مع كل حراك شعبي في السودان وطيلة تسع وعشرين عاماً من حكم الرئيس السوداني عمر البشير، يسقط ضحايا متظاهرون بالرصاص الحي. قد تتفاوت أعداد القتلى بين مظاهرة وأخرى، لكن القاسم المشترك هو أن الفاعل يبقى في الغالب مجهولا حسب السلطات الرسمية، أو تلصق التهمة بقوى معارضة كما حصل في مظاهرات الأسبوع الماضي. ولا يستثنى من ذلك إلا حالات قليلة جداً تكاد تحصى على أصابع اليد الواحدة.

في احتجاجات ديسمبر 2018 الحالية، اعترفت السلطات الرسمية على لسان وزير الإعلام المتحدث الرسمي بإسم الحكومة بشارة جمعة أرور أن سبعة عشر شخصاً  قتلوا بالرصاص، فيما أحصت منظمة العفو الدولية (37) قتيلاً وفق تقريرها المستند لمصادرها الخاصة.

ورغم أن الدستور السوداني يكفل حق التظاهر للمواطنين، إلا أن ما يحدث عملياً في كل مرة هو أن المظاهرات تتعرض لقمع عنيف ليس أقل من التفريق بالقوة تحت الضرب وقنابل الغاز المسيل للدموع وتصل للموت بالرصاص كما حدث في غالب مظاهرات الأسبوع الماضي وسابقه في مختلف مدن السودان، مستغلةُ ذريعة التخريب وإتلاف الممتلكات العامة. وهي أمور ينفيها المتظاهرون والمراقبون معاً.

ومع بداية المظاهرات، قال رئيس الوزراء السوداني معتز موسى في تصريحات صحفية أن الدستور يكفل حق التعبير والتظاهر السلمي للمواطنين، دون تخريب الممتلكات والمنشآت العامة والخاصة. إلا أنه بالرغم من حديث المسؤول التنفيذي الأول بالبلاد، سقط متظاهرون صدروا هتافهم بعبارات (سلمية سلمية.. ضد الحرامية). ويقول المحامي المتطوع لمتابعة قضايا ضحايا المظاهرات الأخيرة المعز حضرة لل "المفكرة" إن لجنة المحامين المتطوعين سجلت حتى الآن (50) حالة قتل بالرصاص الحي من إتصالات مباشرة مع أهاليهم. كما سجلت حتى يوم التاسع والعشرين من ديسمبر ما يزيد عن (500) حالة إعتقال، هم فقط الذين أبلغ ذووهم عنهم للجنة.

لا يعرف الكثيرون في الشارع العام عن هذه اللجنة. لكن تقييدها لهذا العدد رغم ضيق دائرة السامعين بأمرها يشير إلى أن الأعداد ربما تكون أكبر بكثير، مع لفت النظر لتباين إحصاءاتها مع تلك المعلنة من السلطات الرسمية والأخرى من منظمة العفو الدولية. ومع ذلك تستمر الدعوات للتظاهر السلمي تحت لافتة (تجمع المهنيين السودانيين) غير معلن القيادة أو المقر.

وفيما توالي السلطات إتهام جهات معارضة بالتسبب في قتل المتظاهرين، أعلنت عشية الجمعة الماضية ضبط خلية مسلحة تتبع لحركة تحرير السودان المعارضة بقيادة عبد الواحد محمد نور المقيم في باريس. وقد تفاعل المعارضون السلميون عموما مع الخبر كما لو أنه صحيح. وقد اعتبروا أن تحميل الحركة المسؤولية والقبض على المشاركين فيها وفق ادعاء السلطات العامة، يعني أن السلطات الرسمية باتت تضمن نهاية القتل العشوائي للمتظاهرين. فما دامت الحكومة ألقت القبض عليهم، فمن سيقتل الناس تالياً؟

ويؤكد المحامي المتطوع والمختص في القانون الجنائي السوداني والقانون الدولي الإنساني المعز حضرة أن تسجيلات منتشرة تبين قناصة يعتلون سطوح مبان في قلب العاصمة الخرطوم وهم يطلقون النار على المتظاهرين السلميين، وأن هذه الصور تدحض أن يكونوا عناصر مسلحة متفلتة كما تزعم السلطات. ويستشهد المحامي حضرة بحديث مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني الفريق مهندس صلاح عبد الله قوش بأنه يتابع المظاهرات عبر تقنية الساتلايت. كما هو يلفت إلى أن إطلاق النار على المتظاهرين يضع مرتكبيه تحت طائلة القانون الدولي الإنساني في شقه المختص بالجرائم ضد الإنسانية وفق إتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949 وإتفاقية لاهاي للعام 1952 وكلاهما موقع عليهما ومصادق من قبل السودان. لكن لم يكن المسلحون فقط من أصحاب الزي المموه. ففي حديثه لل (المفكرة) أكد الصحفي بيومية التيار السودانية خالد فتحي إنه شاهد بنفسه مسلحاً بزي مدني يحمل سلاحا ناريا من فئة الكلاشنكوف وهو يردي متظاهراً ويصيب آخرين.

ويذكر حضرة بأن شهود عيان في مدن مختلفة تطابقت إفاداتهم بأن عدداً كبيراً من مطلقي النار يرتدون زياً مشابهاً لقوات الشرطة التي كانت منتشرة في كل المظاهرات. لكن وزارة الداخلية تنفي مسؤوليتها عن إطلاق النار في كل الأحوال، متذرعة أنه على فرض صحة تورط عناصر من الشرطة، فإن المسؤولية المباشرة في هذه الحالة تقع على مدير قوات الشرطة السودانية بوصفه المسؤول الأول عن الشرطيين حسب تعديل قانون الشرطة السودانية قبل بضعة أعوام والذي سحب تفويض القوات الشرطية باستخدام القوة والرصاص من وزير الداخلية وأعاده لمدير عام قوات الشرطة. وفي هذه الحالة، فإن رئيس الجمهورية المشير عمر البشير يبقى مسؤولا باعتباره القائد الأعلى لكل القوات المسلحة السودانية بما فيها الشرطة.

في صفوف المتظاهرين تتجدد دوماً التنبيهات والإشارات إلى أن قوات الشرطة التي تصاحب الحراك السلمي ترتدي زيها الأزرق المموه المعتاد، وهو نفس ما يلبسه القناصة ومطلقو الرصاص الحي. لكن الفارق أن مطلقي النار دوماً تميزهم الملابس الجديدة ولا ينتعلون أحذية عسكرية، بل يضعون على أقدامهم أحذية مختلفة وعادية، مؤكدين أنها قوة مسلحة غير معروفة رسمياً لكنها تتبع حسب أقوالهم على مختلف وسائل التواصل الإجتماعي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم والتنظيم المساند له وهي تعرف بتسمية (الأمن الشعبي).

وبحسب الدستور السوداني الحالي والساري من العام 2005، وبنص المادتين 39 و40 منه على التوالي، فإنه يضمن حق التجمع والتظاهر السلمي  لكل الأفراد، وينص على كفالة حرية التعبير، ما يجعل أي تحرك سلمي محميا بالقانون لا يحتاج حتى إلى إذن مسبق من أي سلطات. فالدستور هو القانون الأعلى وهو ما يحفز المحامي حضرة للمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة، معلناً عدم ثقته في تلك المكونة من قبل النائب العام الذي يعينه ويقيله رئيس الجمهورية ما يجعله طرفاً غير محايد ولا يتمتع بالنزاهة وفق تعبيره .

الأحداث الحالية التي سقط فيها متظاهرون صرعى برصاص مجهول، سبقتها  قبل خمسة أعوام تظاهرات عرفت لاحقاً بأحداث سبتمر، سجل فيها محامون متطوعون حصيلة قتلى عالية تجاوزت السبعمائة. وقد أقرت الحكومة نفسها آنذاك ب ( 234) قتيلاً، وعرضت ديات على الأهالي رفض بعضهم إستلامها. لكن المسار القضائي فيها لم يسفر عن نتيجة حتى اليوم. وهو ما يحذر منه المتظاهرون هذه الأيام، سيما وأن الفضاء بات متسعاً بما يكفي لتناثر فيديوهات وتسجيلات مختلفة تشير إلى جانِ يظل مجهولاً على الدوام في السودان.