احتاج الأمر ست سنوات كي يسجل نقابيو سبينس انتصارا ثمينا جدا. تمثل هذا الانتصار في الحكم الرائد الصادر عن القاضية المنفردة الجزائية في بيروت رلى صفير بتاريخ 20/12/2018 والذي انتهى بإدانة المدير التنفيذي للشركة مايكل رايت والشركة جزائيا على أساس المادة 329 من قانون العقوبات التي تعاقب كل فعل من شأنه أن يعوق اللبناني عن ممارسة حقوقه المدنية بالحبس من شهر حتى سنة إذا اقترف بالتهديد والشدة وبأية وسيلة أخرى من وسائل الإكراه المادي أو المعنوي. وقد جاء هذا الحكم ليكلل سنوات من الاجراءات القضائية.

أثناء الدعوى، تمكّن النقابيون المصروفون من الشركة من توثيق رواية معاناتهم في محضر قضائي رسمي. رووا ما تعرضوا له من تدابير تمييزية وإذلال في شروط العمل (نقلهم إلى فروع بعيدة، تغيير طبيعة عملهم تكليفهم بأعمال مذلة ومجهدة)، وقد وصل بعضها حدّ الاعتداء الجسدي، كل ذلك على خلفية تأسيسهم نقابة عمالية للدفاع عن حقوقهم. رووا كيف تجبرت واستكبرت إدارة الشركة بوجههم، كيف وضعتهم ووضعت زملاء كثيرين لهم أمام معادلة: "الاستقالة من النقابة، أو الصرف من العمل". رووا كيف أُرغم العشرات من زملائهم على الاستقالة من النقابة بموجب نموذج كتاب واحد أعدته الشركة وأرغمتهم جميعا على التوقيع عليه، رووا كيف تم تفريغ النقابة من أعضائها بفعل الضغوط المذكورة، بحيث أصبح مجلس النقابة مكوّنا فقط من ثلاثة أشخاص صرفوا كلهم من العمل. شهاداتهم الموثقة في سجلات المحكمة باتت مستندا رسميا يوثق قضائيا إحدى أهم المعارك النقابية في لبنان.

وفي مواجهتهم، حضر مدير محلات سبينس مايكل رايت. لم يكن أقلّ تجبّرا من العادة. كان يتكلم بثقة عالية: فرغم كل ما فعله من أعمال ترهيبية بحق الأجراء، استطاع حتى الآن أن يفلت من أي محاسبة. تحالفاته السياسية مع أحزاب وظفت وربما توظف أتباعها في محلاته ضمنت له حتى تلك اللحظة الأمان. من المفيد أن نتذكر أن وزارة العمل في وقتها (2012) امتنعت عن اتخاذ أي تدبير حمائي للعمال، للأجراء رغم لجوئهم المتكرر إليها، وتصرفت وكأنها لا ترى ولا تسمع ما يجري في شركة سبينس. ظنّ رايت أن كل أجهزة الدولة تجامل الأقوياء والنافذين تماما كما فعلت وزارة العمل. فلماذا يقلق أمام المحكمة؟ وعليه، وبالثقة نفسها، أقر رايت أنه لم يحترم مرسوم زيادة الأجور لأنه مضر بالاقتصاد اللبناني، أقر أنه رفض التحاور مع النقابة وأنه رفض الاعتراف بها لأنها تخفي مشروعا سياسيا، أقر بأنه وصف بعض مؤسسيها بالأشخاص القذرين. ورغم شخصيته المتعالية، شكلت المواجهة بحد ذاتها لحظة هامة، طالما أنها كانت المرة الأولى التي توجه فيها أسئلة إليه من جهاز رسمي بحضور النقابيين ضحاياه أنفسهم.

المهم في هذه القضية والحكم الصادر عنها، ليس فقط ما أتاحته من مسرح لرواية المعاناة أو للمواجهة، ولكن هي تكتسي أهمية فائقة من زوايا ثلاث أخرى:

الأول، موضوع الدعوى ومآلها. فالدعوى ليست دعوى عمالية عادية يطالب فيها أجير بتعويضات على خلفية الاعتداء على حقوقه. بل هي دعوى جزائية سعى الأجير من خلالها إلى تحريك الحق العام في مواجهة صاحب العمل، معتبرا أنّ الانتهاك الذي تعرّض له لا يشكل اعتداء عليه ينتهي بتعويضات وحسب، بل اعتداء على المجتمع برمته يجدر أن ينتهي بعقوبة جزائية. ولهذه الغاية، استند المدعون إلى المادة 329 المذكورة أعلاه والتي طبقت للمرة الأولى في القضايا العمالية. وعليه، وبفعل هذا الحكم، باتت مخالفات أصحاب العمل عرضة لملاحقة جزائية كلما منعت العمال من ممارسة حق مدني أساسي (الحرية النقابية أحدها، ولكن ليست الوحيدة). ومن هذه الوجهة، يرتدي الحكم أهمية مضاعفة في الزمن الحاضر: ففيما يزيد بفعل الأزمة الاقتصادية اللاتوازن الواقعي بين أصحاب العمل والعمال، يصبح من الملح أكثر أن يتدخل القانون والقضاء لإعادة بعض التوازن لهذه العلاقات.

الثاني، أن القاضية الناظرة في هذه القضية رلى صفير عكست من خلال حكمها تصورا لوظيفتها القضائية، قوامها حماية الحقوق والحريات، بحيث فتح تفسير المادة 329 من قانون العقوبات بابا وسعا لتفعيل عددد كبير من الحقوق المدنية ولحماية العمال وسائر المواطنين ضد أي تجبر أو إكراه يمنعهم من ممارسة حق أساسي. ولا بد من التذكير أن قضاة عدة كانوا انتصروا سابقا لقضية سبينس منهم القاضية زلفا الحسن التي كانت اتخذت تدابير حماية، والقاضي نديم زوين الذي رد طلبات بتعطيل انتخابات النقابة وأيضا محكمة التمييز (برئاسة غسان فوز) التي كانت قضت بتعويضات هامة في إحدى القضايا العمالية (مخيبر حبشي) بعدما تثبتت من تعرض جسيم لحقوقه.

ونأمل أن تأخذ محاكم المطبوعات هذه الوقائع الجديدة بعين الاعتبار وصولا إلى رد جميع دعاوى القدح والذم التي قدمت ضد الذين دافعوا على العمال والأجراء (وفي مقدمتهم شربل نحاس ومحمد زبيب)، على اعتبار أنهم كانوا يقومون بواجب وطني بالدفاع عن حرية دستورية وبفضح جرم جزائي كان يرتكب ضد عمال كثيرين على مرأى ومسمع وزارة العمل التي قررت هي أن تغلق عينيها وتصم أذنيها. من هذه الوجهة، أبرزت هيئات قضائية عدة تمايزها الهام بالنسبة إلى إدارات الدولة.

فتحية للرئيسة صفير ولجميع القضاة الذين ناصروا الحرية النقابية في هذه القضية. على أمل أن يشكل هذا الحكم مساهمة في تطوير القضاء اللبناني ليكون حقيقة على موعد مع آمال اللبنانيين في تحقيق مزيد من المساواة والحرية.