أصدر قاضي المستعجلات بالمحكمة الابتدائية العادية بمكناس - وسط المغرب- أمرا  استعجاليا بتاريخ 22/8/2016، قضى في منطوقه" بأمر مدير السجن المحلي تولال2 بمكناس بالافراج عن المدعي (ن.ا) المعتقل تحت رقم ...من أجل جنحة الحيازة والإتجار في المخدرات بتاريخ 23-8-2016 الذي يصادف انتهاء مدة أربع سنوات حبسا نافذة المحكوم عليه بها ما لم يكن معتقلا لسبب آخر وتبليغ نسخة من هذا الأمر إلى وكيل الملك بهذه المحكمة والمدعي ودفاعه ومدير السجن المحلي بتولال 2 لكل غاية مفيدة وشمول هذا الأمر بالنفاذ المعجل بقوة القانون".

ويعد هذا الاجتهاد القضائي المنتصر لحرية المعتقل الذي قضى مدة محكوميته فريدا ومتميزا وربما غير مسبوق في العمل القضائي الاستعجالي بالمحاكم المغربية التي تعبر أن الاختصاص في هذا النوع من القضايا لا يعود لها وإنما لمؤسسة النيابة العامة وهي الجهة الساهرة على تنفيذ كل الأحكام القضائية  ذات الطابع الجنائي. فما هي الأسس والتعليلات التي اعتمدها هذا الأمر الاستعجالي؟

 

وقائع الأمر الاستعجالي ...

بالعودة إلى وقائع القضية، نلحظ أن معتقلا بالسجن المحلي (تولال2) في مدينة مكناس قدم لقاضي المستعجلات بالمحكمة الابتدائية في المدينة نفسها، طلبا عرض فيه أنه معتقل بمقتضى الأمر بالإيداع في السجن صادر عن وكيل الملك لدى نفس المحكمة بتاريخ 23-08-2012 تحت عدد ... من أجل حيازة المخدرات والإتجار فيها  والمشاركة في ذلك واستهلاك المخدرات. وأنه صدر في حقه قرار نهائي عن محكمة الاستئناف بمكناس حدد العقوبة الحبسية بأربع سنوات نافذة.

كما عرض الطلب أنه وفقا لمقتضيات الفصل 30 من القانون الجنائي: "تبتدئ مدة العقوبة السالبة للحرية من اليوم الذي يصبح فيه المحكوم عليه معتقلا بمقتضى حكم حاز قوة الشيء المحكوم به. وفي حالة تقدم اعتقال احتياطي فإن مدته تخصم بتمامها من مدة العقوبة وتحسب من يوم وضع المحكوم عليه تحت الحراسة أو من يوم لإيداعه رهن الاعتقال من أجل الجريمة التي أدت إلى الحكم عليه".

تبعا لذلك، رأى الطالب أن عقوبته تنقضي بقوة القانون بتاريخ 15-8-2016 على اعتبار أنه أودع بالحراسة النظرية بتاريخ 15-8-2012، وأن بقاءه بالسجن بعد تاريخ 15-8-2016 يعتبر اعتقالا تحكميا، لأنه قضى العقوبة المحكوم بها. وعليه، التمس من قاضي المستعجلات إصدار أمر بالإفراج عنه فورا.

وهو الطلب الذي استجاب قاضي المستعجلات له في يوم تقديمه.

 

الأسس والتعليلات التي اعتمدها هذا الأمر الاستعجالي...

اعتمد قاضي المستعجلات بمكناس على عدة أسس، بدأها بالتطرق لاختصاصه، على اعتبار أن هذا هو جوهر النقاش في هذا الموضوع، وهو مدى اختصاص قاضي المستعجلات من عدمه، لكون موضوع تنفيذ كافة الاحكام الجنائية من  صميم عمل النيابة العامة – باستثناء عقوبة الإعدام التي يتم تنفيذها بأمر من وزير العدل وفق مقتضيات المادة  602 من قانون المسطرة الجنائية- وأي نزاع في الموضوع تبت فيه غرفة المشورة داخل المحكمة المصدرة للحكم وفقا لما هو منصوص عليه في المواد 597 و599 و600 من قانون المسطرة الجنائية[1].

وقد لمح قاضي المستعجلات في إجابته عن هذا الموضوع بما يلي : "... أن القضاء الاستعجالي وضعه المشرع لحماية الحقوق وردّ المظالم بشكل فوري وأنه تفاديا لحصول أوضاع قد يصعب أو يستحيل تداركها، فيما لو سلك المعني بالأمر طريق قضاء الموضوع الملزم باحترام الشكليات والآجالات المسطرة بالقانون وهو ما قد يترتب عنه طول مدة البت في النوازل. بخلاف القضاء الاستعجالي الذي يبت فورا -ولو في غيبة الأطراف أحيانا في حالة الاستعجال القصوى- كلما توفر عنصرا الاستعجال وعدم المساس بجوهر الحق طبقا للفصلين 149  و152 من ق م م ".

كما اعتمد على الفصل 30 من القانون الجنائي المشار إليه أعلاه وأنه صريح في نازلة الحال وبالتالي فإن بقاء السجين رهن الاعتقال بمقتضى إخبارية في ملخص الوضعية الجنائية أبلغتها إدارة السجن إلى المعتقل من كون عقوبته ستنقضي في 17-7-2017 ، رغم انقضاء مدة محكوميته وفقا للحساب المنصوص عليه في الفصل 30 قبله، يمثل حالة استعجال قصوى يتعين معها على قاضي المستعجلات أن يتدخل لحماية حرية الأشخاص كقيمة محمية بنص الدستور والقوانين والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب وجعلها تسمو على التشريعات الوطنية طبقا لديباجة الدستور المغربي لسنة 2011.

وفي هذا الإطار صرح قاضي المستعجلات بكون "... حرية الأفراد لا يمكن المس بها إلا طبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون طبقا للفصل 23 من دستور المملكة الذي ينص "لايجوز إلقاء القبض على أيّ شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته إلا في الحالات وطبقا للاجراءات التي ينص عليها القانون. الاعتقال التعسفي...من أخطر الجرائم ويعرض مقترفيها لأقسى العقوبات...

وحيث أن المادة 9 من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية التي صادق عليها المغرب بالظهير الشريف رقم 1.79.186  بتاريخ 8-11-1979 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 3525 بتاريخ 21-5-1980 تنص "لكل شخص الحق في الحرية والسلامة الشخصية ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقا للاجراءات المقررة فيه".

وتجدر الإشارة ختاما، إلى أن هذا الأمر الاستعجالي وإن كان يطرح اشكالية اختصاص قاضي المستعجلات في هذا النزع من القضايا من طرف المختصين، إلا أنه مع ذلك يبقى اجتهادا متميزا يسير حدو اجتهاد المحاكم الإدارية المغربية المعروفة باجتهاداتها الجريئة ويمكن أن يفتح بابا لتدخل تشريعي يمنح صراحة حق قاضي المستعجلات في التدخل لحماية حريات الأشخاص عندما يتم المساس بها في إطار نزاع مع القانون. وهذا ما يتأتى عن الأمور الآتية:

  • إن قاضي المستعجلات في المحاكم العادية هو صاحب ولاية عامة وتدخله مشروط  فقط بوجود حالة استعجال وعدم المساس بجوهر الحق،
  • إن حرية الأشخاص منحها الدستور الجديد لسنة 2011 مكانة خاصة، وبالتالي أعتقد أنه من المناسب أن يتم تفعيل هذه الحماية وزيادتها بتدخل قاضي المستعجلات كلما توفر شرط الاستعجال الذي لا يتوفر لجهات الاختصاص العادية،
  • إن جل القوانين المغربية سواء الموضوعية والاجرائية في المجال الجنائي تعود لما قبل دستور 2011 وبالتالي يبقى هذا الاجتهاد مقبولا في انتظار تدخل تشريعي لإيجاد نص في صلب قانون المسطرة الجنائية يسمح بشكل صريح بتدخل قاضي المستعجلات.

 

 

 


[1]- تنص المادة 597  من قانون المسطرة الجنائية المغربية على ما يلي : " تقوم النيابة العامة والطرف المدني، كل فيما يخصه، بتتبع تنفيذ المقرر الصادر بالإدانة حسب الشروط المنصوص عليها في هذا القسم.

يقع التنفيذ بطلب من النيابة العامة عندما يصبح المقرر غير قابل لأي طريقة من طرق الطعن العادية، أو لطعن بالنقض لمصلحة الأطراف".

وتنص المادة 599 على ما يلي : " يرجع النظر في النزاعات العارضة المتعلقة بالتنفيذ إلى المحكمة التي أصدرت المقرر المراد تنفيذه ويمكن لهذه المحكمة أيضا أن تقوم بتصحيح الأخطاء المادية الصرفة الواردة فيه".

كما تنص المادة 600 على ما يلي : " تنظر المحكمة في النزاعات العارضة بغرفة المشورة بناء على ملتمسات النيابة العامة أو بناء على طلب يرفعه الطرف الذي يهمه الأمر، ويستمع إلى ممثل النيابة العامة والى محامي الطرف إن طلب ذلك والى الطرف شخصيا إن اقتضى الحال.

يمكن للمحكمة أن تأمر بتوقيف التنفيذ المتنازع فيه.

لا يقبل المقرر الفاصل في النزاع أي طعن ما عدا الطعن بالنقض".