يمثل الخبز الغذاء الأساسي للمواطن في كثير من البلاد العربية، كما انه مكون غذائي أساسي في الكثير من أكلاته. بالإضافة إلى أن الحبوب، ومنها القمح، تدخل في صناعة العديد من المواد الغذائية التي يعتمد عليها المواطن في أكثر من بلد عربي. ويرمز الخبز كذلك لاستقلال الدولة وعدم اعتمادها على المعونات الخارجية. فإذا كانت الدولة تستطيع توفير الخبز بسعر مناسب لمواطنيها، فذلك يعني اعتمادها على محصولها من القمح أو الدقيق أي نوع آخر من الحبوب بشكل كبير. أما إذا ارتفع سعر الخبز فذلك يعكس اعتماد الدولة على استيراد الحبوب أو اعتمادها على المساعدات الخارجية أو وجود أزمة اقتصادية في هذه الدولة.  

وبناء على مكانة ورمزية الخبز تلك، نجد أنه كان سبب في العديد من الحراكات الاجتماعية في تلك البلاد، أو شعار أساسي لها. وبالتالي نجده حاضرًا في سياسة الدولة وخطابها بشكل كبير، لتجنب أي احتجاجات ومظاهرات من المواطنين اعتراضاً على سياستها.

ولتناول هذا الموضوع، اخترنا أن نركز على بلاد ثلاث هي تونس، ومصر والأردن. فهي بلاد لديها منظومة لدعم الخبز بهدف توفيره لكل المواطنين. وهي بلاد شهدت انتفاضات في الماضي حول الخبز، بسبب محاولة تغيير منظومة الدعم تلك، أو تقليل أو إلغاء الدعم على الخبز. كما شهدت هذه البلاد حراك في 2011، وشهدت في السنوات القليلة الماضية تصريحات من حكومات تلك الدول تعكس اتجاهها لتغيير منظومة دعم الخبز أو تعديلها، مما أدى إلى حراك في الشارع أو مناقشات اجتماعية. وهو الأمر الذي نتناوله في هذا المقال، في محاولة لدراسة علاقة الخبز بالسياسة ومدى تأثيره في تحريك الشارع.

 

الحبز كمحرك للحراك الاجتماعي في القرن العشرين

نلاحظ أن صندوق النقد الدولي له أثر كبير في دفع هذه الدول في تغيير سياستها الاقتصادية في القرن الماضي، تحت دعوى “إصلاح الاقتصاد”؛ مما أدى إلى اتجاه هذه الدول لتقليل الدعم على المنتجات الغذائية وفي مقدمتها الخبز. فنلاحظ أن قرارات حكومة سالم في مصر في عام 1977، جاءت عقب محاولة مصر الاقتراض من صندوق النقد الدولي وفرض الأخير بعض الاقتراحات الاقتصادية والمالية للحصول على هذا القرض. فأعلنت الحكومة في هذا العام عن خفض الدعم عن بعض المنتجات الغذائية منها الخبز والسكر والقمح، والسكر، والأرز، والشاي، والغاز المخصص للطهي، والجازولين، والسجائر. وهي القرارات التي أدت إلى انتفاضة لا تُنسى في التاريخ المصري، هي انتفاضة يناير 1977. فعلى أثر هذه القرارات، خرج الكثير من المواطنون إلى الشوارع للتنديد بهذه القرارات. وهي الأحداث التي تطورت إلى مشاحنات بين الشرطة والمتظاهرين وأدت إلى مقتل 79 وإصابة 566 بالإضافة حملة اعتقالات واسعة أسفرت عن اعتقال ما يزيد عن 1000 مواطن وتعطيل الدراسة في المدارس والجامعات لمدة يومين. [1]

 وتطور الأمر ليتم فرض حظر التجوال واستدعاء الجيش للنزول إلى الشوارع للحفاظ على الأمن والنظام العام. ووصفت الصحف المصرية هذه الأحداث بأنها مؤامرة شيوعية تهدف إلى قلب نظام الحكم. كما وصفها النظام الحاكم في هذا الوقت “بانتفاضة الحرامية” بسبب قيام بعض المجموعات بتخريب بعض المحال التجارية. وفي 19 يناير قام رئيس الوزراء بتعليق قرار رفع الأسعار ليلغيه البرلمان تماما يوم 20 يناير. [2]

وتكرر نفس الأمر تقريبا في تونس عام 1983، بعد رضوخ الحكومة لطلبات صندوق النقد الدولي.

 فكانت الدولة التونسية تولت مأسسة اختيار دعم أسعار المواد الغذائية لمواطنيها بموجب القانون عدد 26 لسنة 1970، من خلال استحداث “الصندوق العام في التعويض” الذي تولت تنظيم تمويله من الموازنة العامة للدولة بموجب الفصلين 47 و48 من القانون عدد 65 لسنة 1970 كحساب خزينة خاص.[3]

ولكن مع بداية الثمانينات، تراجعت المؤشرات التنموية للدولة؛ مما أدى إلى لجوئها إلى صندوق البنك الدولي لطلب الدعم الذي اشترط رفع الدعم عن الخبز لإقراضها. ورضخت الحكومة لإملاءات صندوق النقد والبنك الدولي من خلال مصادقة مجلس النواب خلال مناقشة موازنة عام 1984 على مبدأ رفع الدعم بشكل كامل على العجين ومشتقاته، مما كان يؤدي إلى رفع سعر الخبز بحوالي 112.3 %.

  ظنت حينها حكومة الرئيس الحبيب بورقيبة  أن قرارها الجريء لن يؤول لاضطرابات قد تقلقها لعدة اعتبارات منها ما قدرت من قوة للحزب الحاكم الحزب الاشتراكي الدستوري وما عاينت من ضعف رد فعل الأحزاب المعارضة والاتحاد العام التونسي للشغل المنظمة النقابية العمالية القوية. وسعى رئيسها محمد مزالي لإصباغ رفع الدعم بالشعبية بحديثه المطول في خطبه عن الحاجة لإنهاء التبذير في الخبز وعن وجود مصلحة حقيقية لسكان المناطق الغربية من البلاد التونسية التي تعد حسب المؤشرات الاقتصادية الأكثر فقرا في مثل هذه الخطوة اعتبارا لكون فلاحيها من منتجي القمح والشعير وتحرير أسعار تلك الحبوب سيدعم مداخليهم بشكل يعطي لنشاطهم الفلاحي مردودية عالية تنعكس تنمية على جهاتهم. ساند  الإعلام الحكومي هذا الخطاب في حملة دعائية منظمة هدفها التبشير بالإصلاح الاقتصادي الذي سيغير العادات الغذائية ويطور الاقتصاد. ولكن في 29-12-1983، شهدت قرية دروز (في أقصى الجنوب الغربي) أول حركة احتجاجية ضد زيادة سعر الخبز. بادر يومها عدد من سكان تلك القرية بتحرير عريضة تتضمن تذمرهم من هذا القرار وآثاره على معيشتهم وسعوا لتسليمها لمعتمد الجهة بوصفه ممثلا للسلطة المركزية. رفض هذا الأخير تسلم العريضة وتدخلت عوضا عنه القوة الأمنية لتأديب أصحاب العريضة. وأدت ردة الفعل تلك إلى تحول الاحتجاج السلمي البسيط إلى تحرك احتجاجي شابته أعمال عنف رد عليها وعلى التظاهرات الأمن باستعمال الرصاص الحي بما أدى لسقوط قتلى وجرحى بين المحتجين. وفي اليوم التالي، تضامن أهالي القرى والمدن المجاورة مع سكان الدروز، فعمت التظاهرات مدن الجنوب الغربي. ومرة ثانية اختارت السلطة السياسية أن تواجه الاحتجاجات بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي الذي خلف مجددا قتلى وجرحى وسط المحتجين. وفي تطور لافت وصلت الاحتجاجات إلى العاصمة يوم 2-1-1984  ومنها توسعت دائرتها  الجغرافية  لتشمل في اليوم الموالي  اغلب جهات الجمهورية [4]. ومثل ما حدث في مصر 1977، أعلن  رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة مساء يوم 3-1 حالة الطوارئ ودعا الجيش لتأمين المؤسسات العامة والخاصة والمرافق العامة. غير أن هذا لم يمنع من تواصل الاحتجاجات التي ازدادت عنفا. وأدى ذلك إلى إعلان الرئيس يوم 6-1 عن التراجع عن قرار زيادة أسعار المعجنات.

ولكن رغم ذلك، نلاحظ، أن السلطة اعتبرت في تصريحات لاحقة أن الانتفاضة “مؤامرة” يقف وراءها وزراء من الحكومة يطمحون لإزاحة الوزير الأول  محمد مزالي من منصبه وللفوز تبعا لذلك بلقب خليفة رئيس الجمهورية [5]. ابتعدت السلطة بعد سنة 84 عن المجازفة في ملف الخبز واختارت في معالجتها لعجز صندوق التعويض أن تتدخل بطرق متعددة لتعديل سعره سواء من خلال تنقيص وزنه أو زيادة تدريجية في سعره [6] فكان من اثر هذا أن غاب الخبز عن حراك الشارع  ليعود له بداية سنة 2011 بطلب منها تحت عنوان أداة تسوية كما سنوضح لاحقا.

ولكن يجب الإشارة هنا أن ثورة الخبز ساهمت من حيث لا يدري ناشطيها  في صناعة  التاريخ السياسي لزين العابدين بن علي. اذ أن بورقيبة الذي اقتنع بكون سبب تلك الثورة ضعف مؤسسته الأمنية عين  الجنرال بن علي بعدها مباشرة وزيرا للأمن الوطني ومن ثمة وطلبا لذات صرامته الأمنية كلفه بعد ذلك  بخطة وزير أول وهي الخطة التي أهلته لإنهاء حكم بورقيبة في 7 نوفمبر 1987 لأسباب طبية وتسلم رئاسة البلاد من بعده لمدة ثلاثة وعشرين عاما كاملة.

أما في الأدرن، ففي عام 1996 أقدمت حكومة عبد الكريم الكباريتي، على رفع الدعم عن الخبز، وذلك تطبيقاً لبرنامج إعادة الهيكلة الاقتصادية، المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي. تلى القرار، سلسلة من الاحتجاجات، في مناطق متفرقة، وتحديدا في مدينة الكرك، التي شهدت أعمال شغب وإضرام الحرائق في إطارات بالطرق، في وقت عزز الأمن العام من سياجه الأمني في العاصمة عمان وذلك منعا لأي حراك قد تشهده العاصمة في ذلك الوقت، وهو ما سمي ب “ثورة الخبز".

يتفق مراقبون بأن ما حصل في ذلك التاريخ، يشكل إنتفاضة مدنية لأهل الجنوب، ضد الفقر وسياسة الافقار الذين ضغطوا لأجل رحيل حكومة الكباريتي، التي لم تكن مخيّرة في تطبيق مطالب صندوق النقد الدولي في رفع الدعم عن الخبز والوقود وهي ما قامت به حكومة الكباريتي لكن بعد حين.

 

الخبز والحراك الاجتماعي في القرن الواحد والعشرون

كان الخبز هو شعار الثورة المصرية في عام 2011، فانطلقت المظاهرات تهتف “عيش..حرية..عدالة اجتماعية”. ومثل “العيش” هنا “الغذاء” بشكل عام وليس “الخبز” فقط. كما عبر عن تذمر المصريين من تردي الأوضاع الاقتصادية والمطالبة بتحسينها. ولكن يجب الإشارة هنا انه في السنوات الأخيرة لحكم مبارك وتحديداً في 2008، شهدت مصر أزمة تتعلق بنقص الخبز الذي أرجعه البعض لنقص الدقيق والبعض الآخر لنقص عدد المخابز التي تقوم بإنتاج رغيف الخبز، بينما ذهب فريق إلى القول بأن السبب هو ارتفاع سعر القمح، ورجح آخرون أن السبب هو غياب الرقابة على المخابز من قبل وزارة التموين. وأدى هذا النقص إلى تزاحم المواطنين للحصول على حصتهم من الخبز؛ مما سمي ب”طوابير العيش” والتي أدت في هذا العام إلى وفاة 56 شخص سموا حينها ب”شهداء العيش”.[7]

 والجدير بالذكر أن وزير التموين حينها أنكر وجود طوابير العيش، وتمسكت الحكومة بخطابها حول وجود فائض في الدقيق وعدم وجود أي أزمة حقيقية. وتدخل الرئيس مبارك حينذاك ليطلب من رئيس الوزراءووزير التموين حل الأزمة وإنهاء الطوابير؛ ثم طالب جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة بالتدخل لحل الأزمة من خلال زيادة الكميات التي تنتجها المخابز التابعة لهم وطرحها في الأسواق.[8]

 وفي أغسطس 2010، عادت أزمة خبز جديدة لتطفو على السطح حيث حصل أزمة بسبب نقص القمح بعد إعلان روسيا وقف توريد القمح لعدد من البلاد بينها مصر. وهو الأمر الذي أدى إلى نقص الخبز مرة أخرى وعودة طوابير العيش إلى الظهور ثانية؛ بالإضافة إلى رفع بعض الأفران إلى سعر الخبز. وهو الأمر الذي دفع حينها بعض نواب البرلمان إلى سؤال الحكومة حول الأمر.

وبعد الثورة، عملت الحكومات المتعاقبة على محاولة تجنب أزمات تتعلق بالخبز كما عملت على محاولة إصلاح منظومة التموين. إلا انه في 2017، ومع تولي الوزير “علي مصيلحي” وزارة التموين مرة أخرى عادت الأزمات لتطفو على السطح. ففي مارس 2017 قامت مظاهرات في عدد من محافظات مصر بسبب قرار وزير التموين “علي مصيلحي” بوقف العمل ببطاقات التموين الورقية التي يحمها العديد من المواطنين، بالإضافة إلى تخفيض حصة بعض المخابز من الخبز من 1500 رغيف إلى 500 رغيف مما يعني صعوبة حصول بعض المواطنين بالتالي على حصتهم من الخبز. وجاء هذا القرار بعد “تحرير صرف الجنيه” الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير. ثم جاء قرار تقليص حصة المخابز من أرغفة الخبز ليزيد الأعباء على المواطنين؛ مما أدى إلى خروج المواطنين في عدد كبير من المحافظات إلى التظاهر، للمطالبة بحقهم في الخبز. وأدت هذه المظاهرات إلى تدخل الشرطة في مدينة أسيوط على سبيل المثال لفض هذه المظاهرات. كما قام المواطنون في كفر الشيخ بقطع عدد من الطرق.[9]

والجدير بالذكر أن الحكومة الحالية قررت تطبيق منظومة جديدة لدعم الخبز، وهي منظومة دعم الخبز باستخدام البطاقات الذكية منذ العام المالي القادم 2018/2019.[10]

أما في تونس، فقد قرر بن علي ليلة  13-1-2011 " التنقيص في ثمن الخبز الباقات بعشر مليمات والخبز العادي بعشر مليمات " كقراره العودة لدعم " المقرونة " في محاولته احتواء الثورة الشعبية رغم وعيه بكون سبب حراكها لم يكن الاحتجاج على أسعار  الخبز. ظن بن علي أن أهمية الخبز في حياة المواطن التونسي  يكفي لأن يدفعه لقبول التنازل عن مطالبه في الإصلاح السياسي وإنهاء عهد الاستبداد السياسي. ولكن الشارع الذي انتفض ضده في اليوم الموالي طالبا رحيله كذب تقديره بما اضطره لمغادرة تونس في اتجاه منفاه الاختياري. أورث بن علي من تسلموا السلطة بعده قراره التخفيض في سعر الخبز وكان أن التزموا بتعليماته تلك بعد رحيله طلبا لرضاء الشارع. ولم تجرؤ الحكومات التي أعقبته على مراجعة هذا القرار رغم ضغط الموازانات وتعمق عجز صندوق التعويض وتعمد أصحاب المخابز بيع الخبز للعموم بسعره المحدد قبل تخفيض ثمنه ليستولوا لخاصتهم على الأموال الزائدة عن ذلك والتي يتحمل عبأها صندوق التعويض دون أن يستفيد منها من بقصدهم بخدماته. وقد  أكد هذا التعاطي السياسي أن تلك الحكومات لازالت محكومة بهاجس الخوف من  الخبز الذي عجز ساسة تونس عن تصور علاقته بالوعي السياسي للمجتمع الذي يحكمون.

 أما في الأردن، فتقوم الدولة بوضع أسعار تفضيلية للقمح مع توزيع قواسم مالية للفقراء بدلًا من دعم الخبز. ولكن في قرار أتخذته الحكومة الأردنية السابقة "حكومة هاني الملقي"، التي أعلنت بداية عام 2018، عن أن حصول المواطنين على الدعم سيكون قبل تنفيذ إزالة الدعم عن الخبز، في وقت خصصت في موازنتها الحالية مبلغ 171 مليون دينار تحت بند (شبكة الأمان الاجتماعي، إيصال الدعم لمستحقيه) من بدل دعم الخبر والباقي ورفع ضريبة المبيعات على السلع الغذائية المصنعة. وهو ما يعني أن دعم الدولة للخبز سوف يتوقف، وسيكون متاحا الدعم فقط للمتقدمين، الذين عليهم إقرار مدخولهم، عن طريق التقدم إما على الانترنت او مراجعة جهات ذات الصلة. ويأتي هذا القرار تماشياً مع سياسات صندوق النقد الدولي، القاضية برفع الدعم عن أي سلعة وتحرير الأسواق والتجارة ورفع الضرائب المباشرة وغير المباشرة، كي تتمكن الحكومة الحصول على قروض جديدة.

وواجهت الحكومة في شهر 6-2018 واحدة من أكبر الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها الأردن تحت شعار “خبز، حرية وعدالة اجتماعية” مثل شعار الثورة المصرية. بالإضافة إلى المطالية بمكافحة الفساد والفاسدين. واعتمد الحراك على إضرابات ووقفات للنقابات، ومظاهرات. وقد أدت هذه الاحتجاجات عن التراجع عن قرار رفع أسعار المشتقات النفطية، وسحب قانون الضريبة، بالإضافة إلى إقالة الحكومة.

    

خاتمة

نلاحظ من العرض السابق مكانة الخبز الهامة عند المواطن العربي الذي ينتفض عند المساس به. ففي مصر على سبيل المثال، ورغم منع التظاهر بشكل كبير حاليًا، إلا أن الدولة لم تستطع منع المواطن من التظاهر ضد القرارات الخاصة بتخفيض حصته من الخبز أو محاولة المساس بسعره. ولم يخشى المواطن كذلك من قانون “تنظيم التظاهر” الذي يرتب عقوبات بالسجن لسنوات طويلة عند التظاهر بدون ترخيص. كما أن النظام يعي أهمية الخبز عند المواطن، وهو ما نلاحظه في محاولة بن علي تقليل سعر الخبز لوئد الانتفاضة التونسية في 2011، رغم عدم مطالبة الثوار بذلك.

نلاحظ كذلك أن تعامل الدول الثلاث مع الانتفاضات المتعلقة بالخبز تتشابه إلى حد كبير، فوصفت الأنظمة والإعلام انتفاضات القرن العشرين ب”المؤمرات” رغم استجابتها لهذه الانتفاضات في وقت لاحق، ولكن ظل هذا الوصف معتمد في خطاب الدول إلى حد كبير. كما تعاملت الدول الثلاث مع هذه الانتفاضات بالكثير من العنف الذي أدى في أغلب الأحيان إلى اتساع دائرة الاحتجاجات.

ويظل الخبز حتى يومنا هذا المحرك الأول للشارع العربي، بمعناه المباشر ومعناه الرمزي المُعبر عن سوء الأحوال المعيشية والاقتصادية. كما يظل حتى يومنا هذا السعي إلى الاقتراض والسياسات المفروضة من صندوق النقد أو البنك الدولي هي الدافع الأساسي للحكومات لرفع الدعم عن السلع الغذائية واتجاهها إلى تبني سياسات اقتصادية أكثر ليبرالية أو رأسمالية. وهو الأمر الذي يعكس غياب التطور الاقتصادي لهذه البلاد منذ القرن العشرين وذلك لغياب الرؤية التنموية والاعتماد على المعونات الاقتصادية والمساعدات الخارجية؛ بالإضافة إلى انه لا يمكن إغفال الفساد الذي تعاني منه قطاعات كثيرة في هذه الدول.

 


[1] Ram Sachs, “On Bread and Circuses: Food Subsidy Reform and Popular Opposition in Egypt”, Center for International Security and Cooperation- Stanford University- May 21, 2012

[2] Ram Sachs, “On Bread and Circuses: Food Subsidy Reform and Popular Opposition in Egypt”, Center for International Security and Cooperation- Stanford University- May 21, 2012

[3]  نص الفصل الثالث من القانون عدد 26 لسنة 1970 المؤرخ في 19-05-1970 المتعلق بضبط الأسعار وزجر المخالفات الاقتصادية على أن " يحدث  صندوق عام للتعويض يرمي للضغط على أسعار البضائع والمنتجات والخدمات  الضرورية خاصة بواسطة منح أو إدخال تعديلات على تلك الأسعار "

[4]   صدر أول بلاغ عن السلطة السياسية فيما تعلق بالأحداث يوم 02 جانفي 1984 كان مصدره وزارة الداخلية وورد فيه " جدت منذ يوم 29 ديسمبر الماضي حوادث شغب وتظاهرات بالطريق العام بجهات قبلي والحامة والقصرين وقفصة قام بها بعض البطالين ( يلاحظ هنا أن البطالة كانت مرادف لشتيمة ) والمتطفلين والمناوئين نتج عنها عنف شديد ونهب وإضرار بالممتلكات العامة والخاصة مما اضطر قوات الأمن للتصدي الى المفسدين والحد من الأضرار "  

[5]     يقول محمد مزالي في كتابه " محمد مزالي نصيبي من الحقيقة وزير أول في رئاسة بورقيبة يشهد : " أقول مؤامرة ولا أقول ثورة الخبز. نعم كانت مؤامرة في كل شيء، في تخطيطها وفي تنفيذها وفي الأمل من جني ثمارها. صممتها ونسقت أطوارها وسيلة بورقيبة بالتعاون مع وزير الداخلية إدريس قيقة وعدد من أصدقائها في الدولة والحزب الحاكم ،وكان الغرض من هذه المكيدة النيل من مكانة الوزير الأول بإثارة الغضب الشعبي ضده، وبث الاضطرابات، وإشعال نار الفتن، وكل ذلك لإقناع بورقيبة بأن البلاد غير ممسوكة وأن الوزير الأول لا يتمتع بثقة الجماهير "

[6]  رفعت السلطة بداية شهر فيفري 1984 ب 10 بالمائة في سعر الحبوب و خفضت بتاريخ 12 أوت 1989 من وزن الخبزة من 600 غرام الى 500 غرام وزادت في ثمن خبز الباقات بعشر مليمات  لتعتمد بعد ذلك بشكل شبه دوري وسنوي على زيادات بسيطة في سعر الخبز بغاية تخفيف دعمه.

 راجع: “مصر..أزمة خبز أم أزمة نظام”- السويس انفو- 6-4-2008. وراجع : رنا الجميعي، “بين 2008 و2017..كيف تعامل مصيلحي مع أزمة العيش؟”، مصرواي، 10-3-2017. [7]

 راجع حلمي النمنم، “طوابير العيش وافتقاد الشفافية”، المصري اليوم، 20-3-2008.[8]

 راجع “القصة الكاملة: وزير مبارك يُشعل “انتفاضة الخبز” بالمحافظات”- مصر العربية- 7-3-2017[9]

 راجع خبر “الحكومة: بدء تنفيذ منظومة الخبز المدعم بالبطاقات الذكية للعام المالي 2018/2019”، نُشر على موقع اليوم السابع، بتاريخ 27-6-2018. [10]