أتذكر جيداً رحلاتي الأسبوعية مع أهلي الى الجنوب عندما كنت أصغر سناً.  كنت أجلس في المقعد الخلفيّ على جهة اليمين وأنظر خارجاً مراقبةً الطريق بكل تفاصيلها ومشاهد بحرها المتقطعة. كان ذلك خلال سنوات الثمانينات - أيّ قبل إنشاء أوتستراد الجنوب - كنا نسلك الطريق البحري الذي يمّر في عدد من بلدات قضاء الزهراني. وكنا نتوّقف دوماً عند اللحام أبو ماهر في الصرفند، وعند أبو أشرف في عدلون لشراء البطيخ العدلوني الشهير. وأحياناً كنا نتوَقف للغداء في مطعم «خيزران الكبير» المُطل على شاطئ السكسكية. خيزران هي الواجهة الساحلية لبلدة السكسكية التي لطالما جذبت روّاد البحر ومحبي أكل السمك الطازج من مناطق بعيدة، حتى بات يطلق اسم «بحر خيزران» على كامل الساحل الممتد من العاقبية حتى عدلون مروراً بالصرفند وأنصارية. أتذكرها بلدات مفعمة بالحياة والمحلات المتراصفة على طرفي الطريق.

مرت السنوات وبُني الأوتستراد وتحوّل السير إلى الطريق السريع، ومعه بدا مشهد جديد عليّ لم أكن آلفه من قبل، وهو المشهد الملحمي للسهل الزراعي الشاسع في ساحل الزهراني الواقع بين مدينتي صيدا وصور.

هذا المشهد الذي يذهل كل من يمر على الطريق السريع يطرح الكثير من الأسئلة: ما سبب استمرار السهل الزراعي على ما هو عليه، وما مستقبله نظراً إلى «الازدهار» العقاري الذي يجتاح كل رقعة أرض من الشمال إلى الجنوب؟ كيف أثر الأوتوستراد الجنوبي على هذه البلدات؟ وهل قامت التدخلات التخطيطية في التوفيق والتنسيق بين الإمكانيات الاقتصادية المتعددة للمنطقة من زراعة وصيد أسماك وسياحة داخلية؟

 

مقوّمات وإمكانات اقتصادية متنوّعة

لطالما كان المحرّك الاقتصادي الحيوي لقرى ساحل الزهراني هو الزراعة، حيث استُخدم تاريخياً ما يقارب ثلثي مساحة كل بلدة لزراعة الحمضيات والموز، بالإضافة إلى محاصيل أخرى مثل الذرة والقمح والفاكهة والخضروات[١]. إن طبيعة التربة ذات الجودة العالية ومشروع الليطاني كانا عاملين أساسيين في النشاط الزراعي الكثيف داخل المنطقة بكاملها من الغازية إلى القاسمية. استفادت الأراضي الساحلية من قنوات ريّ الليطاني، وطبعاً كان للفلسطينيين دور، فقد كان لديهم خبرة في طريقة الريّ هذه. وعند قدومهم الى لبنان (لا سيّما أهالي يافا) عملوا في الأرض وأرسوا نموذجاً في العمل الزراعي[٢]، إضافة الى أن إنتاج الحمضيات اللبنانية - المنتج الرئيسي لسهل الزهراني - كان يجد منافذ رئيسية له في الأسواق العربية خلال سنوات الستينات والسبعينات. عدلون كانت استثناءً، حيث أنتج مزارعوها بالإضافة إلى الحمضيات، البطيخ العدلوني الذي تعود زراعته في عدلون إلى أكثر من مئة عام.

وكانت الأنشطة البحرية مثل صيد الأسماك أيضاً عاملاً اقتصادياً هاماً لبعض البلدات، لا سيّما بالنسبة للصرفند حيث يوجد مرفآن للصيد (الزهراني وعين القنطرة) يشملان حوالي مئتي قارب. يعتبر قطاع صيد الأسماك أحد القطاعات الاقتصادية الرئيسية في الصرفند ويحافظ على معيشة حوالي ٧٠٠ صياد في المنطقة، يأتون من الغازية وعدلون والسكسكية لممارسة مهنتهم. في عام ١٩٩١، أنشئت «تعاونية صيادي الأسماك في ساحل الزهراني» التي تضم اليوم ١٦٢ عضو. وتعتبر التعاونية سوقاً للسمك حيث يعرض٨٥٪ من الصيادين أسماكهم للبيع[٣] . تجدر الإشارة إلى أن أسواق السمك لا تزال حتى اليوم تجارة بالغة الأهمية في الصرفند، فهناك سبعة أسواق في البلدة.

بموازاة الزراعة وصيد الأسماك، تطورت أيضاً السياحة الداخلية في بلدات ساحل الزهراني نتيجة قُربها من الشاطئ. وازدهرت (خلال مراحل متقطعة، تحديداً خلال السبعينيات وما قبل) المقاهي والمطاعم المطلة على «بحر خيزران». وكانت البساتين الساحلية عاملاً إضافياً لجذب الزوار إلى المنطقة التي كانت تقصدها العائلات «البيروتية» لقضاء النهار، بالإضافة إلى السياح العرب الذين كانوا يقصدون شاطئ خيزران من أماكن اصطيافهم في بحمدون وعاليه[٤] . وخلال سنوات حرب الـ - ١٩٧٥قبل بناء الأوتستراد الجنوبي - كثرت حركة السيارات على الطريق الساحلي، ومعها المحلات التجارية التي باتت مصدراً للدخل لسكان البلدات الذين لم يتركوا قراهم خلال سنوات الحرب.

تغيرت الحال وشهدت المنطقة خلال العقدين الماضيين موجات مغادرة كبيرة، حيث انتقل سكانها إلى بيروت أو غادروا البلاد تماماً. ونتيجة لذلك، فإن معظم الناخبين المسجلين في قرى ساحل الزهراني غائبون طوال العام ويرسلون تحويلات مالية إلى عائلاتهم التي باتت تعتمد اقتصادياً إلى حد كبير على دعم المغتربين. وعلى غرار المناطق الأخرى في جنوب لبنان، حصلت المنطقة على تدخلات إنمائية محدودة منذ تشكيل لبنان الحديث. وقد عانت أيضًا من حروب إقليمية، بما في ذلك عمليات غزو إسرائيلية متعددة.

اليوم، ما زال اقتصاد بلدات ساحل الزهراني يعتمد على الزراعة وصيد الأسماك والسياحة المحلية الخفيفة. ولكن هذه القطاعات ليست منتجة وفعالة كما اعتادت أن تكون، ولا سيما الزراعة، حيث يشكو المزارعون من نقص في المساعدة الحكومية والتوجيه، وعدم وجود سوق منتظمة للإنتاج الزراعي. كما يشكو الصيادون من أن قطاع صيد الأسماك بات معرضاً للخطر بسبب تدهور نوعية الحياة البحرية نتيجة إلقاء المياه العادمة والنفايات الصلبة في البحر، ونقص المساعدة  لشراء الأدوات والمعدات المناسبة [٥] .

 

الاضطراب العمراني: مثال الصرفند وعدلون

تشهد بلدات ساحل الزهراني بشكل متزايد اضطراباً عمرانياً، لا سيما مع انعدام التنظيم أو غياب التصاميم التوجيهية الكليّة، حيث تبقى المنطقة حتى اليوم ضمن خانة «المناطق غير المنظمة».

وينظم مرسوم صادر في العام ١٩٧٣ بعنوان «التصميم التوجيهي العام لمنطقة الشواطئ الجنوبية» المنطقة على مستوى سهلها للاستخدام السياحي، تاركاً الجزء المتبقي من الأراضي من دون تنظيم. ما معنى ذلك من الناحية العملية؟ يخضع تشييد الأبنية في لبنان على اختلاف أنواعها إلى الحصول على رخصة مسبقة. وهنا يميز قانون البناء بين حالتين وفق ما إذا ما كانت المنطقة المعنية منظمة أو غير منظمة. المناطق المنظمة هي تلك التي وُضعت لها تصاميم وأنظمة توجيهية وتنفيذية مصدقة بمراسيم في مجلس الوزراء.

 

بداية، لنلقِ نظرة نقدية على مرسوم الشواطئ الجنوبية. من ناحية، قام هذا المرسوم بتنظيم جزئي للمناطق، حيث رسم حدوداً تقسم البلدات جغرافياً على أسس هشة. فإذا نظرنا إلى عدلون، نجد أنّ المرسوم يتخذ من سكة الحديد مرجعاً له، فيصنف المناطق الواقعة غرب السكة «سياحية»، بينما يصنف بعض الأمتار شرقها - على الرغم من استخدامها الزراعي لعقود مضت" - امتداد ثاني" على نحو يجيز التوسع العمراني المستقبلي فيها. من ناحية أخرى، التصنيف السياحي للأراضي الزراعية الموازية للشاطئ يشكل بحدّ ذاته إشكالية. فأولاً لا يقوم التصنيف بحماية مناطق زراعية مقابل غيرها سياحية، بل يجعلها جميعها قابلة للبناء. ثانياً، يحدد المرسوم المناطق السياحية على أنها سكن خاص ومطاعم ومؤسسات سياحية بنسب استثمار أعلى من مناطق أخرى في لبنان : ٢٠٪ سطحي و ٠،٤ عام، مقارنة مثلاً مع المنطقة العاشرة من شاطئ بيروت حيث تصل نسبة الاستثمار الأقصى إلى  ١٥٪ سطحي و٠،٢ عام. من هنا تتفرع الإشكالية الثانية: يشترط المرسوم الحصول على تراخيص بناء في هذه المنطقة بقبول من المجلس الأعلى للتنظيم المدني، مما يصعب الاستفادة من أحكامه لمن ليست لديهم قنوات أو معرفة بالإدارة العامة، بينما يستفيد منه بشكل غير مباشر أصحاب المشاريع الكبرى.

أما فيما يتعلق بعمليات البناء في المناطق غير المنظمة (والتي تصل نسبتها في لبنان الى 85% من الأراضي اللبنانية)، فيتم العمل بقرار المجلس الأعلى الصادر سنة ٢٠٠٥ والخاص بنظام البناء والفرز والإستثمار في المناطق غير المنظمة، حيث حدّد معدل الإستثمار السطحي الأقصى ٪٢٥ وعامل الإستثمار العام الأقصى بـ ٠،٥٠ في أي رقعة أرض، أكانت جبلاً أو سهلاً أو وسط بلدة، مما أدى إلى انفلاش عمراني لا يراعي طبيعة الأرض والمجتمع في كافة المناطق اللبنانية[٦].

في ظل هذا الإطار التشريعي للعمران،[٧] وبالعودة الى مثالي الصرفند وعدلون، أدى واقع التنظيم الجزئي للواجهة البحرية (عبر مرسوم ١٩٧٣ ) والإبقاء على ما تبقى من أراضي البلدتين من دون تنظيم، إلى عدد من النتائج الكارثية:

—  كثرت عمليات البناء خلال الثلاثين سنة الماضية على حساب المناطق الطبيعية والزراعية. في الصرفند - على سبيل المثال - في عام ٢٠٠٢، شكل الانتشار العمراني ٪٢٥،٥ من المساحة الكلية، مقابل ٪٤،٥ فقط في عام ١٩٧٥[٨].

—  على طول شاطئ البحر، انتشرت المحال التجارية والصناعية صغيرة الحجم بكثافة خلال سنوات الحرب؛ وتم إنشاء مجمعات سياحية خاصة على حدود الشواطئ المتبقية تمنع الوصول الحرّ إلى الشاطئ، بالإضافة إلى مشروع الميناء السياحي الذي بدأ العمل به على شاطئ عدلون[٩].

—  شهدت الصرفند تحديداً تفاقماً في عدد التعديات على الأملاك العامة البحرية. بدأت عمليات البناء هذه خلال الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، حيث نزح سكان القرى المحتلة إلى الصرفند وشيّدوا بيوتاً بشكل غير رسمي. ولكن في السنوات اللاحقة، تفاقمت عمليات البناء ومهدت لنشاط عمراني على شاطئ البحر تخطى الوصول الأول للنازحين.

—  على الرغم من مزايا الصرفند وعدلون (الشواطئ، المواقع التاريخية، موانئ الصيادين، المطاعم)، نادراً ما تطورت الأنشطة السياحية فيها.

تصاميم توجيهية جاري العمل بها، رغم أنّها لم تصدر أبداً!

في العام ٢٠٠٨، أصدر المجلس الأعلى للتنظيم المدني قرارات بشأن التنظيم الكلّي للصرفند وعدلون لأول مرة في تاريخهما، ولكن من دون أن ينشرها في الجريدة الرسمية. وبحسب المقابلات التي أجريناها في المنطقة، لا يعرف السكان بوجودها. ماذا يفعل هذان التصميمان؟

في الصرفند، يتماشى التصميم مع واقع التغيّرات التي كانت قد طرأت على استخدامات الأراضي. إذ يتم تغيير التصنيف الزراعي لحوالي نصف السهل الساحلي (الذي كان قد بدأ الانتشار العمراني فيه) إلى تصنيف «امتداد سكني». وأبقى تصنيف الواجهة البحرية على ما كان عليه (سياحي) كما أبقى على المنطقة الزراعية الواقعة غرب البلدة القديمة.

 

في عدلون، يرسخ التصميم التصنيف السياحي للواجهة البحرية وكل ما يعنيه من إشكاليات سبق وذكرناها، ويصنف الأراضي ذات الاستخدامات الزراعية شرق الطريق البحري (والتي كان جزء منها مصنفاً مناطق امتداد عمراني) بتصنيفاً زراعياً.

إلّا أن قراري المجلس الأعلى بالنسبة للتصميمين لم يصدرا بمراسيم خلال مهلة ثلاث سنوات من تاريخ إقرارهما، مما يؤدي مبدئياً إلى إسقاط القرارين وتجريدهما من أي مفعول (وفق ما نصت عليه المادة١٣  من قانون البناء). لكننا نرى على أرض الواقع أنّ الإدارات تعمل بخلاف ذلك، ولا زال العمل جارياً بهما حتى اليوم. ومن هنا تتفرع إشكالية أخرى بالغة الأهمية، وهي أنّ الإبقاء على التصميم في شكل «قرار» يسهّل عملية التغيير وإصدار الاستثناءات فيه. بالعودة إلى مثال عدلون - ونظراً إلى الرسم التوضيحي - نجد أن المجلس الأعلى أصدر منذ عام ٢٠٠٨ عدداً من القرارات منح فيها مالكي العقارات تعديلات واستثناءات لصالح الاستثمار العقاري. لا نتحدث هنا عن عدد من العقارات محدودة الحجم، وإنما عن مناطق شاسعة تحوي عقارات يملكها أشخاص لا علاقة لهم بالبلدة (كما تشير الخريطة البيانية). وإذا نظرنا إلى خريطة الملكية في الصرفند، نجد أنّ حوالي ٪٥٠ من كافة الأراضي تعود ملكيتها إلى مالكين ليسوا من الصرفند، وأن هذه الفئة تملك  ٪٨٠ من الأراضي الزراعية في البلدة.

في عدلون، يشرح لنا السيد عبد الله ابراهيم السبب وراء هذا الواقع:

«أكثرية أصحاب الأراضي في عدلون ليسوا من عدلون، لأنها كانت بالمُجمل إقطاعيات على وقت العثمانيين. لم يرَ الناس أهمية في تملك الأرض، بالإضافة إلى أن تسديد الضرائب كان مكلفاً. كانوا يستسهلون مقايضة الأرض بفرس أو بمعزة أو بمواشٍ أو بأموال قليلة. مَن كان متنبهاً إلى هذا الموضوع؟ أهل المدن الذين كانوا يشترون الأراضي من أصحابها المزارعين العدلونيين.

أما خلال العقود الأخيرة، وتحديداً في التسعينات، فأتى مستثمرون أو رجال أعمال واشتروا أراضي في عدلون، مثال عائلة الحريري وعائلة جعفر وعائلة خليل .عدلون تعتبر أفضل سهل ساحلي زراعي في لبنان، كما أن الحمضيات أهم محاصيله. هناك رغبة في الاستثمار بالمحصول وفي التملك هنا. والأهم، لا تنسي مرحلة مطلع التسعينات؛ حين كان السياسيون/المستثمرون يعتقدون أننا نسير باتجاه تحقيق السلم مع إسرائيل، فبدت وقتذاك هذه الأراضي الجنوبية مساحة جيدة للإستثمار، وانطلقت حركة بيع وشراء للأراضي وقت مفاوضات مدريد الأولى وأيضاً بعد أوسلو.»

بناءً على ذلك، تؤثر ملكية الأراضي إلى حد كبير في خيارات خطط استخدام الأراضي والاتجاهات التي يجب اعتمادها لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة في كل من الصرفند وعدلون. وغالباً ما توضع الزراعة والموارد الطبيعية في مواجهة حادة مع التطوّر الاقتصادي، حيث يروّج أن المشاريع السياحية الكبرى سوف تأتي بفرص العمل لشبان وشابات المنطقة. فماذا عن الزراعة والبيئة؟

 

التحكيم الاقتصادي: مناقشات من أنماط التنمية

 

الحفاظ على الموارد الطبيعية (الشاطئ والسهل الزراعي) لتمكين الأجيال القادمة من الاستفادة من هذه الموارد، لا يجب أن يوضع في مواجهة مع فرص العمل والربح المالي. من الملفت أنه على الرغم من غياب أيّ تصنيف زراعي (قبل ٢٠٠٨ ) لسهل الزهراني، طغى الطابع الزراعي على الأراضي لعشرات السنوات، وذلك بفعل استخدام الناس لها. في الواقع، يمكن للساحل الزراعي في الزهراني أن ينتج إلى أجل غير مسمى، كما يمكن أن تسهم الزراعة في مكافحة الهجرة الى الخارج والهجرة الريفية.

وعلى العكس من ذلك، فإن بيع الأراضي الزراعية لغرض الاستثمار العقاري الخاص يأتي بالربح السريع بالنسبة للمستثمر، لكنه يعني أيضاً اختفاء الأراضي الزراعية إلى الأبد[١٠].

لا شك أنّ خلق فرص العمل هو شرط هام لضمان تقاسم متناغم للثروة الناتجة عن الموارد المحلية. على هذا النحو، من المهم مقارنة أنواع فرص العمل الناتجة عن نماذج مختلفة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية. في هذا الصدد، ينبغي أن نعي أنّ فرص العمل المتاحة في سياق الخدمات السياحية مجزية إلى حد ما، تحديداً اذا افترضنا أنّ مالكي المنتجعات السياحية سيوظفون أشخاصاً من السكان المحليين.

بالنسبة إلى تقرير أنجزه البرنامج البيئي في الأمم المتحدة مع وزارة البيئة، فإنّ لأصحاب المنتجعات أسباب عديدة لعدم توظيف أبناء المجتمع المحلي: كارتفاع تكلفة العمالة المحلية مقارنة بالعمالة المهاجرة؛ وشروط العمل المطلوبة من العمالة المحلية وهنا أعلى مستوىً من تلك التي تتطلبها العمالة المهاجرة؛ وغياب الرقابة الحكومية على التوظيف المحليّ؛ وتدخل السلطات السياسية المحلية في عملية التوظيف المحلي عبر الزبائنية والعلاقات الشخصية[١١].

يجب مقارنة فرص العمل هذه بتلك التي يمكن تأمينها من خلال التنمية الزراعية: كفرص عمل للمزارعين المستقلين والمهندسين والاستشاريين الزراعيين والتجار، وأصحاب وسائل النقل، ومشغلي المعدات الزراعية، والتقنيين وغيرهم،  بالإضافة إلى فرص العمل المتاحة في صناعة الأغذية الزراعية.

أما لناحية السياحة الداخلية، ففي بلدٍ كلبنان يتّسم سكانه بجهوزية الانتقال من موقع إلى آخر، من المدهش ألا تراهن المجتمعات المحلية على ضرورة تطوير مقوّماتها الخاصة كي تتمكن من منافسة المناطق الأخرى. وبدأ اللبنانيون فعليًا بقطع عشرات الكيلومترات لاستكشاف المناطق الخضراء والشاطئية والجبلية، هربًا من المدن الباطونية ومن المنتجعات الضخمة المقترنة بمفاهيم غابرة. وتقدّم شواطئ صور والبترون وجبيل مثالًا على استفادة السكان المحلّيين من هذا النوع من السياحة الداخلية. لكن في الزهراني، اختفت المزايا التي تمكّن المنطقة من المنافسة الاقتصادية، فباتت قلةٌ من الناس تقصد الصرفند أو عدلون للسباحة أو الاستمتاع بتناول طعام الغداء.

بذلك، شكل تصميما الصرفند وعدلون - والتعديلات المُدخلة عليهما - فرصة ضائعة لإرساء رؤية تعتمد على التحكيم بين الإمكانات الاقتصادية المتعددة للمنطقة، والتي ليست متضاربة بالضرورة.

شكر خاص الى المهندس علي وهبي الذي ساعد في البحث وزوّدنا بمعلومات قيّمة عن عدلون.

 

 

 

نشر هذا المقال ضمن المنشور "انتاج اللامساواة في تنظيم الأراضي اللبنانية" في شهر تموز\يوليو ٢٠١٨، وهو نتاج مشروع بحثي لاستوديو أشغال عامة بالتعاون مع المفكرة القانونية. لقراءة المنشور بالكامل انقر/ي على الرابط: انتاج اللامساواة في تنظيم الأراضي اللبنانية

 

مقالات ذات صلة:

 

 

------

[١] Marwa Boustani, Estella Carpi, Hayat Gebara and Yara Mourad, Responding to the Syrian crisis in Lebanon: Collaboration between aid agencies and local governance structures, IIED Working Paper. IIED, London.

[٢]  من مقابلة مع السيد عبد الله ابراهيم، أحد سكان عدلون.

[٣] Marwa Boustani, Estella Carpi, Hayat Gebara and Yara Mourad, Responding to the Syrian crisis in Lebanon: Collaboration between aid agencies and local governance structures, IIED Working Paper. IIED, London.

[٤]  نظيمة الدرويش، مقاهي خيزران: زمن الأول... تحوّل!، جريدة الأخبار، ٣١ تموز ٢٠١٧

[٥] Sawsan Mehdi, 2004. Coastal Area Management Programme (CAMP) Lebanon: Final Integrated Report, Priority Actions Programme/Regional Activity Centre (PAP/RAC), United Nations Environment Programme (UNEP) and Lebanese Ministry of Environment.

[٦]  يجدر الإشارة هنا أنه في السنوات ما قبل  ٢٠٠٥، كان هذا المعدل أكثر ارتفاعاً( ٠،٨ -٪ ٤٠)

[٧]  أيضاً مراجعة: كريم نمور، فراغ تشريعي يتفاقم من العام ٢٠٠٤،  العدد  ٥٣ من مجلة المفكرة القانونية.

[٨]Sawsan Mehdi, 2004. Coastal Area Management Programme: Sarafand, Priority Actions Programme/Regional Activity Centre (PAP/RAC), United Nations Environment Programme (UNEP) and Lebanese Ministry of Environment. 

[٩]  للمزيد عن الميناء قيد الإنشاء في عدلون: رولا فرحات، لا صيف في عدلون هذه السنة، جريدة المدن ٢٠١٦/٠٢/٠٣

[١٠]  من مقابلة مع المهندس إيلي خطار، مسؤول مشروع الخطة الاستراتيجية في اتحاد بلديات صيدا والزهراني

[١١] Sawsan Mehdi, 2004. Coastal Area Management Programme (CAMP) Lebanon: Final Integrated Report, Priority Actions Programme/Regional Activity Centre (PAP/RAC), United Nations Environment Programme (UNEP) and Lebanese Ministry of Environment.