تستطيع كل دولة منها تحقيقه بمفردها. وبالتالي، يجب على المنظمات الدولية التقيّد بالالتزامات نفسها المترتّبة على دولها الأعضاء. وبموجب القانون الدولي، ينتظر من المؤسسات التجارية أيضاً احترام حقوق الإنسان وبالتالي تلبية المبادئ المفصّلة هنا. 

يطرح الدور الذي تلعبه المؤسسات التجارية في جهود إعادة الإعمار التزامات ومسؤوليات معيّنة على الدول الأعضاء. فعلى دول الموطن الأصلي أن تضمن ألاّ ينتهك رعاياها بما في ذلك المؤسسات التجارية، القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي أثناء عملهم في سوريا. ويجب المحاسبة عن الانتهاكات الجنائية للقانون الدولي على يد مواطنين ـ بما يشمل ممثلي الشركات والشركات، حيث يسمح القانون المحلي. ويجب معالجة جميع هذه الانتهاكات بسبل الانتصاف المناسبة. ونظراً إلى طبيعة سوريا المتأثرة بالنزاع، تعترف "مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان" بأنّ على دول الموطن الأصلي تأمين الإرشاد لرعاياها في المؤسسات التجارية لضمان فهمهم لمسؤولياتهم والمخاطر الناشئة عن القيام بأعمال تجارية في سوريا. ويجب أن يشمل ذلك التدريب وجهود التواصل الأخرى الهادفة لضمان اعتماد المؤسسات التجارية االعناية الواجبة لضمان احترام حقوق الإنسان. كما يجب إرساء آليات تظلّم فعالة على المستوى التنفيذي تعمل وفقاً للمبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان أو المشاركة في آليات التظلم المتوفرة. يجب على الدول أن تسنّ تشريعات جديدة تشترط اعتماد العناية الواجبة لضمان حقوق الإنسان في سوريا وغيرها من المناطق المتأثرة بالنزاع وتفرض على المؤسسات التجارية الإبلاغ عن عملياتها وإجراءاتها وتضع آليات انتصاف يمكن الوصول إليها للمتأثرين بأنشطة المؤسسات التجارية في سوريا. وفي هذا الصدد، نأمل في لفت الانتباه لجهود فرنسا (التي نشيد بها) لمحاسبة رعاياها من الشركات من جراء المشاركة في جرائم دولية في سوريا. وهذا إن دلّ على شيء فعلى نوع القيادة والالتزام المتوقع من جميع الدول.

 

المبادئ:

يجب ألا تقوّض المساعدة المالية أو العملية والشروط المرتبطة أو المتّصلة بها، حماية حقوق الإنسان.

ينص المبدأ الأساسي للقانون الدولي لحقوق الإنسان على ضرورة احترام الدول لحقوق الإنسان وحمايتها وتحقيقها. وفي حين أنّ الالتزام بحماية وتحقيق حقوق الإنسان غالباً (ولكن ليس دائماً) ما تكون التزامات ببذل جهود، يكون الالتزام باحترام حقوق الإنسان نتيجة. لذلك فإن إخفاق الدولة في احترام أحد حقوق الإنسان يترتّب عليه مسؤولية دولية.

كما أن الالتزام باحترام حقوق الإنسان يقع على عاتق المنظمات والمؤسسات التجارية الدولية والمتعددة الأطراف. وقد يترتّب على هذه الأخيرة مسؤولية دولية تنشأ عن دعمها لأنشطة أخفقت في احترام حقوق الإنسان. ويجب محاسبة المؤسسات التجارية التي تخفق في احترام حقوق الإنسان عبر عمليات مدنية أو جنائية في سوريا و/أو في دولها الأصلية.

أما الكيانات التي تقدّم الدعم المالي والعملي فيجب أن يكون دعمها مشروطاً بالتزامات محددة بتنفيذ معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان ذات الصلة وعليها أن تسحب دعمها إذا علمت خلال عملياتها أو كان لديها سبب للاعتقاد بأن جهودها تؤثر سلباً أو تقوّض تطبيق حقوق الإنسان. يجب أن تتضمن الاتفاقات الاقتصادية والتشريعات الجديدة التي تُمنح القروض بموجب شروطها ـ والتي غالباً ما تشمل إصلاحات تجارية واستثمارية واتفاقات تجارة ثنائية واتفاقات استثمار ـ بنوداً تحمي وتشترط احترام حقوق الإنسان من قبل جميع الجهات الفاعلة الاقتصادية.

 

2ـ يجب على المانحين والمموّلين والشركاء ضمان عدم تسهيل التطهير المذهبي أو العرقي أو الديني داخل سوريا أو ترسيخه.

يجب أن يعي المشاركون في دعم عملية إعادة الإعمار التأثير الذي يمكن أن تتركه على حقوق السكن والمعايير المناسبة للعيش. فلدى سوريا التزام دولي بضمان حق الوصول إلى سكن مناسب ولائق وإلى الحق في الملكية من دون تمييز. ويرتبط تأمين هذا الحق بشكل وثيق بتحقيق ظروف معيشة ملائمة أخرى تلتزم سوريا باحترمها وتحقيقها من دون أي تمييز، بما يشمل الوصول إلى مياه نظيفة وميسورة التكلفة وكافية وإلى الرعاية الصحية والتعليم. وهذه الالتزامات موجودة بغض النظر عن سبب النزوح ولدى سوريا مسؤولية ضمان أن يكون جميع الأفراد النازحين قادرين على الوصول إلى سكن مناسب وميسور التكلفة من دون أي تمييز وبغض النظر عن أية حقوق ملكية أو حيازة قانونية سابقة. فمن خلال تلبية هذه الالتزامات التي ينصّ عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان فقط يمكن لسوريا أن تأمل في إعادة تأسيس أي شيء يشبه المجتمع التعددي والمتسامح والآمن الذي كانت تتمتّع به يوماً ما.

غالباً ما يكون النزوح المتواصل نتيجة انتهاكات مستمرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي. وفي الحالات التي يُنتج فيها النزوح القسري نقلاً أو مصادرة للملكية مبنيين على التمييز أو التعسّف، يجب إبطال النقل أو المصادرة كأول وأبسط سبيل للتعويض. وأي جهد لإعادة الإعمار يستغل عمليات النقل والمصادرة هذه أو يتركها كما هي، يمكنه أن يرسّخ ويرسي ويضفي طابعاً مؤسسياً على الانتهاكات الجنائية المستمرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، في الحالات التي تترافق فيها عمليات النزوح الجماعية مع نقل أو مصادرة للأراضي على أساس تمييزي وتعسّفي، ثمة خطر من أن تفاقم الجهود الجديدة لإعادة الإعمار الانقسامات المذهبية أو العرقية أو الدينية وأن تشكّل جريمة جديدة ضد الإنسانية.

نشعر أنّه من الضروري لفت النظر إلى القانون رقم 10 الذي صدر في سوريا عام 2018 والذي يمكنه أن يحوّل عملية إعادة الإعمار إلى شكل من التطهير العرقي. فيبدو أن القانون يرسّخ انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي ويلحق ضرراً غير متناسب بمن هم أصلاً في وضع هش بسبب النزاع. وبنود هذا القانون التي تثير القلق هي:

  1. اشتراطه على أصحاب العقارات تقديم وثائق تثبت ملكيتهم للعقارات إلى السلطات المحلية في غضون 30 يوماً في المناطق المهيئة للتطوير ("المناطق التنظيمية")،
  2. غياب التعويض لأصحاب العقارات المتضررة،
  3. غياب الإجراءات القانونية الواجبة للمتضررين من القانون.

 

نظراً إلى العدد الهائل من النازحين والطبيعة المذهبية للعنف والتدمير المعروف اللاحق بسجلّات الملكية، تعتبر الشروط التي يتضمنها القانون غير واقعية ومن المرجح أن تنتهك الحق في السكن للأفراد وأسرهم الذين نزحوا أو فقدوا أو يسكنون في مناطق متأثرة بالنزاع. ومن شأن ذلك أن يترك أثراً إضافياً عبر تقويض الحق في العودة كسبيل لتعويض اللاجئين والنازحين داخلياً وغيرهم من طالبي اللجوء. ومن شأن غياب الإجراءات القانونية الواجبة المرتبطة بالقانون، أن تتيح المجال أمام إمكانية حصول نقل خاطئ للملكية على أساس تمييزي من دون أي سبيل للطعن في النقل. 

وتثير الطبيعة الواسعة النطاق للقانون والاستخدام المعروف على مرّ التاريخ لأحكام مشابهة، مخاوف شديدة من عدم توافق القانون رقم 10 مع ضمانات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. ونظراً إلى شدّة المخاوف، لدى الدول والمنظمات الدولية والمتعددة الأطراف والمؤسسات التجارية مسؤولية ضمان ألاّ تموّل أو تسهّل مشاريع إعادة إعمار تعتمد على تسجيل عقارات ناتجة عن القانون رقم 10 أو تستخدم القانون بطريقة تعزز التمييز على أساس العرق أو الدين أو الانتماء السياسي أو الجندر أو التطهير العرقي.

 

3ـ  يجب إجراء تحقيق حول أماكن وجود المفقودين والمخفيين قسرا وتوثيقها والكشف عنها.

يشكّل الإخفاء القسري انتهاكاً جنائياً مستمراً لحقوق الإنسان وتم الاعتراف به على أنه شكل من التعذيب لأسر المخفيين قسرا. ومن أجل وقف هذه الانتهاكات المستمرّة، من الضرورة إجراء عملية تحقيق حول أماكن وجود المفقودين والمخفيين قسرا وتوثيقها والكشف عنها. وتشير الظروف السياسية والاجتماعية الحالية إلى أنّه من الأفضل لهذه العملية أن تنفذها لجنة دولية بدلاً من الحكومة السورية. ويجب إبلاغ الأسر بأماكن وجود أحبائها أو (في إطار عملية مستمرة) بعملية تحديد مواقع أفرادها المفقودين. وحين يشير التحقيق إلى أن الشخص المفقود قد قتل، يجب إبلاغ عائلته بذلك بالطرق المناسبة ويجب إعادة رفاته إلى العائلة وفقاً لرغبتها.

ويشكّل اتّساع انتشار الإخفاءات القسرية في سوريا مشكلة خاصة لإعادة الإعمار ما بعد النزاع. وكما أشير أعلاه، تفرض الشروط التي ينصّ عليها القانون رقم 10 الصادر عام 2018، عبءاً غير محتمل على المخفيين قسرا وأسرهم. ويبدو أنّ الإخفاءات القسرية تستخدم لتجريد الأفراد من أملاكهم وبالتالي ضمان حصول تطهير عرقي وديني ومذهبي. ويثير الإخفاق في تحديد هويات المخفيين قسرا وتوثيقها والكشف عنها وعن مواقع تواجدهم الحالية شكوكاً حول شرعية الاستخدامات اللاحقة لهذه الممتلكات. ومن شأن استخدام ممتلكات في إعادة الإعمار على نحو يستغل الضرر الذي سببه الإخفاء القسري أو يضفي طابعاً مؤسسياً عليه أو يرسّخه، أن يشكّل انتهاكاً جديداً للقانون الدولي ويعقّد جهود التعويض الضرورية.

ونظراً إلى اتساع رقعة انتشار الإخفاءات والأذى الذي قد يلحق بأفراد العائلة نتيجة غياب أي إثبات رسمي للوفاة في مجالات قانونية مثل استعادة الملكية والإرث، على سوريا أن تتبنّى قانوناً يعالج وضعية المخفيين قسرا ويقر حقوقا لذويهم.  

 

  1. ـ يجب على الجهات المعنيّة اعتماد العناية الواجبة لضمان احترام حقوق الإنسان human rights due diligence  قبل كل مشروع جديد في إطار عملية إعادة الإعمار، لضمان ألاّ تكون شريكة في تغطية انتهاكات سابقة أو في انتهاكات مستمرة أو جديدة للقانون الدولي.  

كما أشير سابقاً في شرح المبدأين الأول والثالث، ثمة خطر كبير بأن يكون النزاع قد سهّل مصادرة ونقل الممتلكات في انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي. ويمكن لمشاريع إعادة الإعمار الجديدة التي قد ترسّخ هذه الانتهاكات المستمرة وتضيف طابعاً مؤسسياً عليها، أن تشكّل اشتراكا في الانتهاك. ولضمان أن تحترم الأطراف المعنية حقوق الإنسان بما يتوافق مع المبدأ رقم واحد، يجب على جميع هذه الأطراف أن تولي العناية الواجبة بهذه الحقوق. وينطبق هذا المعيار على أي طرف سواء كان رسمياً أو خاصاً يقدّم التمويل أو فرق العمل أو الدعم العملي بما في ذلك عبر سلسلة قيمة أو مؤسسات تجارية فرعية، لجهود إعادة الإعمار في سوريا. 

يجب أن تتضمن العناية الواجبة بحقوق الإنسان التشاور الفعال مع الأشخاص المتضررين وتقديم التعويض المناسب لمن تعرّضت حقوقهم للأذى بفعل المشروع وتوفير امكانات مناسبة للمتضررين للطعن في القرار. ويجب أن تكون تلك العملية متينة ومستمرة تهدف إلى تحديد التأثيرات على حقوق الإنسان وتخفيفها. ويجب أن تتضمن العناية الواجبة بحقوق الإنسان على الأقل:

ـ تطوير وكشف معايير تقييم مدى امتثال المشروع لحقوق الإنسان

ـ إرساء عملية مستقلة وشفافة وموثوقة يعرب من خلالها الأفراد عن مطالبهم ومخاوفهم ويسعون للحصول على تعويضات إذا ما تعرّضوا للضرر

ـ توثيق ومعاينة حقوق الملكية أو مطابات بشأنها

ـ جمع بيانات حول أضرار لاحقة بحقوق الإنسان مرتبطة بالممتلكات حتى الآن وأية بيانات ستنشأ نتيجة الاستخدام المقترح للمتلكات

ـ التشاور والتعاون مع الأفراد والشرائح المتضررة وغيرهم من أصحاب المصلحة حول الضرر المتوقع وأساليب تخفيفه.

وخلال العملية، يجب إيلاء اهتمام خاص للتأثيرات التي قد تلحق بالنساء وبالمجموعات المتواجدة ضمن وضع من الهشاشة بينهم الأطفال وكبار السن والأقليات العرقية والدينية وأصحاب الاحتياجات الخاصة.

لا يمكن تنفيذ مشروع قد يتسبب بجرائم دولية أو حالات تمييز أو يفاقم منها أو يضفي طابعاً مؤسسياً عليها. وفي حالات أخرى، يمكن استخدام وسائل للتخفيف من الضرر أو تعويضه حيث تستدعي الضرورة إذا كان المشروع يعزز مصلحة عامة مشروعة وإذا حصل المتضررون من المشروع على الإجراءات القانونية الواجبة والتعويضات المناسبة والفعالة وتم جبر الضرر اللاحق بهم.

 

5ـ يجب تبنّي سياسات وممارسات وقائية وتطبيقها لمكافحة الفساد.

يقوّض الفساد حقوق الإنسان كما يقوّض التنمية. فالدول الأطراف في معاهدة الأمم المتحدة ضد الفساد لديها التزامات محددة بمحاربته. وعلى الدول والمؤسسات الدولية والمتعددة الأطراف تبنّي سياسات وممارسات وقائية ويجب على الدول السعي إلى التحقيق في الفساد والمحاسبة عند الاقتضاء والمعاقبة حين تجد أدلّة على وقوع حالات فساد. ويجب على الدول المانحة والمؤسسات الدولية والمتعددة الأطراف والمؤسسات التجارية اعتماد سياسات تقوم على الشفافية تجاه جميع الأموال المخصصة لسوريا. ولا بد لدول الموطن من تنظيم عمل رعاياها في سوريا والتحقيق في اتهامات بالفساد ضدهم والمحاسبة والمعاقبة عليها عند الاقتضاء.

 

6ـ من المطلوب إجراء إصلاحات في القطاع الأمني والقضائي.

يعتمد تحقيق السلام والأمن وحماية القانون الدولي لحقوق الإنسان وإنفاذه وتطبيقه، على القطاع الأمني والقضائي الذي يحظى باحترام وثقة السكان المقصود منه خدمتهم. لذلك فإن الإصلاحات ضمن القطاعين الأمني والقضائي مهمة لضمان السلام والاستقرار في الأحياء المتأثرة بالعنف ولضمان الشروط الضرورية لعودة اللاجئين والنازحين داخلياً. فغياب الثقة في الجهازين الأمني والقضائي، يدفع الأفراد والمجموعات إلى البحث عن فهمهم الخاص لإحقاق العدالة وجبر الضرر. ويمكن لذلك أن يقوّض جهود إعادة الإعمار على المديين القصير والطويل. ولإرساء الثقة، ثمة حاجة إلى إصلاحات بينها وضع سياسات جديدة وإخضاع الشرطة والجيش وغيرهما من المؤسسات ذات الصلة للتدريب في مسعى لضمان وقف الانتهاكات المستمرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي ولتفادي تكرار الانتهاكات الموثقة.

وأخيراً، يجب فصل الأفراد المتّهمين بتنسيق أو تنفيذ انتهاكات واسعة النطاق ومنظّمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان و/أو القانون الإنساني الدولي و/أول القانون الجنائي الدولي، من الجيش والشرطة وغيرهما من المؤسسات الأمنية والقضائية على الأقل إلى حين إجراء تحقيق شامل (والمحاسبة والمعاقبة عند الاقتضاء) على يد أفراد أو لجنة أو محكمة لا يمس دورها في النزاع باستقلاليتها وجدارتها بالثقة. غير أنّ ذلك لا يجب أن يقود إلى تطهير جماعي مبني على الانتماء العرقي أو الديني أو السياسي.

 

7ـ يمكن تسهيل العودة الطوعية وعودة اللاجئين والنازحين داخلياً شريطة أن يتم ذلك بشكل آمن ومستدام، مترافقاً مع معلومات واضحة، بعد التشاور مع النازحين وبموافقتهم.

نظراً إلى الصعوبات التي يواجهها اللاجئون والنازحون داخلياً وبعض الدول المضيفة، يجب السعي إلى تحقيق خيار العودة الطوعية بضمانات كاملة والتزام كامل بالمعايير الدولية ودعمه. غير أنّ تحقيق ذلك غير ممكن من دون الحماية المناسبة لضمان عدم وضع اللاجئين والنازحين داخلياً في وضع يعرّضهم لاضطهاد جديد أو متجدد أو لانتهاكات مستمرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان. ونظراً إلى الحالة الرّاهنة في سوريا، يرجّح أن تؤدّي الإعادة القسرية  إلى اشتراك في التعذيب ما يحتّم على الدولة تحمّل المسؤولية عن تأمين سبل الانتصاف والتعويض ويرتّب على الأفراد مسؤولية جنائية عن هذا الاشتراك. لذلك لا يجب تسهيل العودة سوى بعد تطبيق شروط مسبقة بأن تكون العودة آمنة ودائمة بما في ذلك الاحترام الواضح لحقوق الإنسان وحكم القانون. 

بالإضافة إلى ذلك، يجب مشاورة الأشخاص الذين تعرّضوا للنزوح وإعطاؤهم معلومات واضحة ودقيقة والحصول على موافقتهم على العودة.

لا يمكن السماح بإنهاء وضعية اللاجئ إلا بموافقة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إذا كان هناك تغيير جوهري في الظروف في سوريا، وهو ما لم نشهده بعد، ويجب ألا يتم ذلك إلا عندما تسمح الظروف بعودة مستدامة وآمنة وبكرامة للاجئين.

يجب أن يضمن القانون ألاّ يصيح أي شخص عديم الجنسية نتيجة النزوح أو الولادة خلال النزوح. ويجب ضمان ذلك من دون أي شكل من أشكال التمييز. وفيما يتعلق بالمولودين في الخارج أثناء النزوح، يجب توفير هذه الضمانة بغض النظر عن جنس الوالد/الوالدة النازح the gender of the displaced parent  ومن دون أي تمييز.

 

يجب التحقيق بمصداقية وفعالية في انتهاكات القانون الجنائي الدولي والانتهاكات الجنائية لقانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي ومحاكمة المسؤولين عنها ومعاقبتهم على النحو المناسب.  

يقع الالتزام بالتحقيق والملاحقة القضائية والمعاقبة على الجرائم الدولية والانتهاكات الجنائية للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، على عاتق جميع الدول. ويرتبط هذا الالتزام، على الأقل، بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والاختفاء القسري والإبادة الجماعية. والاعتراف الاستثنائي بولاية قضائية عالمية على هذه الجرائم يُبرز فداحة الجرائم المرتكبة وأهمية الوفاء بهذا الالتزام.

سنكون مقصّرين إن لم نلفت الانتباه إلى جريمتين سادتا في النزاع السوري ونخشى مرورهما من دون ملاحقة قضائية أو مقاضاة كاملة وهما: الهجمات على عمال الإغاثة الإنسانية والصحافيين باعتبارها جرائم حرب، والعنف الجنسي والجنساني باعتباره أيضاً جريمة حرب، وفي بعض الحالات، جريمة ضد الإنسانية و/أو إبادة جماعية.

أولاًـ يجب إيلاء اهتمام خاص بالهجمات على عمال الإغاثة والصحافيين باعتبارها جرائم حرب. فعمل عمال الإغاثة ضروري ويسهّل حمايات أخرى ينصّ عليها القانون الإنساني الدولي. لذلك فإنّ استهداف عمال الإغاثة الإنسانية محظور. وكذلك، يحتفظ الصحافيون بصفتهم ووضعهم كمدنيين. ولا يجعلهم عملهم أهدافاً عسكرية مشروعة لذلك فإن استهداف الصحافيين محظور أيضاً. ويعتبر استهداف هؤلاء الأشخاص المحميين، جريمة حرب. وثمة اتهامات جدّية ومتكررة للدولة ولأطراف أخرى غير حكومية باستهداف عمال إغاثة إنسانية وصحافيين. لذلك يجب التحقيق في هذه الاتهامات وملاحقة المرتكبين ومعاقبتهم عند الاقتضاء.

ثانياً، يجب التحقيق في حالات العنف الجنسي والجنساني باعتبارها شكلاً من التعذيب أو التعامل أو العقاب الوحشي وغير الإنساني والمهين. وفي النزاعات المسلحة، يعتبر التعذيب والتعامل والعقاب الوحشي وغير الإنساني والمهين، جريمة حرب بغض النظر عمّن ارتكبت بحقّهم. ويمكن للاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي والجنساني، أن يشكّل وسيلة لارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية. وثمة ادعاءات واسعة الانتشار حول استخدام الاغتصاب وغيره من العنف الجنسي أو الجنساني من قبل جهات حكومية وغير حكومية. وتشير بعض هذه الادعاءات إلى استخدام الاغتصاب كشكل من أشكال الإبادة الجماعية. لذلك يجب أن تتضمن أية محاولة موثوقة للتحقيق في الجرائم الدولية وملاحقتها ومعاقبتها تركيزاً على العنف الجنسي والجنساني.

 

9ـ يجب أن يكون لدى الضحايا إمكانية الوصول إلى سبل انتصاف سريعة ومناسبة وفعّالة ومستقلة قادرة على منحهم تعويضات مناسبة وكاملة. 

لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان أو الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني الحق بتعويضات مناسبة بموجب القانون الدولي. وتشمل التعويضات، وفقاً "لمبادئ الأمم المتحدة الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر"، رد الحقوق وإعادة التأهيل والتعويض ورد الاعتبار وضمانات بعدم تكرار الانتهاكات. ونظراً للعدد الكبير من الضحايا المحتملين في سياق مثل السياق السوري، ينبغي اتخاذ تدابير في إطار منهجية منظّمة قادرة على تقديم تعويضات معقدة وملائمة على وجه السرعة ودون تحميل الضحايا أي أعباء أو إعادة تعريضهم للصدمة.

لا يمكن إعادة الضحايا إلى مكان الانتهاكات المستمرة أو إلى الوضع السابق الذي كانوا فيه إذا كان ذلك سيعيدهم إلى وضع يواصلون فيه المعاناة من انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي. لذلك من الضروري وجود ضمانات شاملة بعدم تكرار الانتهاكات. فمثل هذه الضمانات تشكّل جزءاً من خطة تعويض متكاملة ويجب أن تهدف إلى الاستجابة للأسباب السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية الكامنة للنزاع وما ينتج عن ذلك من انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي. ويمكن تصوّر التعويضات على نحو يعزز التنمية المستدامة بما يتجاوز اعتبارات تحقيق المصالحة والتعويض الاجتماعي ـ ويرسي مقاربات مبتكرة لإعادة الإعمار.

لا يمكن تغليب حاجات أخرى في إعادة الإعمار على الالتزامات تجاه الضحايا.

 

10ـ يجب، طيلة عملية إعادة الإعمار، إيلاء اهتماما خاصا بالضرر القائم على أساس الجندر

غالباً ما يكون للانتهاكات التي تبدو عامة تأثيرات جندرية خاصة تتطلب معالجة معينة لها في موازاة التعامل مع أوجه التمييز البنيوي. ويمكن أن تتفاقم الأضرار ذات الطابع الجندري عند تقاطعها مع أشكال أخرى من الأضرار، كما يحصل بشأن النساء والفتيات المنتميات إلى أقليات أو مجموعات أخرى تعيش أوضاعاً هشة.

وقد تكون الآثار الجندرية أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالانتهاكات المرتبطة بالتعذيب أو المعاملة أو المعاقبة القاسية أو غير الإنسانية أو المهينة (انظر شرح المبدأ 8 أعلاه). إلاّ أن التأثيرات الجندرية الناشئة عن عملية إعادة الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد النزاع تكون في الأغلب أقل وضوحاً. فعلى سبيل المثال، قد يؤثر موقع مشاريع الإعمار الجديدة على أمن النساء والفتيات أو حقوقهن في الملكية، بطريقة لا يختبرها نظراؤهن من الذكور. وبالإضافة إلى ذلك، من المحتمل أن يؤثر الفشل في تحديد مصائر الأقارب الذكور المفقودين والمخفيين قسرا على حقوق الملكية والأمن للنساء والفتيات. ومن شأن ذلك أن يقوّض قدرة المرأة على المشاركة في عملية السلام، ويؤدي في النهاية إلى عدم تحقيق المعايير الواردة في قرار مجلس الأمن 1325.

يجب التنبّه طيلة عملية إعادة الإعمار، وفي كل مشروع أو مبادرة جديدة في هذا الإطار، إلى احتمال حدوث أضرار جندرية أو أشكال أخرى من الضرر. لذلك ينبغي إشراك نساء من خلفيات متنوعة في التخطيط لعمليات إعادة الإعمار الجديدة واستشارتهن طيلة العملية كي يتم سبر التأثيرات الجندرية. وحين يتم تحديد مثل هذه التأثيرات، يكون التخفيف منها ومعالجتها التزاماً مستمراً.

 

عواقب الخرق

يمكن للمساعدة المالية أو العملية التي تغطي انتهاكات سابقة أو تسهل انتهاكات مستمرة أو جديدة لأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي أو أي واحد منها أن تندرج ضمن التعريف القانوني للاشتراك في هذه الانتهاكات. وتتحمّل الدول أو المنظمات الدولية التي تغطي الانتهاكات السابقة أو تدعم الانتهاكات المستمرة أو الجديدة مسؤولية دولية مشتركة عن هذه الانتهاكات ويقع عليها التزام تقديم سبل انتصاف وجبر للمتضررين.

أما الأفراد والمؤسسات التجارية التي تخفق في الالتزام بهذه المعايير فقد تكون متواطئة في هذه الجرائم وقد تحاسب سواء عبر دعاوى مدنية أو محاكمات جنائية. وكما أشير سابقاً، تلتزم دول الموطن بإجراء تحقيق وعند الاقتضاء، محاسبة ومعاقبة رعاياها المتورطين بشكل مباشر أو غير مباشر أو المشاركين في الفساد أو أية انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي. ويشمل هذا الالتزام، التحقيق الفعّال وعند الاقتضاء، مقاضاة ممثلي المؤسسات التجارية ومعاقبتهم بشكل مناسب. وحيث يسمح القانون المحلي، يجب أن يمتدّ ذلك إلى الشركات وغيرها من الشخصيات الاعتبارية. بالإضافة إلى ذلك على دول الموطن أن تتيح سبل الانتصاف والتعويضات للضحايا عبر دعاوى مدنية.