في تطوّر لافت لاجتهاد القضاء الإداري لمواجهة ظاهرة امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها بالمغرب، وما تخلفه من تكلفة مادية، اعتبرت المحكمة الإدارية بالرباط في قرار حديث لها، أن تعدد رفع دعاوى تصفية الغرامة التهديدية عن مراحل مختلفة لا يعدّ استباحة للمال العام أو محاولة للإثراء بدون سبب من قبل المقاولة المدعية، ما دامت الادارة المدعى عليها مستمرة في الامتناع عن تنفيذ الحكم النهائي الصادر في مواجهتها منذ سنوات[1].

اللافت في الحكم المثير الذي تنشره المفكرة القانونية، في إطار تتبعها لملف تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة، لا يقتصر فقط على النتيجة التي توصل إليها من خلال الحكم بالغرامة التهديدية في مواجهة أحد أشخاص القانون العام، وإنما يكمن أيضا في الوسائل القانونية التي اعتمدها دفاع الإدارة، والطريقة التي اعتمدتها المحكمة في الجواب عليها. ولهذه الغاية، استعانت المحكمة الإدارية بمقتضيات في القانون، وأخرى في الدستور، كما أحالت على الأعراف المنظمة لمهنة المحاماة كما هي متعارف عليها، وطنيا ودوليا.

واللافت أن هذا الحكم صدر في وقت تفاخر فيه وزارة العدل بارتفاع نسبة تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الدولة، وهو يصلح كمادة غنية للنقاش حول طريقة صياغة القضاة لأحكامهم،  وأدبياتهم وفهمهم لوظيفتهم القضائية، واستحضارهم لأدوار باقي الفاعلين ومن بينهم هيئة الدفاع، وأشخاص القانون العام.

 

ملخص القضية

تعود فصول القضية إلى تاريخ 01/06/2018 حينما تقدمت مقاولة بدعوى أمام المحكمة الإدارية بالرباط تعرض فيها أنها استصدرت أمرا رئاسيا يقضي بتحديد الغرامة التهديدية في مواجهة الإدارة (المركز الإستشفائي ابن سينا في شخص ممثله القانوني) في مبلغ 2000,00 درهم عن كل يوم تأخير عن التنفيذ في الملف التنفيذي عدد 95-11-1 وذلك ابتداء من تاريخ الامتناع الذي هو 27/06/2011 إلى غاية يوم التنفيذ مع الصائر"، ونظرا لأن الجهة المدعى عليها لم تنفذ مقتضيات الحكم المذكور كما هو ثابت من خلال محضري الامتناع المرفقين، لأجله تلتمس الحكم بتصفية الغرامة التهديدية المحكوم بها وذلك عن 60 يوميا، وهي المدة الممتدة من 02/07/2012 لغاية 02/09/2012، أي ما مجموعه 50.000,00 درهم مع النفاذ المعجل وتحميل المدعى عليها الصائر.

وأثار دفاع الادارة في مذكرته الجوابية سبقية البت في القضية، على اعتبار أن المدعية سبق وأن استصدرت حكما على نفس الوقائع بتاريخ 17/11/2016 في ملف عدد 686/7112/2016 قضى لفائدتها بأداء مبلغ 30.000,00 درهم كتصفية لغرامة التهديدية، وتقدمت للمرة الثانية بنفس الدعوى معتمدة على نفس الوثائق والوقائع واستصدرت حكما ثانيا عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 06/03/2017 ملف عدد 11/712/2017 قضى لفائدتها بأداء مبلغ 30.000,00 درهم كتصفية الغرامة التهديدية، كما استصدرت حكما ثالثا عن المحكمة الإدارية بتاريخ 06/07/2017 في ملف عدد 301/7112/2017 قضى بأداء مبلغ 4000,00 درهم. وقد اعتبرت الإدارة تبعا لذلك أن المدعية استباحت وبسوء نية السير على نفس المنوال، وقدمت دعوى جديدة تتعلق بنفس الوقائع، اعتمادا على نفس الوثائق، وهو ما لا يمكن مسايرته حماية للمال العام، ومنعا لكل محاولة للإثراء بلا سبب على حساب الإدارة.

وأضافت المذكرة الجوابية أن محضر الامتناع لا يعد محضرا صحيحا لانعدام واقعة الامتناع عن التنفيذ، طالما أن التنفيذ تم في مواجهة الإدارة وليس في مواجهة شخص عادي، ويخضع لمجموعة من الإجراءات والتدابير التي ينبغي سلوكها وتتطلب وقتا نظرا لتداخل المصالح وتعدد المساطر من أجل الحصول على تأشيرة الأداء من طرف المراقب المالي الذي لا دخل للمركز عنه لكونه تابع لوزارة المالية، وبالتالي فلا وجود لأي امتناع.

وبتاريخ 03/10/2018، صدر حكم المحكمة الإدارية في القضية بقبول الدعوى. وبعدما ردت المحكمة الدفع بسبق الادعاء على أساس أن الغرامة التهديدية المراد تصفيتها في الملف الحالي تتعلق بفترة غير مشمولة بالأحكام الصادرة سابقا، أفردت على نحو غير مألوف مساحة هامة من حكمها للرد على دفوع الإدارة المتصلة بحماية المال العام ومنع الاثراء بلا سبب. ومن أبرز ما تضمنه جوابها، الأمور الآتية:

 

  • تذكير الدفاع بأخلاقيات المهنة التي تجعله خصما شريفا

اعتبرت المحكمة أن تلميح الإدارة إلى أن مطالبتها بغرامة تبعا للتأخير هو استباحة للمال العام "يحمل في طياته اتهاما غير مباشر موجها للمحكمة الإدارية بالرباط، يتمثل في مسايرتها لكل جهة تخول نفسها استباحة المال العام وإصدارها لأحكام بالتعويض لفائدتها سبق البت فيها قضائيا". وهو ما اعتبرته المحكمة يشكل صورة لعدم الانضباط "لقواعد وأعراف وأدبيات الدفاع باعتباره خصما شريفا".

وأضاف تعليل المحكمة أن "الأحكام المستدل بها من طرف الإدارة تبين أنها جميعها صدرت تصفية لغرامة تهديدية ناتجة عن عدم تنفيذها لحكم نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به، وعن فترات مختلفة لا علاقة لكل فترة بملف الدعوى الحالي". وهو ما اعتبرته محاولة لتغليط المحكمة، "تشكل مساسا ليس بذكاء نائب الجهة المدعية فقط، وإنما فيه مساس بذكاء المحكمة ككل"، وهو الأمر المرفوض قطعا وفق أدبيات الدفاع المعمول بها وطنيا ودوليا.

وأشار التعليل إلى أن دفاع الادارة كان عليه من باب أولى "تفعيل دور الدفاع الحقيقي على الإدارات العمومية المتمثل في تطبيق القانون وحماية مصالح منوبه وذلك بتوصيته القانونية بتنفيذ حكم قضائي نهائي، وذلك لإيقاف النزيف المستمر لتصفية الغرامات التهديدية في مواجهة الإدارة وللحيلولة دون المساس بالمال العام" كما هو ثابت في الملف.

 

  • مخالفة للدستور ومس بقدسية الأحكام المكتسبة لحجية الشيء المقضي به

اعتبرت المحكمة أن واقعة استمرار امتناع الإدارة المدعى عليها عن تنفيذ الحكم القضائي يعكس درجة عالية من الضرب والمساس بقدسية الأحكام الحائزة لقوة الشيء المقضي به، ومخالفة لمقتضيات الفصل 126 من الدستور الذي ينص على أنه: "يجب على الجميع احترام الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء"، وفيها ضرب للحكامة الجيدة وحسن تدبير المرفق العام ولا سيما مرفق الصحة الذي يعد مرفقا حساسا حيويا يعاني من خصاص حاد على مستوى الموارد المالية وفق آخر التقارير الرسمية المنجزة في هذا الباب وطبقا لمشاريع قوانين المالية.

 

  • امكانية إخضاع مسؤولي الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام للمساءلة

أشارت المحكمة في تعليلها إلى أن تسخير الإدارة الممتنعة عن التنفيذ مالها العام للاقتطاع بفعل أحكام بالتعويض الصادرة في مواجهتها تصفية لغرامات تهديدية، يمكن أن تعرض مسؤوليها للمحاسبة والمساءلة طبقا لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 154 من الدستور التي تنص على أنه: "تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور."

 

لكل هذه الأسباب، قررت المحكمة الاستجابة إلى الطلب والحكم من جديد بتصفية الغرامة التهديدية كتعويض يمنح للمحكوم له الدائن بسبب ضرر أصابه من جراء عدم التنفيذ.

 

مواضيع ذات صلة

اعلان بشأن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بحق الدولة والإدارات العامة

مفاخرة بارتفاع نسبة تنفيذ الأحكام القضائية ضد الدولة في المغرب

ارتفاع التكلفة المادية لتنفيذ أحكام القضاء الاداري ضد الدولة بالمغرب

ابتكار لحلّ إشكالية تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الدولة: مهلة سماح ستة أشهر بموجب اتفاق قضائي حكومي

 تنفيذ الأحكام الإدارية بالمغرب: أحكام رائدة وأبواب دستورية

غرامة تهديدية ضد وزير التربية الوطنية في الرباط لامتناعه عن تنفيذ حكم

عدم تنفيذ قرارات المحكمة الادارية...محظور أملته حالة الضرورة

تنفيذ أحكام وقرارات القضاء الإداري في تونس

 

 


[1]- حكم المحكمة الادارية بالرباط، رقم :4184  صادر في ملف رقم : 1218/7112/2018،  بتاريـخ : 03/10/2018.