في كلمته أثناء افتتاح مصنع أسمنت بني سويف، تطرق الرئيس عبد الفتاح السيسي للآليات القانونية المُنظمة لإجراءات تعاقد الدولة لتنفيذ المشروعات الجديدة. وتحدث عما أسماه الطريقة التقليدية لإدارة القطاع، وهاجمها كثيرا، ودعا إلى التخلي عن هذه الطريقة (أي المناقصات كأسلوب عمل في تعاقدات الدولة وأجهزتها المختلفة عند طرح مشروعات استثمارية)[1].  

كما تباهى السيسي بقدرته على التفاوض وعبقريته في تقليل وقت تنفيذ المشروع المذكور[2]. وأرجأ ضعف قطاع الاستثمار إلى البنية القانونية، التي تلزم الجميع باتباع إجراءات قانونية محددة لدرء شبهات الفساد، ولاختيار أفضل عرض من الناحية الفنية والتكلفة المالية أيضا.

وألقى بكل اللوم على الإطار القانوني المنظم للإجراءات معتبرًا أن هذا النظام نظام تقليدي وأننا يجب أن نعتمد على المهارات الشخصية والفردية في التفاوض داعيًا ضمنًا إلى مخالفة القانون. وغاب عن الرئيس أن القوانين التي يشير إليها وُضعت بالأساس لمواجهة الفساد وتحجيم دوره، وأن الأسباب الحقيقية وراء "البيروقراطية" السائدة هي نقص الكفاءة في كتابة مناقصات بشروط محكمة تلبي طموحات الدولة، بالإضافة إلى قلة خبرة وتدريب الكوادر الوظيفية المسؤولة عن تنفيذ القانون.

 

تحميل القانون مسؤولية الفشل ... سيناريو متكرر

وتجدر الإشارة أن الرئيس الحالي سبق واعتبر القانون أحد أسباب ضعف الدولة في مواجهة الإرهاب.

فمنذ 2013، روج النظام إلى أن ضعف البنية التشريعية لقوانين العقوبات والإجراءات الجنائية، هي سبب عدم قدرة الدولة على مواجهة الإرهاب؛ وهو ما دفعهم لإصدار تشريعات خاصة لمكافحة الإرهاب، وإدخال تعديلات على قانون الإجراءات الجنائية بهدف تخفيف ضمانات المحاكمة العادلة.

وفي هذا المقال، نتناول التعديلات التي تم إدخالها في 2013 على قانون المناقصات والمزايدات والتي نعتبرها قوضت من قدرة القانون على مواجهة الفساد وتوسعت في منح استثناءات للعمل خارج إطاره.  كما تجدر الإشارة إلى أن هذه التعديلات تم تمريرها في المرحلة الانتقالية، أثناء ولاية الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور، أي خلال فترة تعطيل الدستور، وقبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية الجديدة، مما ترتب عليه عدم مناقشتها من قبل البرلمان بعد انعقاده. فقد تمت التفرقة بين القوانين التي صدرت أثناء تعطيل العمل بالدستور والقوانين التي صدرت بعد ذلك وتقرر عدم جواز مناقشة الفئة الأولى أمام البرلمان[3].

 

استثناءات موسعة من تطبيق القانون ... خطوات للخلف

في سبتمبر 2013، أصدر الرئيس عدلي منصور تعديلات على المادة الأولى من قانون المزايدات والمناقصات[4]. استثنى هذا التعديل الأجهزة ذات الموازنات الخاصة والهيئات العامة الخدمية والاقتصادية من تطبيق القانون، إذا كانت هناك نصوص خاصة في القوانين أو القرارات الصادرة بإنشائها أو بتنظيمها أو في لوائحها الصادرة بناءً على تلك القوانين والقرارات.

وقد جاء هذا التعديل ليتعارض مع إرادة المشرع السابقة، حيث كان حرص في المادة الأولى قبل التعديل على سريان القانون على كافة الهيئات المخاطبة به دون أي استثناء[5]. وهذا ما نقرؤه في مذكرته الإيضاحية حيث جاء حرفيا: "(...) كما تسري أحكامه على الهيئات العامة ويشمل ذلك الهيئات القومية ولا يعتد بأي نص خاص في القوانين أو القرارات الخاصة بإنشاء تلك الهيئات (…)"  ويوضح ذلك بجلاء أن نية المشرع اتجهت منذ البداية إلى إخضاع جميع الهيئات العامة الخدمية والاقتصادية ووحدات الإدارة المحلية لأحكام قانون تنظيم المناقصات والمزايدات.

 

رفع السقف المالي للتعاقدات المباشرة

طال التعديل كذلك المادة 7 من القانون التي تجيز الإسناد المباشر لمشاريع اقتصادية دون اتباع إجراءات المزايدات والمناقصات في الحالات العاجلة التي لا تحتمل اتباع إجراءات المناقصة أو الممارسة، حيث تم رفع قيمة هذا الإسناد لتصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 50 ضعفا وفق الآتي:

بالنسبة لرؤساء الهيئات والمصالح:  

في حالات شراء المنقولات أو تلقي الخدمات أو الدراسات الاستشارية أو الأعمال الفنية أو مقاولات النقل، ارتفع الحد الأقصى إلى 500 ألف جنيه بعد أن كان 50 ألف فقط. وأصبحت مليون جنيه بالنسبة لمقاولات الأعمال بعد أن كانت 100 ألف. وبالتالي تضاعف المبلغ 10 أضعاف.

بالنسبة للوزراء والمحافظين:  

في حال شراء المنقولات أو تلقي الخدمات أو الدراسات الاستشارية أو الأعمال الفنية أو مقاولات النقل، ارتفع السقف إلى 5 ملايين جنيه بدلاً من 100 ألف أي 50 ضعفا، وزادت بقيمة 33 ضعفا بالنسبة لمقاولات الأعمال فأصبحت 10 مليون جنيه بعد أن كانت 300 ألف.

وأضاف التعديل بندًا جديدًا على المادة المذكورة حيث أضاف الفقرة ج والتي أعطت الوزير المختص بالصحة والسكان الحق في التعاقد المباشر دون الخضوع لأحكام القانون بالنسبة للأمصال واللقاحات والعقاقير الطبية ذات الطبيعة الاستراتيجية وألبان الأطفال، وذلك وفقاً للضوابط والشروط التي تحددها اللائحة التنفيذية، ودون أي وضع سقف مالي لهذه التعاقدات.

 

الجيش يسيطر على المناقصات والمزايدات  

في يونيو 2014، صدر قانون آخر[6] بتعديل نص المادة 38 من القانون المشار إليه[7] والتي تسمح للجهات التي ينطبق عليها القانون التعاقدَ فيما بينها بالأمر المباشر. وسمح  التعديل بسريان حكمها على الهيئة العربية للتصنيع وهي هيئة ذات طبيعة عسكرية تتبع رئاسة الجمهورية ووزير الدفاع- بحيث أصبح من حقّ الجهات الحكومية التعاقد بالأمر المباشر مع الهيئة لتنفيذ الأعمال. وأصبح للهيئة كذلك الحق في إجراء المناقصات والمزايدات بديلا عن أيا من الجهات المخاطبة بالقانون من وحدات الجهاز الإداري للدولة - وزارات، ومصالح، وأجهزة لها موازنات خاصة – وكذلك وحدات الإدارة المحلية، والهيئات العامة، سواء كانت خدمية أو اقتصادية.

ومن شأن هذا الأمر أن يولد وضعًا شاذاً للهيئة، بحيث استثناها من ضرورة الالتزام بقواعد القانون الإجرائية واتباع المناقصات والمزايدات في تعاقداتها المختلفة. كما أنه أبقى على نظامها الخاص المنصوص عليه في القانون رقم 150 لسنة 1976 بشأن حصانات وامتيازات الهيئة العربية للتصنيع[8]، والذي يعطي الهيئة امتيازات عدة. وهو يعفيها من كافة الضوابط المنصوص عليها في القوانين المختلفة ويغل يد الأجهزة الرقابية، ورجال السلطة العامة عن الإشراف عليها وذلك طبقا لنص المادة 2 من القانون المشار إليه[9]. إلا أنه في الوقت نفسه منح الهيئة الحق في أن تحل محل أي من الجهات المخاطبة بالقانون، ما يعني أن حلول الهيئة سيكون معفيا من اشتراطات قانون المناقصات والمزايدات، ما يسمح لها بالتعاقد عن أي من الجهات المخاطبة بأحكام القانون، لكن دون الالتزام بقواعده.

 

خاتمة

يتضح من عرضنا السابق أن النظام يجنح إلى إلقاء عبء فشله في الملفات المختلفة، على التشريعات القانونية. فدائما ما يرى النظام أن المشكلة في القانون وليس في منفذيه، وأن أسباب انتشار الجريمة هو قصور في مواد العقاب.

وها هو يستعيد النظرة ذاتها فيما يتعلق بملفات التنمية الاقتصادية، حيث يتعامل النظام الحالي مع كل الإجراءات التي تساهم في الحد من الفساد، باعتبارها عوائق لعجلة التنمية، مستبعدًا قصور العنصر البشري، وغياب الكفاءة في اختيار الوظائف العليا.

وفيما منح تعديل قوانين العقوبات النظام هامشا واسعا للتحكم في حريات الناس، فإن من شأن استكمال التعديل على قانون المناقصات والمزايدات في اتجاه اعتماد مبدأ التعاقد المباشر، أن يشكل خطوة نحو تكريس وتجذير الفساد، بل نحو منحه حماية قانونية.

 


 [1] وقال في هذا الصدد "لما بكلم زملائي في قطاع الأعمال هناك مسار تقليدي، وهو إعداد مواصفات فنية تُطرح على الشركات، والشركات تقدم المواصفات الخاصة بها ونعمل تقييم لها ثم نعمل مناقصة سعرية، وتقوم لجنة بالمقارنة بين المناقصة الفنية والسعرية، هذا الإجراء يأخذ من عام ونص إلى عامين" ثم استطرد قائلا "اوعوا تمشوا بالمسار التقليدي اللي انتم ماشيين بيه ده انتم كده ها تخدوا ثلاث اربع خمس سنين علشان نفتتح مشروع زي ده واحنا ما عندناش وقت ... انا بفكركم وبفكر نفسي وبفكر قطاع الأعمال إذا كنت هاتمشي بالمسار التقليدي لحل مسائلك .... وعليك خير سبع تمن عشر سنين عقبال ما تحل مشاكلك، احنا عندنا 121 شركة قطاع اعمال هنحل مشاكلهم ونطورهم لازم نخلص من الإرث ده ونضبطه"

[2] وروى السيسي وقائع ما حدث أثناء الاتفاق مع الشركات لإنهاء المشروع فقال "لما جينا نعمل المصنع جبنا الشركة قالولي 36 شهر، وسألت جهاز الخدمة الوطنية أنتم عملتم ايه، قالوا هنعمل مناقصة فنية، قولته تاني؟!!  ما انتم عملتم في الخط الثالث والرابع هنككر تاني؟!!  ما تجيبوا الشركة نتفاوض معاها على طول ... قالو لأ معلش دي الإجراءات القانونية... وانا معاهم، وبعدها قال ها نعمل مناقصة مالية" وعلق السيسي على كلامه مستهجنا " مالية ايه !!!!  انت لما تأخر لي المشروع ده سنة انت هتخسرني 700 مليون جنيه، انت ها توفر كام في المناقصة المالية بتاعتك؟!! هاتلي الشركات واتفاوض معاها هنا وبعد ما تتفاوض معهم أبعتهم لي انا ... قالوا 36 شهر قالوا علشان هنساعد 24 شهر ... قلنا لهم سنة ونص وخلص المشروع في سنة"

[3]  راجع مي شمس الدين، "قوانين لن يراجعها البرلمان" – مدي مصر – 12-1-2016

[4]  قانون - رقم 82 - لسنة 2013 بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم 89 لسنة 1998 بإصدار قانون تنظيم المناقصات والمزايدات

[5] نصت المادة الأولي من القانون قبل التعديل على أن " يعمل بأحكام القانون المرفق في شأن تنظيم المناقصات والمزايدات، وتسري أحكامه على وحدات الجهاز الإداري للدولة - من وزارات، ومصالح، وأجهزة لها موازنات خاصة - وعلى وحدات الإدارة المحلية، وعلى الهيئات العامة، خدمية كانت أو اقتصادية. "

[6]  قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 2014، الجريدة الرسمية، العدد 23 (تابع)، 5 -6- 2014.

[7]  على أن "يجوز للجهات التي تسري عليها أحكام هذا القانون التعاقد فيما بينها بطريق الاتفاق المباشر، كما يجوز أن تنوب عن بعضها في مباشرة إجراءات التعاقد في مهمة معينة وفقا للقواعد المعمول بها في الجهة طالبة التعاقد.

ويحظر التنازل لغير هذه الجهات عن العقود التي تتم فيما بينها".

[8]  قانون رقم 150 لسنة 1976 بشأن حصانات وامتيازات الهيئة العربية للتصنيع. الجريدة الرسمية العدد 48 - بتاريخ 25-11-1976

[9]  نص المادة 2 من القانون 150 "يكون لجميع المباني والأماكن التي تشغلها الهيئة ووحداتها وفروعها ومكاتبها أينما وجدت في أقاليم الدول الأعضاء حرمة لا يجوز المساس بها. 2- ولا يجوز لرجال السلطات العامة دخول المباني والأماكن المشار إليها في الفقرة السابقة لمباشرة أية مهمة تتعلق بوظائفهم إلا بإذن من رئيس مجلس الإدارة أو من يفوضه. 3- على سلطات الدولة واجب اتخاذ جميع الإجراءات المناسبة لحماية مباني الهيئة والأماكن التي تشغلها ووحداتها وفروعها ومكاتبها أينما وجدت ضد أي تدخل أو ضرر، كما عليها أن تمنع أي إخلال بأمن الهيئة أو النيل من كرامتها، وذلك مع مراعاة حكم المادة 3 من هذا القانون."