دعا الاتحاد العام التونسي للشغل لإضراب عام في الوظيفة العمومية يوم 22-11-2018 وأكد أمينه العام نور الدين الطبوبي أن موظفي القطاع العام أي المؤسسات العمومية سيضربون بدورهم مساندة لزملائهم. بررت الهيئة الإدارية  لنقابة العمال قرارها برفض الحكومة الاستجابة لمطالبها بزيادات معتبرة في الأجور تحسن الوضع المالي للموظف وتحدّ من تدهور قدرته الشرائية. بالمقابل، علّلت الحكومة رفضها الاستجابة للطلب بالوضع العام للموازنة العامة بتونس، والذي ذكرت أنه لا يسمح بالزيادة لما يعانيه من شح موارد مردها انخفاض الإنتاجية بالقطاعات المحركة للاقتصاد الوطني.

يجد الموقف الحكومي في الوسط العام من يدافع عنه فيذكر أن أجور الوظيفة العمومية تستنزف 14% من الداخل الوطني الخام بما تكون معه تونس صاحبة أكبر كتلة أجور في العالم، وبما يمنع كل تصور لزيادة في تلك الكتلة. ويضيف أن الزيادات في الأجور متى لم تسبقها زيادة في الإنتاجية وتطور حقيقي في المؤشرات الاقتصادية، لن تؤدي إلا لتضخم في الأسعار يضر المقدرة الشرائية ولا ينفعها.

من جهتهم، يردّ أنصار الاتحاد العام وقياداته على هذا القول باتهام الحكومة بالخضوع لاملاءات صندوق النقد الدولي الذي ربط منحها أقساط قرضه بالتحكم في الإنفاق العام، مذكرين بأن أجور الوظيفة العمومية بتونس هي أقل من كل نظيراتها في المنطقة. كما أنها أقل بكثير مما يتقاضاه أعوان المؤسسات العمومية التي قبلت الحكومة الزيادة في مرتباتهم. وينتهي هؤلاء إلى القول بأن الحكومة تتحمل مسؤولية الأزمة الاقتصادية بما كشف عنه أداؤها من عجز في تحصيل مستحقاتها من المتهربين من الضريبة زيادة على فشلها عن التصدي للتهريب والاقتصاد الموازي الذي ينخر المالية العامة. وعليه، هم يطلبون منها تحمّل مسؤولياتها، لا أن تطلب ذلك من الموظفين بما يحملهم تضحية تتجاوز قدرتهم. ويتمسك هنا الطرف النقابي بكون نسبة التضخم التي بلغت 7،5% والانحدار الكبير لقيمة الدينار التونسي أمرين يكفيان لوحدهما لتبرير طلب زيادة معتبرة في أجور القطاع العام ترجع للطبقة الوسطى التونسية قدرتها على الاستهلاك. ويضيف خبراء اقتصاديون أن الاستهلاك يصلح أن يكون محركا للاقتصاد المنهك.

بعيدا عن التبريرات النظرية، يجد الإضراب العام صداه في وسط الوظيفة العمومية التي تشغل أكثر من 690 ألف موظف اعتبارا لكون مطلب تحسين ظروف المعيشة يعد استحقاقا حقيقيا يتمسك به هؤلاء فيما يواجه بمعارضة محتشمة في الأوساط السياسية الداعمة للحكومة والتي يتهم مقربون منها قيادة النقابة العمالية باستغلال القضية الاجتماعية التي لا ينكرون عدالتها في محاولاتها المعلنة لإسقاط الحكومة. ويعكس اختلاف الموقفين عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها تونس والتي تعود لعجز الحكومات التي تعاقبت عن إيجاد تصورات تحرك الاقتصاد وترفع نسب النمو. كما يُبرز تداخل السياسي مع الاجتماعي تواصل أزمة الحكم بالبلاد في سنة انتخابية تؤكد المؤشرات أنها ستكون ساخنة. فيما يظهر احترام "الجميع" في خطابهم للحق في الإضراب كحق دستوري أهمية ما غنمته تونس من تطور في الثقافة الديمقراطية وهو تطور يؤمل أن يثمر مستقبلا نخبا سياسية تكون قادرة على إصلاح اجتماعي واقتصادي يُقر للأفراد بحقهم في شغل لائق وأجر يوازي جهدهم ويضمن لهم شروط العيش الكريم.