بتاريخ 4/12/2018، أصدرت محكمة مطبوعات بيروت أحد أبرز أحكامها منذ أكثر من عشرين سنة، بإبطال التعقبات ضد أستاذ محاضر بمادة الآثار في الجامعة اللبنانية د. ناجي كرم، على خلفية تصريحاته دفاعا عن الآثار والمباني التراثية في لبنان. وقد بنت المحكمة حكمها على عبارة وضعناها كعنوان ثانٍ لهذا المقال بالنظر إلى دلالتها، ومفادها أنه "لا يستقيم عدالة وقانونا إدانة من يصوّب ويدلّ على الفساد بشكل موضوعي".

وكان وزير الثقافة السابق غابي ليون قد أقام الدعوى ضد كرم، على خلفية الانتقادات القاسية التي كان وجهها إليه في برنامج تلفزيوني، بشأن سوء إدارته لملف الآثار آنذاك، وبالأخصّ فيما يتصل بهدم المنزل الذي كان يسكنه الكاتب أمين معلوف والمرفأ الفينيقي. وكانت هذه العبارات تضمنت اتهامات مباشرة للوزير بالتخلّف والجهل والفساد وصولا إلى المطالبة بإقالته، حماية لما تبقى من التراث اللبناني. ومن أهم ما جاء في التصريحات المدعى بها: "أكثر من غباء، هنالك إجرام. إذا كان غباء فهي مصيبة، وإذا كان إجراما بحق التراث المصيبة أكبر. في الحالتين، النتيجة ذاتها: تراثنا يتدمر ويتخرب على يد المسؤولين عن حمايته"، "هذه ليست المرة الأولى لسوء الحظ مع الوزير الحالي (التي يرجع فيها الوزير عن قرار حماية لموقع معين)، المينا الفينيقي كان مصنف كسروا قراره، المدرج الروماني مصنف وكاسر القرارات ويريده أن يبيعه للقطاع الخاص". "الوزير ليون من هو ليمحو آثارا شخصية بأهمية آثار أمين معلوف في بيروت" "لم يعد بمستطاعي إلا الحديث عن الفساد".

وقبل المضي في تبيان أهمية الحكم وأبعاده، تجدر الإشارة إلى أن غرفة المحكمة تكونت من القضاة رفول البستاني رئيسا وهبة عبدالله وناديا جدايل مستشارتين وأن المحامي ميشال عازار هو الذي تولى مهمة الدفاع عن كرم في هذه القضية. كما تقتضي الإشارة إلى أن الدعوى كانت بدأت فصولا، من خلال شكوى تقدم بها الوزير السابق إلى النيابة العامة التمييزية، التي بذلت جهدا للتحقيق فيها قبل أن تأمر النيابة العامة في بيروت بتقديم ادّعاء عامّ في هذا الشأن. وهذا الأمر يشكّل مؤشرا جديدا على تخصيص النيابة العامة التمييزية (وهي رأس هرم النيابات العامة في لبنان) جزءاً هاماً من وقتها للتحقيق في قضايا القدح والذمّ. فرغم أنّ هذه الجرائم تعتبر ضمن فئة الجرائم غير الخطيرة (التي يعاقب عليها القانون بحبس أقل من سنة)، فإنها تصبح من منظور النيابة العامة التمييزية جرائم بالغة الأهمية، نظرا لاتصالها بكرامة هذا الوزير أو هذا السياسي أو ذاك. وهذا ما انتقدته "المفكرة" مرارا معتبرة أن النيابة العامة تحولت من خلال هذه الممارسات من "تمييزية" إلى "امتيازية"، بحيث يكون لكل النافذين ما يشبه الامتياز بالاستعانة بخدماتها، من دون الاضطرار للجوء كعامة الشعب إلى النيابات العامة الاستئنافية.

 

أسس الحكم:

كما سبق بيانه، استهلت المحكمة حكمها بالعبارة التي أوردناها في عنوان المقال. وقد شكلت هذه العبارة بالنسبة إلى المحكمة المدماك الأساسي لتوجهها الاجتهادي الجديد، ولمجموعة من الشروط التي استنبطتها منها لتغليب حرية التعبير على حق الشرف المدعى به، والتي باتت بحكم القواعد "المكرس (ة) في الاجتهاد الدولي" حسب المحكمة.

فأولا (توفر المصلحة العامة)، هنا تحدث الحكم عن أحقية الصحافة (والمواطنين ضمنا) بتنوير الرأي العام حول الأفكار والأمور المتعلقة بالسياسة والثقافة وبالمصلحة العامة بشكل أدق، معتبرة ضمنا أن المسائل المتصلة بحماية الآثار والتراث هي حكما من المصالح العامة التي يهم تنوير الرأي العام حولها،

وثانيا (نسبية حق الشرف للمسؤولين)، هنا ركزت المحكمة على أهمية قبول السياسيين وأشخاص القانون العام بأنهم عرضة للمساءلة والنقد، طالما أنهم يتولون إدارة الشأن العام. وقد تميزت المحكمة في هذا الإطار بالإحالة إلى قرار كولومباني الشهير الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بتاريخ 25/6/2002 مع إيراد مقاطع واسعة منه باللغة الفرنسية في متن الحكم، ومنها المقاطع التي اعتبرت فيها أن حق الانتقاد يكون أوسع بما يتصل بأعمال السياسيين وأنه يفترض التسليم أن مجرد قبول هؤلاء تولي مسؤوليات عامة هو عمليا قبول منهم بالتعرض للنقد. وتتابع المحكمة وفق ما جاء في المرجع الذي استشهدت به أنه يتوجب بهؤلاء أن يكونوا أكثر تسامحا من سائر المواطنين في هذا المجال. ومن هذه الزاوية، استعاد الحكم مفهوم "الحق بالشرف النسبي" للقيمين على الخدمة العامة، والذي كان عبر عنه الحكم الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف في حكم آخر شهير بتاريخ 16/7/2013.

وثالثا (التقييم النقدي والموضوعي من دون تجاوز)، هنا اعتبرت المحكمة أن المدعى عليه انتهج "أسلوبا نقديا متسما بالموضوعية والمهنية والتقنية العلمية، انطلاقا من كونه أستاذا محاضرا بمادة الآثار في الجامعة اللبنانية، وقد تمت استضافته على هذا الأساس"، وأنه "راح يعرض حججه ردا على أسئلة مقدمة البرنامج دون أن يصدر عنه أي سباب أو كلام ناب..". ومن دون أن تعلن المحكمة صراحة صحة الوقائع التي وردت في تصريحات كرم (ربما من باب الديبلوماسية المشروعة)، فإنها ذهبت ضمنا إلى تأكيد انسجام هذه الوقائع مع السياق العام لسياسات وزارة الثقافة في التعامل مع الآثار. وهذا ما يتحصل من قول المحكمة بأن أجوبة كرم في المقابلة الصحفية أتت "ضمن سياق البحث والتحليل للواقع المرير الذي تتعرض له الآثار في لبنان من استهتار وتفريط وتبديد، كما حصل بموضوعي هدم شقة والدة الكاتب أمين معلوف، وهدم المرفأ الفينيقي" ... لا بل أن المحكمة ذهبت إلى حدّ القول بأن استعمال عبارات مثل "إجرام بحق التراث" و"جهل" و"تفريغ بيروت من وجهها الثقافي" و"خطر على التراث" ...، لا تعتبر من قبيل القدح والذم، إنما تندرج ضمن التقييم الموضوعي لأداء وزارة الثقافة أمام واقع مرير تتعرض له الآثارات من وجهة نظر المدعى عليه.

ورابعا (القصد هو الدفاع عن مصالح المجتمع)، هنا أعلنت المحكمة عن قناعتها بأن القصد الوحيد للمدعى عليه هو الدفاع عن مصلحة المجتمع. وهذا ما نقرأه بوضوح في حيثية جاء فيها نقلا عن التصريحات التي أوردها في المقابلة المدعى بها تعليقا على دعوته إلى محاضرة في اليونيسكو في باريس: "أنا مش رايح سب الوزير ولا إنتقد الوزير، أنا رايح دافع عن تراث بلادي. اللبنانيين برا (أي في الخارج) لازم يعرفوا شو عم بيصير". وعليه، تكون بينت ضمنا أن المدعى عليه لا تحدوه أي نية بالإساءة إلى الوزير شخصيا، وإن أدت العبارات إلى الإساءة إليه عرضا نظرا لارتباطه بالقضية.

هذه هي أهم الحيثيات التي انبنى عليها الحكم المذكور، والتي انتهت المحكمة على أساسها إلى إعادة الاعتبار لأستاذ جامعي أراد أن ينصر التراث في مواجهة المعتدين عليه وعلى المجتمع، فوجد نفسه في خانة المدعى عليه.

 

ملاحظات بشأن أبعاد الحكم

مما تقدم، أمكن إبداء الملاحظات الآتية:

  1. أن هذا الحكم يشكل من دون ريب أحد أبرز الأحكام الصادرة عن محكمة مطبوعات بيروت في العقدين الأخيرين. فالحكم الوحيد الصادر عن محكمة المطبوعات خلال هذه الفترة والذي يقبل المقارنة مع هذا الحكم، هو الحكم المؤرخ في 25/1/1999 في قضية الوزير السابق شاهي برصوميان ضد النهار، حيث اعتبرت المحكمة أن ثمة أدلة قوية على أعمال الفساد المنسوبة لبرصوميان، وصولا إلى تبرئة النهار من جرم الذم على أساس المادة 387 من قانون العقوبات. ومن هذه الزاوية، جاز القول أن هذا الحكم يشكل منعطفا ومبعث أمل في انتهاج محكمة المطبوعات وبشكل أعم القضاء اللبناني دورا حمائيا لحرية التعبير، مبعث أمل تعززه الأحكام الصادرة قبل أيام من صدوره عن القاضية المنفردة الجزائية عبير صفا في قضايا ناشطي حراك صيف 2015 وعدد من قضاة الأمور المستعجلة وبخاصة في قضيتي سكر الدكانة وأوجيرو،
  2.  أن هذا الحكم يمهّد لبناء اجتهاد حديث في شؤون حرية التعبير، وذلك من خلال الشروط التي تؤدي في حال اجتماعها، إلى تغليب اعتبارات حرية التعبير على دولة المقامات (الزعامات)، وما تفترضه من هيبة. وهذا أمر بالغ الأهمية لنقض العائق الأكثر خطورة أمام هذه الحرية،
  3. أن هذا الحكم يشكل محفزا لكل المدافعين عن حقوق المجتمع (والدولة)، والذين غالبا ما يجدون أنفسهم موضع اتهام وملاحقات على خلفية تعرضهم لأصحاب النفوذ، للمضي قدما في الدفاع عن قضاياهم. فمن شأن أحكام كهذه أن تعيد للقانون وتاليا للقضاء دوره الأساسي في إرساء عدالة تنسجم مع الصالح العام والمنطق: فلا يكون سلاحا بيد الفاسد ضد من ينتقده، إنما أولا سلاح بيد المجتمع ضد من يعتدي عليه.