في كلمة ألقاها صبيحة يوم 27-10-2018 بمناسبة افتتاح الدورة الثانية لإطارات حزب حركة النهضة، دعا راشد الغنوشي نواب الشعب للتقدم بمبادرة تشريعية تضمن العفو عن كل من يتهم بارتكاب انتهاك جسيم لحقوق الإنسان متى كشف لانتهاكات التي يتهم بالمشاركة فيها وطلب العفو عما صدر عنه من فعل ومتى ضمنت الدولة حق الضحايا في جبر ضررهم ورد اعتباره.  يستشف من ذلك أنه كلف الكتلة النيابة لحزبه بصياغة مقترح قانون يجسد مشروع المصالحة الشاملة التي سبق وبشر بها في أكثر من مناسبة. كما أوكل لهم ولقيادات حزبه بالتحرك داخل قبة المجلس التشريعي وخارجه لصناعة ائتلاف نيابي يساند البديل المقترح منه لمسار العدالة الانتقالية القائم[1].

وفي انتظار تكشف تفاصيل النص المجسد لتصور هذه المصالحة، يلحظ أن إعلان المبادرة سبقته صناعة لإطار ملائم للقبول بها استغرقت حيزا زمنيا، بحيث تظهر بمثابة إنقاذ من أزمة، وليس خطوة في اتجاه التفريط عن العدالة الانتقالية.

 

المصالحة الشاملة: مشروع طبخ على مهل

بداية الشهر الخامس من سنة 2016، دعا "راشد الغنوشي" لمصالحة شاملة تضمن طي صفحة الماضي دون تفريط في حقوق ضحايا الحقبة الاستبدادية. وذكر حينها أن هذه المصالحة تصلح لتكون بديلا عن مشروع قانون المصالحة في قضايا الفساد المالي الذي كان يتمسك به حليفه باجي قايد السبسي رئيس الجمهورية. رفض وقتها الرئيس وقيادة حزبه الفكرة[2]. ويبدو أن ذلك كان بسبب الخشية من أن يؤول اعتمادها لتعزيز مكانة "الغنوشي" السياسية في صفوف أنصار النظام السابق عن الثورة، بما يمس من رصيد حزب الرئيس الانتخابي[3].

لم يمنع مهندس المصالحة الشاملة هذا الرفض من المضي قدما في صناعة الظرف السياسي الملائم لمعاودة طرحها. وكان أن عمل في هذا الإطار على جبهتين أولهما تمثلت في رموز من يتهمون باقتراف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وثانيهما في ضحايا الانتهاكات من أنصاره.

 

فيما تعلق بمن ينسب لهم الانتهاكات:

استقبل بداية سنة 2016 الغنوشي عددا من الشخصيات المشمولة "بالتتبعات" في مسارات العدالة الانتقالية. وكان أن ذُكر حينها أنه تحدث لها عن ""تمسك حركة النهضة بمسار العدالة الإنتقالية الذي يجب أن يكون هدفه تطهير جروح الماضي بعيدا عن ثقافة الإنتقام والتشفي" وصرح في محضرها "أن الثورة لا تعني إلغاء منجزات دولة الإستقلال والحركة الوطنية، أو تهميش الكفاءات التونسية والطاقات المعطلة، التي اقتصر دورها في الغالب على تنفيذ التعليمات في كنف الإنضباط[4]". كما سجل بمناسبة الترشحات للانتخابات البلدية لسنة 2018 إعلان حزبه عن فتح قوائمه للمترشحين ممن اشتغلوا مع النظام السابق عن الثورة وهي الخطوة التي أكدت نجاحه في صناعة قبول وسط أنصار حزبه وقواعده مع رموز النظام السياسي المتهم بانتهاك حقوقهم. هذا القبول الذي تحقق بفضل خطاب قيادات الحزب في الموضوع .

 

فيما يخص صناعة الوعي في أوساط قواعده :

يعدّ أنصار حركة النهضة والمتعاطفين معها المكون الأساسي لفئة ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المعنية بمسارات العدالة الانتقالية. وقد أدت تلك الانتهاكات لإفساد حياة جانب كبير منهم وتركت في أبدانهم آثارا سقوط بدني هام لا زال يلازمهم. وعليه، بدا إقناع الضحايا بالتنازل عن عقاب وعدتهم به العدالة الانتقالية لجلاديهم صعبا.

في سبيله للنهوض بالمهمة الصعبة، استعان الغنوشي بأمرين:

الأول، استعمال الخطاب الديني في صياغة تصور جديد للعدالة الانتقالية. فالتصور التونسي للعدالة الانتقالية ينهض كما صيغ صلب القانون عدد 53 لسنة 2013 المنظم للعدالة الانتقالية[5] على ثلاث دعائم هي تباعا كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومحاسبة من تنسب له تلك الانتهاكات وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم، تحقيقا لما أسماه المصالحة الشاملة. ويستفاد من هذا القانون غياب كل فكرة لعفو فردي أو جماعي عمن تنسب لهم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وأن أحكامه تفرض أن يكون العقاب المستوجب في حق المذنبين هو العقاب المحدد للجريمة في نص القانون.

استند الغنوشي في محاولته إقناع الضحايا بطرحه البديل للمرجعية الإسلامية لحزبه ليقول بأن حركته "تشجّع ضحايا الدكتاتورية على التحلّي بالسماحة والعفو باعتباره أعلى مكارم الأخلاق" كما تدعوهم "إلى أن يقتدوا بسيرة الرسول الذي بادر للعفو عند فتح مكة". وليؤكد تاليا أن امتناع حركة النهضة عن تعهيد "هيئة الحقيقة والكرامة" بملف الانتهاكات الذي شملها كحزب مرده "التزام قيادتها بالثقافة الإسلامية المسامحة" ووعيها بأهمية الانتصار لثقافة المصالحة، تلك الثقافة التي "كانت سبب نجاح تجربة إسبانيا وجنوب إفريقيا في مجال العدالة الانتقالية[6] والتي دونها يكون الانتقال الديموقراطي التونسي في خطر.

الثاني: "التحالف" مع العائلة الدستورية ضمانة البقاء: البراغماتية السياسية تبرر العفو. في هذا الإطار، أشاد الغنوشي في خطاباته بما كان لتحالف حزبه مع "العائلة الدستورية التي تقبل بشرعية الثورة ودستورها ونظامها السياسي" من دور في إفشال ما سماه "محاولة أطراف سياسية أخرى استصحاب خطاب المخلوع وسياساته في التعامل مع حركة النهضة باعتبارها ملفّا أمنيا". فكان أن كشف لأنصاره أن العفو الذي يقترح ضرورة مفروضة عليهم لإنقاذ حزبهم الذي يواجه "اتهاما من الجبهة الشعبية بالضلوع الجزائي في اغتيال زعيميها شكري بلعيد ومحمد البراهمي" من مآل أمني قد يعيدهم للسجون والمنافي.

كان الغنوشي عند هذا الحد براغماتيا في إقناع أنصاره بمبادرته التي اختار لإطلاقها توقيتا ملائما لجهة علاقتها بمسارات العدالة الانتقالية القائمة.

 

المصالحة الشاملة: بديل عن عدالة انتقالية مأزومة

نجحت هيئة الحقيقة والكرامة التي تعد المحرك الأساسي لتصور العدالة الانتقالية بتونس في عدد من محطات عملها بما أعطى زخما خاصا لعملها. ومن أبرز هذه النجاحات:

  • الحملة التي نظمتها لتلقي شكايات ضحايا الانتهاكات الجسمية لحقوق الإنسان والتي انتهت بتاريخ 15-06-2016 بتعهدها بإثنين وستين ألفا وسبعمائة وثلاثة عشر طلب بحث في شكاية صدرت عن مدعي ضرر من انتهاك جسيم لحقوق الإنسان[7].
  • جلسات الاستماع العلني والتي عرّت الاستبداد منتصرة للضحايا. وقد قدّم خلالها عشرات من ضحايا القمع شهادات صادمة عن التعذيب الممنهج الذي تعرضوا له بسبب نشاطهم السياسي أو بسبب اشتباه السلطة السياسية في كونهم يعارضونها. كما قدم أهالي شهداء التحركات الاجتماعية والانتفاضات الشعبية شهاداتهم عن حجم معاناتهم تبعا لفقد أبنائهم. وقد عرّت هذه الشهادات همجية النظام السائد آنذاك وانحراف أجهزتها الأمنية والقضائية والطبية عن مهامها، مع ما استتبعها من صدم للرأي العام وتوعيه على أهمية مسار العدالة الانتقالية .

في المقابل، برزت عوامل عدة أدت إلى تأزيم عملها، من أهمها:

  • غياب الشفافية في تسيير الهيئة وإدارتها وكثرة خصومات أعضائها التي اقترنت  بتبادل الاتهامات فيما بينهم بالفساد بما مس بالثقة العامة في المسار الذي ترعاه.
  •  تنامي الحضور السياسي لشخصيات النظام السابق في المشهد السياسي بما سهل الاستهداف المؤسساتي للمسار.

كانت بالتالي هيئة الحقيقة والكرامة في نهاية عهدتها موضوع رفض من "المعارضين لها" وموضوع نقد في جانب طيف من ضحايا الحقبة الاستبدادية. ويشكل عند هذا الحد غياب الاتفاق السياسي حول العدالة الانتقالية معطوفا على التقييم السلبي لمخرجاتها، الإطار الملائم لطرح بديل لها. تكفل الغنوشي بطرحه بعدما ذكر أنه يرفض "أن يبقى مصير بعض الشهداء غامضا وجثثهم مخفية، ويرفض أن يرى الضحية جلاده متباهيًا بماضي الاستبداد ممجدا له". كما يرفض "بقاء هذا الملف جرحا مفتوحا نازفا بشكل يقودنا إلى توريث الثارات والأحقاد". ويطلب "أن نشق أخدوداً واسعا نردم فيه كل الأحقاد وننطلق إلى المستقبل". ولهذه الغاية، نص الاقتراح على "سن قوانين تحقق المصالحة بين التونسيين وتوحدهم وتعيد تجميع العائلة التونسية الموسّعة بدون إقصاء ولا أحقاد ولا انتقام".

يكشف التأسيس النظري للمصالحة الشاملة أن من يقترحها يعتبر أن الحضور المكثف لفكرة العقاب في قانون العدالة الانتقالية القائم يعد السبب الذي منع اعتراف من نسبت لهم الانتهاكات بجرمهم ودفعهم للتباهي به. وعليه، تكون المصالحة الشاملة من هذا المنظور علاجا لفشل قائم من أبرز مظاهره غياب الحوافز للمرتكبين على الكشف عن الحقيقة أو الاعتذار من دون أن يتوصل مسار العدالة الانتقالية لتجاوز صمتهم، أو لتوثيق معلومات فيما عدا ما أفاد به الضحايا. كما يكشف ذات التأسيس عن خشية في جانب من طرحه من تحول من نسبت لهم الانتهاكات بفعل ما سيسلط عليهم من عقوبات لضحايا أو أكباش فداء يحملون مسؤولية نظام حكم برمته.

يبدو مشروع المصالحة الشاملة عند هذا الحد مقترح قانون بالغ الأهمية ينتظر أن يطرح على المجلس النيابي في نهاية العهدة النيابية. ويرتقب أن يثير هذا المشروع جدلا كبيرا داخل تونس، على اعتبار أن فكرة العفو التي يبشر بها تلقى رفضا في الوسط الحقوقي الذي يقدر أنها تكرس ثقافة الإفلات من العقاب.

 

 

 


[1]  كانت القاضية عفاف النحالي من أول من استشرفوا التحول في خطاب قيادات حركة النهضة في الموضوع وذلك من خلال تحليلها لمرافعة" سمير ديلو في قضية بسمة البلعي و "هذا التحليل الذي كشف لها قرب إعلان فكرة العفو كبديل عن العقاب – يراجع  مقال الضحية تطلب الحقيقة لقاء المصالحة: ملاحظات بشأن ثاني جلسات قضية البلعي في نابل   - منشور بتاريخ 08-10-2018  بموقع المفكرة القانونية -

[2]   بتاريخ 06-05-2015 وفي إثر اجتماع  لما كان يسمى في حينه تنسيقية أحزاب الائتلاف الحاكم، صرح  رضا بالحاج الذي كان  يشغل خطة رئيس الهيئة السياسية لحركة نداء تونس "أن التنسيقية قبلت منظومة المصالحة الشاملة التي طرحها مؤخرا رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي" من حيث المبدأ باعتبار حاجة الانتقال الديمقراطي لهذه المصالحة-  تنسيقية الائتلاف الحاكم تُوافق على مبادرة « المصالحة الشاملة » من حيث المبدأ- موقع tunisien.tn

[3] يراجع مقال "العدالة الانتقالية والمسارات الموازية" نشر بالعدد 07 من نشرية المفكرة القانونية تونس

[4]  بعيدا عن أنظار الإعلاميين و السياسيين: الغنوشي يلتقي عبد الله القلال، موقع الحياة التونسي، 18-11-2016

[5]   قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها.

[6]   مقاطع حرفية من كلمة راشد الغنوشي بمناسبة الندوة السنوية الثانية لاطارات حركة النهضة .

[7]  حسب رئيسة الهيئة سهام بن سديرين ورد على الهيئة 65 ألف شكاية وبعد الفرز أصبح  عددها 63 ألف شكاية وتظلم