فوجئ المتتبعون والمهتمون بالشأن القضائي في المنطقة العربية بإصدار مجلس القضاء الأعلى بلبنان تعميما جديدا قوامه إنكار حق القضاة في إنشاء جمعيات، وذلك بعيد أشهر قليلة من تأسيس نادي قضاة لبنان، كأول تجمع للقضاة اللبنانيين يتأسس مند زهاء نصف قرن.

هذا القرار يعيد إلى الأذهان أجواء تأسيس نادٍ مماثل للقضاة بالمغرب سنة 2011، حينما فوجئ القضاة وهم بصدد عقد الجمع العام لتأسيس جمعيتهم بمنعهم من ولوج القاعة التي قاموا بتأجيرها لهذا الغرض. ولم يثنِهم هذا المنع عن الاستمرار في عقد جمعهم التأسيسي بالشارع تحت أشعة شمس يوم 20 أغسطس تحت أنظار المارة وفي الهواء الطلق.

وبين التجربتين على مستوى مخاض التأسيس قواسم مشتركة تصب في التأكيد على أهمية فكرة تجمع القضاة كحقّ تكفله المعايير الدولية قبل أن تنظمه أي تشريعات ونظم محلية.

 

نادي قضاة لبنان خطوات التأسيس وسياق النشأة

لا شك أن فكرة تأسيس ناد للقضاة ظلت حلما يراود القضاة مدة طويلة، بعد اغتيال تجربة جمعية  "حلقة الدراسات القضائية" التي تأسست سنة 1969، و"فشل" أو "إفشال" محاولات "فردية"سابقة. لكن خلال سنة 2018 أصبحت فكرة تجمع القضاة اللبنانيين أكثر وضوحا وراهنية على وقع النقاش العمومي الذي أثاره موضوع إصلاح صندوق تعاضد القضاة بموجب مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب، حيث تأسس نادي قضاة لبنان عبر خطوات تدريجية متواصلة أبرزها:

-آذار 2017 إنشاء قضاة لبنان مجموعة واتساب شكلت فضاء عاما لهم، وذلك تصديا للمس بحقوق القضاة وبخاصة صندوق تعاضد القضاة؛

-آب 2017 تعديل تسمية مجموعة الواتساب من مجموعة "قضاة لبنان" إلى مجموعة "نادي قضاة لبنان"، وذلك مباشرة بعد إقرار مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب؛

-آذار 2018 التعهد الذي وقع عليه أكثر من 80 قاضية وقاض بإنشاء نادٍ للقضاة على هامش مناقشة قانون الموازنة العامة 2018.

-تيسان 2018: تسجيل بيان تأسيس الجمعية لدى وزارة الداخلية.

 

جدول أعمال الاجتماع الأول لنادي قضاة لبنان عزم على التغيير من الداخل وتأكيد على أهمية الانفتاح

بتاريخ 25/9/2018، عقدت الهيئة الإدارية لنادي قضاة لبنان، جلستها الأولى في مقرّ النادي، بدعوة رسمية من رئيسته. وتداول المكتب في بالمسائل المطروحة في جدول أعماله، وأهمها:  

 

أهمية التشبيك على الصعيدين العربي والدولي

وافقت الهيئة الإدارية على المشاركة في المؤتمر التأسيسي للاتحاد العربي للقضاة المنعقد في تونس بتاريخ 22/09/2018، حيث شارك وفد عن نادي قضاة لبنان، وأسفر الاجتماع عن إنشاء الاتحاد العربي للقضاة، وتوقيع النظام التأسيسي له. وكان نادي قضاة لبنان من الأعضاء المؤسسين، الى جانب عدد من الهياكل (جمعيات ونقابات وأندية..) القضائية العربية، وصل عددها إلى 12 هيكلا قضائيا، ينتمون لتونس وموريتانيا والمغرب وفلسطين وليبيا واليمن الى جانب لبنان.

وتعكس المبادرة ايمان النادي بأهمية الانفتاح على التجارب الدولية الرائدة في مجال الدفاع عن استقلال القضاء لضرورة الاستفادة منها والتنسيق بينها وتدعيم سبل التعاون الدولي المشترك بين الروابط والتكتلات التي يؤسسها القضاة.

 

تشكيل لجنة لدراسة مشاريع إصلاح القضاء آن الأوان لإسماع صوت القضاة

قررت الهيئة الإدارية في اجتماعها الأول تشكيل لجنة لدراسة مشاريع القوانين والاقتراحات المتعلقة باستقلالية السلطة القضائية والتنظيم القضائي إنسجاماً مع عريضة الاستقلالية التي وقع عليها 352 قاضياً بتاريخ 07/08/2017.

وفي هذا السياق قدمت الهيئة الإدارية لنادي قضاة لبنان بتاريخ 01/11/2018 مجموعة ملاحظات حول مقترح قانون اتصل بمنح درجات عالية للمحامين والموظفين الذين يتم تعيينهم قضاة أصيلين.

 

الانفتاح على كافة الفاعلين والتواصل مع الاعلام

أكدت الهيئة الإدارية لنادي قضاة لبنان في اجتماعها الأول على مدّ يد التعاون إلى السلطات الثلاث والرأي العام ووسائل الإعلام والمجتمع المدني ونقابتي المحامين والجهات المعنية في سبيل تحقيق أهداف النادي المنشودة.

ويعكس هذا الالتزام وعي النادي بضرورة النأي بنفسه عن أي فئوية، وأهمية انفتاحه على باقي الفاعلين داخل منظومة العدالة وخارجها، وتثمين أهمية العمل المشترك من أجل بيئة مهنية أفضل.

كما أن هذا الخطاب يؤكد على حقيقة مفادها أن الدفاع عن استقلال القضاء هو التزام وطني يهمّ كل مكونات المجتمع، لأن الرقابة المجتمعية تعتبر مهمة لتطوير وتجويد أداء هذه المؤسسة الدستورية.

 

التخليق من الداخل

قررت الهيئة الإدارية لنادي قضاة لبنان في اجتماعها الأول المنعقد بتاريخ 25/9/2018 أن يقدم أفرادها كتاباً لرفع السرية المصرفية إلى الجهات الرسمية المعنية وذلك إيماناً منها بضرورة مكافحة الفساد واتخاذ الإجراءات الآيلة لتعزيز الشفافية خاصة لدى المنتمين إلى السلطات الثلاث والعاملين في الخدمة العامة؛ وهي خطورة جريئة تندرج في إطار مبادرة القضاة أنفسهم في الانخراط في جهود تخليق منظومة القضاء، إيمانا منهم أن الاصلاح الحقيقي هو الإصلاح من الداخل.

وتلتقي هذه المبادرة بمبادرة مماثلة قام بها نادي قضاة المغرب غداة تأسيسه في مجال التخليق وذلك بقيام القضاة المنتخبين في أجهزته بالتصريح العلني بممتلكاتهم وديونهم في وسائل الإعلام، فضلا عن إعلان النادي عن برنامج محاكم بدون رشوة رغم المعارضات التي لقيتها هذه المبادرة من داخل الجسم القضائي الذي اعتبرها اعترافا صريحا من الجسم القضائي بوجود الفساد داخله .

 

تعزيز ثقة المواطن في السلطة القضائية ودولة القانون

أكد محضر الاجتماع الأول للهيئة الإدارية لنادي قضاة لبنان على أن "أي عملية إصلاحية يجب أن تبدأ بتكريس استقلالية السلطة القضائية نصاً وفعلاً"، موليا أهمية كبرى لضرورة تعزيز ثقة المواطن بالسلطة القضائية وبدولة القانون"، فالإصلاح الحقيقي للقضاء لن يتحقق من دون استعادة ثقة المتقاضين فيه.

وبعد استعراض سريع لأهم الخطوات التي قام بها نادي قضاة لبنان مند تأسيسه وفي ظرف وجيز، حري بنا أن نتساءل هل فعلا تشكل هذه المبادرة إخلالا بموجب التحفظ الذي يفترض تحلي القضاة به بحسب مدونات سلوكهم؟

 

هل يشكل تجمع القضاة إخلالا بموجب التحفظ ملاحظات أولية في ضوء "تعميم المنع"؟

أشار التعميم المنشور بموقع المفكرة القانونية إلى أن المادة 15 من قانون الموظفين تحظر على القضاة الانضمام إلى أي "منظمة" أو "نقابة مهنية"، بغض النظر عن المسمى الذي يتم اختياره لها.

كما أشار التعميم الى أن "فكرة تأسيس تجمع للقضاة يتعارض مع مفهوم ومقتضيات السلطة القضائية التي يجب العمل على تعزيز مكوناتها وتكريس خصائصها".

وعلى نقيض ذلك تماما، نجد أن من شأن تجمع القضاة تعزيز السلطة القضائية والدفاع عنها، وهو ما أشارت اليه المعايير الدولية ذات الصلة. فالمبادئ والمعايير والإعلانات والتوصيات الدولية بشأن استقلال السلطة القضائية تركّز على حقّ القضاة في تشكيل الروابط للدفاع عن استقلالهم وهيبتهم وكرامتهم ومصالحهم المهنية المشروعة.

وقد نصت المبادئ الأساسية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية والتي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي انعقد بميلانو في ديسمبر 1985 على أنه "وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين الحرية في تكوين جمعيات للقضاة أو غيرها من المنظمات لتمثيل مصالحهم والنهوض بتدريبهم المهني وحماية استقلالهم القضائي و في الانضمام إليها".

كما أن المبادئ التوجيهية المعتمدة من طرف مؤتمر الأمم المتحدة الثامن بشأن دور أعضاء النيابة العامة أكدت على هذا الدور من خلال تنصيصها على أنه: "لأعضاء النيابة العامة الحقّ في تشكيل الروابط والانضمام إليها وعقد الاجتماعات، ويحق لهم بصفة خاصة المشاركة في المناقشات العامة المتصلة بالقانون والنظام القضائي، وتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، وكذلك الانضمام الى منظمات محلية أو وطنية أو دولية أو تشكيلها وحضور اجتماعاتها دون أن يلحق بهم أي أذى من الوجهة المهنية بسبب عملهم المشروع أو عضويتهم في منظمة مشروعة".

وتؤكد مبادئ بنغالور للسلوك القضائي على أنه "يحق للقاضي كأي مواطن آخر حرية التعبير والعقيدة والارتباط والتجمع ولكن يتعين عليه دائما عند ممارسته تلك الحقوق أن يتصرف بشكل يحافظ فيه على هيبة المنصب القضائي وحياد السلطة القضائية واستقلالها".

كما تشير مبادئ مجلس بيرغ بشأن استقلال السلطة القضائية إلى أنه "يتمتع القضاة بحرية التعبير وتكوين الرابطات أثناء توليهم منصب القضاء بطريقة لا تتعارض مع مهامهم الوظيفية والقضائية أو قد تنال من حياد ونزاهة القضاء".

مما يؤكد أن التعميم يتنافى في هذا الشق مع المعايير الدولية لاستقلال القضاء.

من جهة ثالثة، أشار التعميم إلى أن من أسباب رفضه لفكرة التجمع المهني للقضاة في جمعية أو ناد أن هذا التجمع "سيمارس صلاحيات منوطة قانونا بمجلس القضاء الأعلى"، والحال أن أهداف نادي قضاة لبنان هي تلك المعبر عنها في بيان تأسيسه، وليس من بينها مزاحمة المجلس في صلاحياته. فالنادي يمكن اعتباره شريكا، وليس منافسا. كما أن صلاحيات المؤسسات الدستورية تحددها أساسا القوانين، ناهيك عن كون الأدوار المنوطة بالتنظيمات المهنية التي يؤسسها القضاة وفق أفضل التجارب الدولية المقارنة تتجاوز المهام المعترف بها للمؤسسات القضائية الرسمية.

من جهة رابعة استند التعميم على مفهوم موسع لموجب التحفظ الوارد في شرعة الأخلاقيات القضائية والذي يفرض على القضاة "الامتناع عن المجاهرة برأي يمس المحامين أو أحد زملائه"، كما يفرض عليهم تجنب المشاركة في مناسبات تقيمها شخصيات تتعاطى الشأن العام".

وإذا كان موجب تحفظ القضاة مبدأ أخلاقيا يهدف بالأساس إلى تدعيم الثقة في السلطة القضائية وأعضائها، وذلك بالكف عن زرع الشك لدى المتقاضين في حياد المحاكم والقضاة، بعدم إعطاء تصريحات أو اتخاذ مواقف تؤدي إلى هدم هذه الثقة، فإن هذا الموضوع ظل دوما مسرحا لتعدد القراءات حسب الأفق الحقوقي والوعي المدني السائد في كل دولة. لكن المعايير الدولية تبقى هي المرجع الذي ينبغي الاحتكام إليه إقرارا بطابع الشمولية لمبادئ استقلال القضاء وعدم قابليتها للتجزئة. فواجب التحفظ في المعايير الدولية وفي علاقته بحرية التعبير لا يخرج عن معنى "ممارسة القاضي لحقه في التعبير بشكل لا يؤثر على حياده واستقلاله ورفعة المهمة التي أسندت إليه". وقد حددت المعايير الدولية، صورا للالتزامات التي يفرضها واجب تحفظ القضاة، ومنها:

-عدم الخوض في القرارات القضائية بشكل ينال من مصداقيتها: جاء في المبدأ 7/3 من مبادئ مجلس بيرغ بشأن استقلال السلطة القضائية ما يلي: "يتعين على القضاة أن يكونوا متحفظين في التعليق على الأحكام أو على مسودة الحكم، أو أي مشاريع أو مقترحات أو موضوع متنازع عليه من المحتمل أن ينظر أمام محكمتهم خارج النطاق القضائي أو المحاكم الأخرى"،

-عدم إبداء تعليقات حول قضايا قيد النظر وعدم إفشاء السر المهني: جاء في المبدأ 7/2 من مبادئ بيرغ ما يلي: "يحظر على القضاة إفشاء أسرار المداولات وإبداء أي تعليقات حول الدعاوى قيد النظر".

-عدم المجاهرة بأي برأي من شأنه زرع الشك لدى المتقاضين حول تجرده وحياد القاضي: جاء في البند 4/6 من مبادئ بنغالور ما يلي: "يحق للقاضي كأي مواطن آخر حرية التعبير و... ولكن يتعين عليه دائما عند ممارسته تلك الحقوق أن يتصرف بشكل يحافظ فيه على هيبة المنصب القضائي وحياد السلطة القضائية واستقلالها".

وهي أمثلة لا تنطبق تماما على مجال عمل نادي قضاة لبنان بالشكل الذي استعرضناه أعلاه.

من جهة أخرى أشار التعميم إلى أن "الالتزام بمضمون التعميم من شأنه كسب ثقة المواطن بقضائه"، والحقيقة أن النموذج الذي يرسمه هذا التعميم هو نموذج القضاء الصامت والذي أسهم في كل التجارب المقارنة في إضعاف ثقة المتقاضين في القضاء، فالقضاء الصامت هو قضاء ضعيف.

في المقابل فإن مشاركة القضاء في المشهد العام، هو أداة لتحصينه من ثقافة التدخل، وما يسبّبه من انتهاك لحقوق القضاة والمتقاضين، وهو السبيل أيضا إلى إصلاح القضاء الذي لا يستقيم إلا مع استقلالية القاضي الذي لابدّ أن يكون مشاركا فاعلا في صنعه عوض أن يبقى مجرّد متلقّ له.

وأخيرا، فإن التعميم يؤكد وبشكل ضمني نجاح الخطوة الأولى لنادي قضاة لبنان الذي بدأ تدريجيا يظهر كفاعل جديد في الساحة القضائية، ولا شك أن محاولات المنع أو التضييق لن تزيد أصحاب المبادرة في إنشاء النادي إلا عزيمة وتشبثا بناديهم. فالمنع وإن حاول أن يطال "الهياكل" لا يمكنه بأي حال أن يطال "فكرة" تجمع القضاة، التي تجد شرعيتها من واقع معاش وتراكمات ومعطيات إقليمية ومحلية لا يمكن أبدا تجاهلها.

 

مقالات ذات صلة:

حين تجمّع القضاة في لبنان

تصوّر لمدونة أخلاقيات قضائية في المنطقة العربية: في اتجاه مدونة قادرة على تطوير البيئة القضائية

"نادي قضاة لبنان" يخرج إلى عالم الواقع: خطوة تأسيسية لقضاء مستقل وعادل

قمع جديد لحرية القضاة اللبنانيين بالتجمع: هكذا خالف مجلس القضاء الأعلى معايير استقلال القضاء