"انني قد لا أوافق على ما تقوله، ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك بقوله". بهذه الحكمة الفولترية، ختم جاد معلوف، قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، حكمه الصادر في 16/7/2013 والذي أتى بمثابة مرافعة ضد "دولة المجاملة"، التي تفترض التضييق من هامش انتقاد الزعماء السياسيين مع تحويل الاعلام (أقله الوسائل المؤيدة لهم) الى أبواق للتمجيد بهم.
الدعوى كما الحكم معبرة جدا: فقد قدم النائب سامي الجميل استدعاء عرض فيه أن جريدة الأخبار تقوم بجملة عنيفة تناولت شخصه بشكل علني ومتماد ومتسارع الوتيرة وذلك بشكل سلسلة من المقالات الصحافية التي تم نشرها وجهت بموجبها "سهام مسمومة لاذعة" اليه، بهدف النيل منه ومن خطه السياسي، وأن هذا الأمر شكل حملة واحدة مستمرة ومتمادية مع الزمن هدفها ودافعها الوحيد استهدافه "لاغتياله سياسيا". وأن المقالات .. تنال من كرامته ومن كرامة الحزب الذي ينتمي اليه وكرامة عائلته لما لها من رمزية وتاريخ عريق. وإذ أدلى المستدعي فضلا عن ذلك بأنه يعد بالنسبة الى شرائح اجتماعية عدة القائد والزعيم، طالب بإزالة عشرة مقالات عن الموقع الالكتروني للجريدة ومنع الصحيفة من أن تتناوله أو تبث أو تنشر أي خبر مهما كان نوعه ولأي سبب كان متعلق به أو بعائلته وحتى عبر الإيحاء اليه بطريقة كافية للدلالة دون تسميته وذلك لغاية صدور أحكام محكمة المطبوعات في الدعاوى الجزائية التي تقدم بها ضد الجريدة. وما يريده المستدعي هو منع الصحيفة من نشر أي خبر عنه وعن عائلته، ولو تلميحا، وبالطبع، المقصود: عدم نشر أي خبر نقدي عنه. ولماذا؟ لأنه قائد وزعيم. ومن هذا المنظور، تصبح الزعامة قيمة بحد ذاتها بمعزل عن حقيقة ما هي عليه أو عما تفعله وهي قيمة عليا فوق دستورية بحيث أنها تعلو على حق الصحافي في التعبير وتنوير الرأي العام، مما يؤدي الى إضفاء المشروعية القانونية على نظام سياسي مخالف بداهة للأصول الديمقراطية، أي نظام الزعامة. وعليه، فيما تشكل المسؤولية السياسية مدعاة لتوسيع هامش النقد المباح كما يحصل في جميع البلدان الديمقراطية، ترى الاستدعاء يرمي الى تكميم الأفواه تكريسا للزعامة. فالزعماء الذين يتحكمون في العباد ومصائرهم في لبنان، انوجدوا لنبجلهم ونبخرهم، فعلينا مسؤولية حفظهم وصونهم، وليس لننقدهم أو نبين سيئاتهم أو انتهاكاتهم، مما قد يؤدي الى اضعافهم. هذه هي حقيقة هذا الاستدعاء والخلفية الفكرية التي انبنى عليها والتي تعبر عن انحطاط النظام السياسي لتعارضها التام مع أصول الديمقراطية التي هي تقوم على مساءلة القيمين على الشأن العام وتعريتهم والمساواة بين الناس في كراماتهم وعلى الحقوق الأساسية والحريات العامة. فالخطير ليس أن ننتقد زعيما، الخطير أن نصبح غير قادرين على انتقاد الزعماء، والأخطر طبعا أن يكون هنالك زعيم أصلا. 
ومن هنا، طرح هذا الاستدعاء أسئلة بالغة الأهمية على صعيد طبيعة النظام السياسي ولا سيما أنه حصل بعد التمديد للمجلس النيابي: فبعدما حرم النواب ناخبيهم من إمكانية محاسبتهم اقتراعا، ها هم يسعون الى منعهم من محاسبتهم إعلاميا.
جواب المحكمة أتى منحازا تماما لقيم الديمقراطية في مواجهة نظام الزعامة والمجاملة: ففي حكم من تسع صفحات ورد فيه 12 هامشا ترجع القارئ الى اجتهادات فرنسية وأوروبية وأميركية، أعلن القاضي الحيثيات الحاسمة الآتية: "ان حرية التعبير والصحافة في الحالة الراهنة، تصح ليس فقط بالنسبة للأفكار أو الأقوال المقبولة أو المتوافق عليها وانما وخاصة بالنسبة لتلك المنتقدة أو اللاذعة أو المخالفة لرأي الأكثرية أو لرأي شريحة معينة أو حتى التي قد تصدم الرأي العام أو شريحة منه وتصل الى حد من الاستفزاز في بعض الأحيان وفق ما أقرت به المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان، على أن تبقى طبعا ودوما تحت رقابة القضاء وضمن أطر محددة بحيث لا يفهم مما تقدم أنه تفلت من القيود وانما توسع وانفتاح أكثر على الرأي المخالف مع تفهم اللجوء الى بعض الانتقادات غير المقبول استعمالها بالنسبة للرجل العادي، عند  انتقاد رجال السياسة،
وحيث أن من يتعاطى الشأن العام ولا سيما من رجال السياسة يتعرض دوما لانتقادات من معارضيه أو خصومه، وقد يكون البعض منها قاسيا وفي غير محله، الا أن من يضع نفسه في الموقع المذكور يتخلى حكما عن جزء من الحماية المتوفرة للأشخاص العاديين ويخضع لمراقبة الرأي العام بكل أفعاله، العامة منها والخاصة أحيانا، ولا بد من اظهار نسبة أعلى من التسامح والتقبل. وحيث ان بعض الآراء، التي تتبناها أيضا المحكمة اعتبرت أن الحماية التي يتم توفيرها عبر التوسع بمفهوم انتقاد رجل السياسة ولا سيما النائب ضمن أطر حرية التعبير، توازن الحصانة الممنوحة لهذا الأخير والتي تمنحه مجالا واسعا في الانتقاد دون خشية الملاحقة".
وبذلك، وجهت المحكمة درسا للقادة السياسيين كافة، داعية إياهم الى تقبل الانتقاد بقدر ما يرغبون تولي مناصب عامة. فدولة الزعامة لا تتلاءم مع قيم الدولة الديمقراطية.

الصورة منقولة عم وكالة التنمية للأنباء