تقليديا، تستثنى عاملة المنزل من حماية قانون العمل بحجّة أنها تصبح بفعل عملها هذا أقرب لأن تكون إحدى أعضاء الأسرة. كانت هذه الحجة كافية لإعفاء أماكن العمل المنزلي (المنازل) من الخضوع لشروط مراقبة أماكن العمل، ولحرمان العاملات المنزليات من ضمانات قانون العمل. وقد تعزز هذا التوجه في التقاليد التي كانت سائدة قبل الحرب اللبنانية 1975-1990، بحيث كانت العاملة القاصرة تأتي من الريف لتعمل في منزل فتبقى فيه إلى حين زواجها. وكان صاحب العمل في المنزل المضيف غالبا ما يؤمن للعاملة جهازها فتخرج منه عروسا إلى بيت زوجها. وفيما لم يكن استثناء عاملات المنازل من حماية قانون العمل يلقى معارضة كبيرة بفعل هذه التقاليد، فإن الأمر بات مختلفا جدا مع تغير طبيعة العمل المنزلي واستقدام العاملين فيه من دول آسيوية أو أفريقية، ومعظمهم من بشرة يسهل تمييزها وقلما يتمتعون بأي حماية اجتماعية. فبفعل هذه التغيرات، بات العمل المنزلي مظهرا بارزا لما يشبه العبودية الجديدة وما يتخللها من عنصرية واستغلال، بغياب أي ضمانات اجتماعية أو عائلية. إلا أنه ورغم كل ما قيل ويقال في هذا الشأن ووضع عدد من المقترحات التشريعية، فإن هذا الاستثناء ما يزال ساري المفعول في هذا القطاع الذي بات يشمل مئات آلاف الأشخاص، غالبيتهم من العاملات الأجانب.

كان يفترض أن تؤدي هذه الحجج إلى نتائج معاكسة تماما، عند النظر في قانون حماية أعضاء الأسرة من العنف. فإذا لم تكن عاملة المنزل "عاملة" تحظى بحماية قانون العمل بحجة أنها تنخرط ضمن حياة الأسر، فمن المنطقي إذ ذاك أن تحظى بالحماية التي قد يقرر المشرع لأعضاء هذه الأسر. لكن، هنا أيضا، وبفعل النقاش الحادّ حول هذا القانون وما تخلله من تجاذبات، بقيت مسألة عاملات المنازل مغيّبة تماما وإلا هامشية. ونتيجة لذلك، انتهى قانون حماية أعضاء الأسرة من العنف الأسري إلى استثنائهن من تعريف الأسرة، من دون أن يلقى هذا الأمر معارضة قوية، حتى من المجموعات النسوية التي بدت مرغمة على حصر معركتها في تعزيز حماية النساء من أزواجهن وأنسبائهن. فالأسرة تشمل حسب تعريفها في هذا القانون، مجموعة من الأشخاص المرتبطين بالنسب أو المصاهرة أو أي رابط عائلي آخر[1] من دون أي ذكر لعاملات المنازل. وبالطبع، إقصاء هذه الفئة من التعريف ليس بريئا في الظروف اللبنانية حيث تكاد لا تخلو عائلة من عاملة منزلية، وهو يؤشر إلى رفض منحها أي شكل من أشكال الحماية. واللافت هنا أن المشرع لا يجد حرجا في مناقضة نفسه، طالما أنه يتحدث عن فئة لا ظهر لها. فأن يكون مطلب حمايتها بقانون العمل مردودا بحجة أنها تنخرط ضمن الأسرة، لا يحول وفق المشرع دون استثنائها من حماية قانون العنف الأسري بحجة أنها ليست من الأسرة.

ولكن كيف تفاعل القضاء مع استثناء العاملات من تعريف العنف الأسري؟ هل سلّم به أم عمد هنا أيضا إلى تصحيح التعريف القانوني للأسرة على نحو يؤدي إلى شملهن؟

في هذا الصدد، رصدنا حالة واحدة شمل فيها قرار الحماية العاملة، علما أن القرار لم يقتصر عليها إنما شمل أعضاء العائلة الآخرين (الزوجة التي تقدمت هي بطلب الحماية وأولادها القاصرين). هذه الحالة تمثلت في القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في المتن أنطوان طعمة بتاريخ 23/6/2016. فبعدما ذكّر القاضي بأن المادة الثانية من القانون الرقم 293/2014 لا تذكر "الخدم" من ضمن أفراد الأسرة، فإنه شملها رغم ذلك بقرار الحماية. وقد علّل ذلك بأنه "بالنظر إلى وضع الخادمة التي تترك بلادها لكي تمكث في منزل مخدومها لتقديم الخدمة له لقاء أجر معين، ومبارحتها المنزل المذكور واهتمامها بحاجات أفراد الأسرة ولا سيما الأطفال منهم، ومعايشة تلك الأسرة ليلا نهارا، فإن تلك الخادمة لا يمكن إلا اعتبارها من ضمن أفراد الأسرة بمفهوم قانون العنف الأسري الذين يتوجّب تأمين الحماية لهم من العنف الحاصل في إطار الأسرة، حفاظا على كرامتها الإنسانيّة".

ويلحظ أن الزوجة كانت عللت طلب الحماية بأنها اكتشفت بعد الزواج أن زوجها ذا طبع شرس وعنيف جدا على خلاف ما ظهر قبل ارتباطهما، كما أخفى عليها أنه كان يتناول أدوية للأعصاب وأنه خلال فترة الحياة المشتركة، تعرضت بصورة متكررة للضرب والإيذاء النفسي والجسدي من قبل زوجها ... وأضافت أن زوجها يقتني أسلحة حربية في المنزل بحيث أنها أصبحت تعيش وكأنها في ثكنة حربية ... وما إلى ذلك من ضروب العنف. أما بشأن العاملة، فقد كشف الطلب أن زوجها لا يترك خادمة تأتي إلى المنزل أو إلى منزل أهلها إلا ويتحرش بها. وكان آخرها الخادمة الفيليبينية التي تعمل بخدمته ... حيث قام بالتحرش جنسيا... كما يقوم بممارسة الضغط عليها وتهديدها بالقتل إذا أخبرت أحدا بالأمر وفق ما يتبين من إفادة الخادمة المنظمة لدى الكاتب العدل، بحيث أن العاملة تعيش في حالة رعب وخوف شديدين حتى تاريخه بحيث أن المستدعية لا تتركها وحدها في المنزل خوفا من قيام الزوج باغتصابها..." وقد جاء أخيراً في الطلب أن الحياة أصبحت لا تطاق وبات الاستمرار فيها يشكل خطرا أكيدا على سلامتها وعلى سلامة الولدين وسلامة الخادمة.

هذا القرار، بما تضمنه من حيثيات، يستدعي الملاحظات الآتية:

أولا، أنه يعكس دور القاضي في تفسير النصوص القانونية وتطويرها على نحو يجعلها أكثر انسجاما مع مبادئ العدالة وعدم التمييز. وتوجّهه في هذا السياق يماثل توجه العديد من القضاة عند تطبيق هذا القانون، وبخاصة لجهة توسيع تعريف "العنف الأسري". فبخلاف نص القانون الذي حدد حالات العنف بعدد من الجرائم الجزائية (الإيذاء الجسدي، القتل، التهديد، الزنى، الدعارة ... الخ) وأسبابه الموجبة التي بررت تحديد حالات العنف بضرورة الحدّ من تدخل القضاء في الأسر، توسع القضاة في تعريف العنف ليشمل حالات أخرى، في مقدمتها العنف المعنوي (الشتائم والتحقير والاحتفاظ بالأوراق الثبوتية ... الخ) أو الاقتصادي (قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف، 23/5/2014). وقد برر هؤلاء توسيع التعريف ب "أن من شأن العنف المعنوي أن يلحق أضرارا أكبر من العنف الجسدي"،

ثانيا، أنه يعكس دور القاضي في حماية حقوق الفئات ذوي الأوضاع الهشة، وبخاصة الفئات التي تعاني من غبن مزمن بنتيجة آراء اجتماعية مسبقة. ففي هذه الحالة، يصبح القضاء، بما يفترض به من أصول عمل ومرجعية قانونية وأخلاقيات مهنية، المختبر الأمثل لعقلنة المواقف تجاه هذه الفئات وحمايتها. وهذا ما شهدناه في إطار عدد من القرارات الصادرة بحق عدد من هذه الفئات، في مقدمتها النساء والمثليين والأجانب.

ثالثا، أنه يفتح كوة في نظام الكفالة. ففي حال تعميم هذا التوجه، يصبح من الممكن للعاملة حق الاستفادة من تدابير حماية في مواجهة كفيلها (وتاليا في إعادة التوازن إلى العلاقة) من دون أن يؤدي ذلك إلى إنهاء عقد عملها وجعلها في وضع غير نظامي وعمليا إغلاق أبواب اللجوء إلى القضاء أمامها، كما يحصل حاليا كلما تركت العاملة العمل بهدف اللجوء إلى القضاء. وعليه، فإن المعادلة السائدة حاليا "العمل في لبنان" أو "المطالبة بالحق" قد تشهد بفضل هذا التوجه تعديلا هاما.

ختاما، ومع التسليم بأهمية القرار مضمونا وأبعادا، يجدر التحذير إلى أن طلب الحماية شمل في هذه القضية العاملة من دون أن تكون شريكا في تقديم طلب الحماية أو أن يتم الاستماع إليها من قبل القاضي. فقد اكتفى هذا الأخير بكتاب موثق لدى كاتب العدل صرحت فيه العاملة بأنها تتعرض بشكل منتظم للتحرش من قبل الزوج حسبما جاء في متن القرار، وهو أمر يبقى غير كافٍ من حيث المبدأ للتثبت من إرادتها الحقيقية. ويخشى في حال اعتماد هذا المنحى أن نكون في صدد إرساء ممارسة جديدة لتشييئها وتسليعها تحت غطاء حمايتها. فاقتضى التوضيح أملا بتصويب المنحى في اتجاه تأمين مزيد من الحماية لعاملات المنازل، حماية لا غبار عليها.

 

[1]  الزوجين والأب والأم لأي منهما والأخوة والأخوات والأصول والفروع شرعيين كانوا أم غير شرعيين، ومن تجمع بينهم رابطة التبني أو المصاهرة حتى الدرجة الثانية أو الوصاية أو الولاية أو تكفل اليتم أو زوج الأم أو زوج الأب