أصدر نادي قضاة لبنان ليل أمس بيانا جديدا أجاب فيه بهدوء ورصانة على مجموعة من المواقف التي تنكر عليه حقه بالوجود والتي صدرت مؤخرا عن كذا مرجع، وبالأخص عن مجلس القضاء الأعلى ونقابة محامي بيروت. وفيما أوضح للرأي العام تصوره لدوره ولأهدافه والأهم للوظيفة القضائية التي يطمح إلى تحقيقها، فإنه خصّ المحامين بفقرة خاصة أوضح فيها تصوره بشأن التكامل الحتمي بين جسمي القضاة والمحاماة بهدف تعزيز استقلال القضاء وإرساء العدالة في لبنان. وبالإمكان استخراج ست نقاط بالغة الأهمية من البيان، هي الآتية:

 

أولا، حرية القضاة بإنشاء جمعية، حرية مضمونة دستوريا

أكد البيان على حق القضاة بإنشاء ناد، أسوة بما حصل في 80 دولة. وقد اعتبر أن حقه بالوجود مستمد من الدستور ومن المبادئ والمواثيق الدولية بشأن استقلال القضاء وأخلاقياته. وفي هذا المضمار، اعتبر أن النصوص الخاصة بالموظفين العامين لا تنطبق على القضاة لتعارضها مع مبدأ استقلاليتهم. وقد ردّ النادي بذلك على مجمل الوثائق والتعاميم والآراء التي يجهد مجلس القضاء الأعلى منذ أيار الماضي في إصدارها لتجريد النادي من مشروعيته وحقه بالوجود. ولم يكتفِ النادي بالإشارة إلى التجارب الدولية والعربية في هذا الخصوص، بل ذكر بالجمعية الأولى التي أنشأها قضاة في لبنان (حلقة الدراسات القضائية) في 1969 والتي لم يتسنّ لها أن تعيش طويلا.

 

ثانيا، تعريف موجب التحفظ منعا للتعسف في استخدامه

أن البيان أعطى تعريفا واضحا لمفهوم "موجب التحفظ" المطاط والذي غالبا ما استخدم لإبقاء القضاة في حال من العزلة والصمت، على نحو يجردهم من امكانية الدفاع عن استقلالهم في مواجهة التدخلات.

وقد ورد في التعريف أن "موجب التحفظ ... يتمثل بعدم الإدلاء بما ينمّ عن تحيز طائفي أو حزبي أو فئوي وبعدم التصرف بشكل يمس بهيبة القضاء وباستقلاليته وبعدم إقامة علاقات شخصية مع فرقاء في الدعاوى المعروضة أمامهم أو وكلائهم وبعدم التردد إلى أصحاب النفوذ والمتمولين والسياسيين". وتبعا لذلك، اعتبر البيان أن أي استخدام لموجب التحفظ لتجريد القضاة من حرية التعبير أو التجمع بشكل مطلق إنما يشكل تشويهاً للموجب وخروجاً فاضحاً عن الغاية المتوخاة منه. وعليه، بدا النادي وكأنه يدعو مجلس القضاء الأعلى إلى مراجعة ذاتية: فبدل أن يشهر موجب التحفظ في وجه مؤسسي النادي أو في وجه القضاة الذين يبدون آراء بشأن التنظيم القضائي أو ضرورات إصلاحه، يجدر بهم على العكس من ذلك تماما إشهارها إلى القضاة الذين يترددون إلى دواوين أصحاب النفوذ، وفي مقدمتهم أعضاء بارزين في مجلس القضاء الأعلى.

 

ثالثا، وجود النادي، مانيفستو ضد الطائفية

أن البيان أكد على التزام النادي بالابتعاد عن آفات الفئوية والتسييس على اختلافها. فهو "خلافاً لأغلبية ما هو قائم في لبنان، غير مشوب بالطائفية والفئوية والمناطقية والحزبية والتبعية السياسية ولن يكون". وإذ يردّ هذا الأمر على مخاوف نشوء جمعيات فئوية أو طائفية، فإنه يتماشى مع تجارب التحركات الجماعية للقضاة الحاصلة في فترة الستينيات حتى الثمانينات والتي كانت كلها بمثابة مانيفستو ضد الطائفية. وكانت المفكرة أشارت مرار أن استفراد القضاة وعزلهم هو الذي يسهل تطييفهم، فيما يؤمل من تضامنهم أن يعزز الروح المهنية والمناعة في مواجهة التدخلات وتاليا منزلقات التطييف.

 

رابعا، إعلان تصور النادي للوظيفة القضائية

أن البيان أوضح تصوره للوظيفة القضائية من خلال تبني التصور المميز لها والذي كان بينه قضاة "حلقة الدراسات القضائية" في 1969. فالقضاء الذي يطمح النادي إلى إرسائه، هو القضـاء المسـتقل (أفـرادا ومؤسسـات)، القضــاء العالــم (المنفتــح بالمعرفــة علــى حاجــات مجتمعــه ومتطلبــات عصــره)، القضـاء اللاطائفـي (الـذي تقـف عنـد عتبتـه جميـع أمـراض مجتمعنا وعللـه)، القضاء الـذي يوحـي بالثقـة (بعلمـه ومناعتـه وتحـرره)، القضـاء المهـاب (الـذي يكـون القـوي عنـده ضعيفـا حتـى يؤخـذ الحـق منـه)، القضـاء المطمئـن (الـذي لا تعقلـه حاجة ولا خوف)، القضـاء المنتـج (الـذي يـدرك أن الزمـن فـي طليعـة قيـم العصـر) والقضـاء العصـري (فـي تفكيـره وتطـوره ووسـائل عملـه) وهـو أخيـرا القضـاء الـذي يوفر عدالة ذات وجه إنساني. ومن البين أن تعريف الوظيفة القضائية على هذا الوجه يقطع مع التوجه الكلاسيكي الذي غالبا ما يجرد القاضي من امكانية الاجتهاد والتفاعل مع القضايا الاجتماعية.

خامسا، تغليب المصلحة العامة واعتبارات المحاسبة على المصالح الفئوية

أن البيان أعلن أن انتصار النادي لاستقلال القضاة وحقوقهم، لا يتعارض البتة مع مقتضيات المساءلة الجدية والمنتجة لكل قاض يحيد عن رسالته القضائية. وبذلك بدا النادي وكأنه يغلب المصلحة العامة المتمثلة في "تغليب المحاسبة" و"إرساء العدالة" على المصالح الفئوية للقضاة.

 

سادسا، التكامل الحتمي بين القضاة والمحامين لإعلاء شأن العدالة

أن البيان بيّن تصور النادي في شأن التكامل الضروري والحتمي بين القضاة والمحامين لإرساء العدالة. فإذ أكد النادي على دور القضاء ومرجعيته في معالجة وحل النزاعات كافة، نوه في الوقت نفسه بما "للمحامين من دور في تمكين القضاء من تأدية رسالته وذلك من خلال دراساتهم ومرافعاتهم ووجهات نظرهم المختلفة التي يبدونها في سياق النزاعات المعروضة". كما نوه البيان ب "أن تعاون المحامين والقضاة برقي، محتم فيما بينهم لإعلاء شأن العدالة التي لا تستقيم دون وجود قضاة ومحامين شجعان وشرفاء وأحرار يناصرون القضايا العامة المحقة والنادي يأمل ويسعى إلى زمن يصطف فيه المحامون وعلى رأسهم نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس، السباقتان في الدفاع عن الحريات العامة والحقوق الأساسية، إلى جانب القضاة في تعزيز استقلاليتهم وممارسة حقوقهم". وهذه الدعوة تبدو بمثابة يد ممدودة إلى المحامين الأحرار، لتجاوز الأزمة الحاصلة بين جسمي القضاء والمحاماة، وتغليب اعتبارات التعاون والتكامل على منزلقات الفئوية والتعصب.

وقد بدا النادي هنا وكأنه لا يتردد في إجراء نقد ذاتي لموقفه السابق خلال الأزمة الأخيرة واستخلاص الدروس بما يضمن له النجاح في تحقيق أهدافه.

على أمل أن يبادل المحامون "الأحرار" تحية النادي بتحية مماثلة.