في موقف لافت، اعتبرت محكمة النقض في قرار حديث لها صدر بتاريخ 17/10/2018، أن اعتراف زوجة بتبادل قُبل مع رجل أجنبي عنها، يجعل جريمة الخيانة الزوجية قائمة في حقه[1].

تعود فصول القضية إلى طعن تقدّم به دفاع زوجة في مواجهة قرار صادر عن غرفة الاستئنافات الجنحية قضى بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر ببراءتها من جنحة الخيانة الزوجية، وبعد التصدي الحكم عليها بأربعة أشهر حبسا نافذا، وأدائها تضامنا مع شريكها تعويضا مدنيا قدره 5000 درهم[2]. استندت عريضة النقض على خرق القرار الاستئنافي لاجراءات المسطرة الجنائية لعدم معاينة ضابط الشرطة القضائية الذي حرر المحضر وقائع القضية في حالة تلبس، فضلا عن عدم ارتكاز القرار على أساس حينما اعتبر أن مجرد تبادل القبلات يدخل في صميم الاعتراف القضائي، وقضى بإدانة المتهمة من أجل الخيانة الزوجية.

وجاء في قرار محكمة النقض:

"حيث يتجلى من تنصيصات القرار المطعون فيه أن المحكمة المصدرة له استندت على صواب في إدانة الطاعنة من أجل جنحة الخيانة الزوجية إلى اعترافها في محضر الشرطة القضائية بتبادل القبل مع رجل أجنبي عنها، وهو فعل يشكل خيانة زوجية في حق زوجها، فهو خيانة لرابطة الزوجية والوفاء والثقة بين الزوجين، وإن هذا الاعتراف ينزل منزلة الاعتراف الذي تضمنته مكاتيب أو أوراق صادرة عنها، وبالتالي وسيلة إثبات قانونية طبقا لمقتضيات الفصل 493 من القانون الجنائي، وتكون المحكمة قد طبقت القانون تطبيقا سليما".

وهذا الحكم يستدعي الملاحظات الآتية:

 

أولا، أنه يخالف قاعدة الشرعية الجنائية بداهة:

من الرجوع إلى القانون الجنائي المغربي، يظهر أنه يُجرّم العلاقات الجنسية الرضائية بين الراشدين، ويميّز في هذا الصدد بين جريمتي الفساد، والخيانة الزوجية.

فقد تطرّق الفصل 490 من القانون الجنائي لجريمة الفساد حيث عرّفها بأنها "كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية"، معتبرا إياها جنحة، وعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة. أما إذا كان أحد الطرفين أو كلاهما في هذه العلاقة الجنسية متزوجا فنكون أمام جريمة الخيانة الزوجية، وقد عاقب عليها المشرع في الفصل 491 من القانون الجنائي بالحبس من سنة الى سنتين، ولا تجوز المتابعة في هذه الحالة إلا بناء على شكوى من الزوجة أو الزوج المجني عليه.

واستثناء من قواعد المادة الجنائية التي تخضع لمبدأ حرية الإثبات قيد المشرع الإثبات في جرائم الفساد أو الخيانة الزوجية بوسائل واردة على سبيل الحصر، حيث نص في الفصل 493 من القانون الجنائي على أن هذه الجرائم لا تثبت إلا بناء على محضر رسمي يحرره أحد ضباط الشرطة القضائية في حالة التلبس، أو بناء على اعتراف تضمنته مكاتيب أو أوراق صادرة عن المتهم أو اعتراف قضائي.

وفي هذا الصدد يؤكد الخبير القانوني المعروف أدولف رييولط[3]، في كتابه القانون الجنائي في شروح، أن وجود العلاقة الجنسية بين شخصين مختلفي الجنس تعتبر أحد العناصر التكوينية التي لا تقوم بدونها جنحة الخيانة الزوجية[4]، وهو ذات التوجه الذي أكده الاجتهاد الفقهي[5] والقضائي[6] المستقر مند صدور القانون الجنائي المغربي[7].

 

ثانيا: أنه يخالف الاجتهاد السابق

بمراجعة الاجتهاد القضائي المغربي، يتبين أنه درج على اشتراط وجود العلاقة الجنسية في جريمتي الفساد أو الخيانة الزوجية، إذ لا يتصور قيام هذه الجريمتين دون وجود محضر تلبس أو اعتراف في مكاتيب، أو اعتراف قضائي بممارسة الجنس[8]، وهي وسائل إثبات واردة على سبيل الحصر[9].

 

ثالثا: أن الحكم يعكس اتجاها قضائيا إلى تغليب الأفكار المحافظة على المبادئ القانونية الراسخة ومنها مبدئي الشرعية الجنائية والاستقرار القانوني:

مما تقدم، يتبين أن الحكم عكس ميلا لدى الهيئة القضائية (وهي جزء من المحكمة العليا في المغرب) في اتجاه تغليب الأفكار المحافظة على مبادئ قانونية راسخة. فعدا أنّها لم تجد حرجا في تجاوز مبدأ الشرعية الجنائية، فإنها خالفت إجماع الاجتهاد الحاصل في هذا الخصوص، كل ذلك عملا بآراء يغلب اتجاهها المحافظ أو الشخصي. من هذه الزاوية، يصلح الحكم كمادة للنقاش حول أدبيات القضاة وفهمهم لوظيفتهم القضائية.

 

 


[1]- قرار محكمة النقض عدد 1431/3، صادر بتاريخ 17/10/2018، ملف جنائي عدد 21974/6/2017.

[2]-قرار غرفة الاستئنافات الجنحية بالمحكمة الابتدائية لبولمان بميسور، في الملف الجنحي 209/17، بتاريخ 25/07/2017.

[3]- هو مستشار قانوني فرنسي، عمل بوزارة العدل المغربية طيلة عقود، أصدر عددا من الشروح القانونية والدلائل لعدة نصوص قانونية، من بينها القانون الجنائي المغربي، وقانون المسطرة المدنية .

[4]- أدولف رييولط : القانون الجنائي في شروح، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية ، دار نشر المعرفة بالرباط، الطبعة الثانية 1997، ص 618.

[5]- يوسف وهابي: اختلالات تشريعية وقضائية في جرائم الخيانة الزوجية، مقالة منشورة بجريدة الصباح، بتاريخ 09/06/2011.

-منصوري المبروك: الخيانة الزوجية في القانون الجزائي المغاربي دراسة مقارنة تحليلية، مقالة منشورة في مجلة دفاتر السياسة والقانون، العدد 10، جانفيي 2014، ص 163.

[6]- لمزيد من التفاصيل يراجع: ميلود ضومر، و عمر الكاسي: جنحة الخيانة الزوجية والعمل القضائي، مقالة منشورة في المجلة المغربية لنادي قضاة الدار البيضاء (تصدر عن المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب)، العدد 4، خريف 2014، ص 77 وما بعدها.

[7]- ظهير رقم 1.59.413 صادر بتاريخ 26 نونبر 1962 بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي، منشور بالجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر، بتاريخ 5 يونيو 1963، ص 1253.

[8]- جاء في قرار المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) :"كان على المحكمة وهي غير متأكدة من حالة الظنين العائلية، أن تؤجل البت في القضية لمزيد البحث وتمنحه فرصة للإدلاء بما يثبت ما صرح به في سائر الأطوار من أنه متزوج، حتى تتأكد من حالته العائلية، وتتأكد من النص القانوني الواجب تطبيقه في النازلة، نظرا لكون المشرع ميز بين المتزوج وغير المتزوج، وأعطى للعلاقة الجنسية غير المشروعة في كل حالة من الحالتين وصفا خاصا بها".

قرار المجلس الأعلى تحت عدد 7134 في الملف 12267/85، صادر بتاريخ 27/06/1985، منشور بمجلة رابطة القضاة عدد 16 و17، ص 85 وما يليها.

[9]- جاء في قرار المجلس الأعلى "لا يكفي في إثبات جريمة الخيانة الزوجية ان تقول المحكمة بأنها اقتنعت بثبوت الجريمة بل لابد أن تبني حكمها على أحد دلائل الإثبات المنصوص عليها في الفصل 493 من القانون الجنائي".

-قرار عدد 229 س 13 بتاريخ 08/01/1970.