يمرّ الفن المصري حاليًا بمرحلة يمكن وصفها بأنها من أسوأ مراحل القمع التي مرت عليه. فعلى سبيل المثال، قامت نقابة المهن الموسيقية بمنع إعطاء تصريح غناء لحمو بيكا بعد انتشار فيديوهاته على مواقع التواصل الاجتماعي. كما حثت باقي الجهات الحكومية على الامتناع عن إعطاء أية تراخيص أو موافقات لإقامة حفلاته، تحت دعوى إفساده الذوق العام. بالإضافة إلى ذلك، أصدر رئيس مجلس الوزراء "مصطفى مدبولي" قرارا بتنظيم الحفلات والمهرجانات، ليضيف حزمة من الاشتراطات على منظمي الحفلات ويضع لجنة دائمة لنظر هذه الاشتراطات ببنود لم يسبق لها مثيل في تاريخ التشريعات المصرية المتعلقة بتنظيم الحفلات. ادّعت حينها وزيرة الثقافة "إيناس عبد الدايم" أنها لن تطبقه على المهرجانات والحفلات المستقلة، إلا أنها تراجعت مؤخرًا حيث صدر قرار من المجلس الأعلى للإعلام بإعداد مشروع قانون ينظم الحفلات والمهرجانات التي لا تنظمها الدولة، معتمدًا على بنود قرار رئيس مجلس الوزراء.

وهو الأمر الذي يعكس  قيام النقابة بممارسة دور رقابة ذوقية وأخلاقية على الفن الموسيقي، عن طريق استخدام حقها في إعطاء "التراخيص" و"التصاريح". وهو الأمر الذي يستدعي إلقاء الضوء على أنواع هذه التراخيص والتصاريح وسبب وجودها وطريقة استخدام نقابات المهن الفنية لها. في هذا المقال سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة في السياق المصري وسنتابع نشأة التراخيص والتصاريح الخاصة بالأماكن الفنية في مصر في محاولة لتوضيح المناخ المصري الحالي الخانق للإبداع الفني.

 

ترخيص الأماكن الفنية: قانون مليء بالثغرات

الخطوة الأولى لافتتاح مكان لإقامة العروض الفنية "موسيقية، تمثيلية، سينمائية"، تتمثل في تأسيس شركة. وهي الخطوة التي تسهلها الدولة حيث يمكن  تأسيس الشركة عمليا بعد استكمال المستندات خلال 48 ساعة. ثم تأتي الخطوة الثانية وهي ترخيص وزارة الثقافة لإقامة المكان الفني الذي من الممكن أن يستمر استخراجه لأكثر من 6 أشهر هذا إذا قررت الوزارة الموافقة على استخراجه.

إذا كنت من المحظوظين لنيل هذا الترخيص (ترخيص الإنتاج الثقافي) ستجد فيه جمل في منتهى الريبة من قبيل:  "هذا الترخيص لا يمنح لصاحبه إدارة نشاط تدريب العاملين بالمجال الفني" وكذلك جملة " هذا الترخيص لا يمنح لصاحبه حق الاعتداء على حق المؤلف وإعادة البث خارج حدود المكان".

وهي جمل  تدفع صاحب الترخيص إلى التساؤل حول معناها. فطريقة كتابتها تزيد في ضخامتها عن باقي حروف الترخيص، الأولى اعتراضية في أعلى وسط الترخيص، والأخرى تتوسط خلفية الترخيص؛ مما يوحي بأن دائما هناك المزيد من القيود والأبواب الخلفية لتدخل الدولة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الترخيص هو أحد أهم التراخيص على الإطلاق، حيث لا يمكن افتتاح أي مكان لإقامة حفلات فنية أيا كان نوعها بدونه، وهو بالتالي ترخيص يعفي أماكن الحفلات من أي مساءلة قانونية حول الاحتفاظ بمعدات فنية.

نظريا في حالة وجود الأوراق المطلوبة لعمل ترخيص الإنتاج الثقافي، يصدر الترخيص خلال شهر من تاريخ الطلب. إلا أن المناطق الضبابية تكمن دائما في التفاصيل. فالإدارة تطلب أن تكون بعض المستندات مُصاغة بصيغة محددة، مثل صياغة غرض الشركة عند التسجيل، وهو الأمر الذي يتعدى مجرد ذكر نشاطها وعنوانها وسمتها التجارية، كما مع باقي الشركات؛ مما يؤدي إلى رفض الأوراق ومطالبة تعديلها أكثر من مرة؛ مما يطيل مدة إجراءات استخراج الترخيص.. بالإضافة إلى ذلك، يوجد مكتب غير مُصرح عنه بصورة رسمية هو مكتب أمني، لاتمر ورقة دون مراجعته لها، على الرغم من أن الأوراق المطلوبة لاستخراج الترخيص لا يوجد بها تصريح أمني.

 

تراخيص أماكن الحفلات الغنائية أو الموسيقية: بين قانون المحال العامة والمصنفات

تدور أوراق اعتماد أي حفلة حول مجموعة من التصاريح والتراخيص. فبجانب تراخيص مكان العرض، هناك تصاريح الفنانين من نقابة المهن الموسيقية، وأخيرًا تصريح محتوى العرض بإعتماده من "الإدارة المركزية للرقابة على المصنفات السمعية والسمعية والبصرية" المعروفة بالمصنفات الفنية.

أضف إلى ذلك الأبواب الخلفية المثيرة للفزع، والتي تسمح للدولة بممارسة نوع من الرقابة غير المقننة، وعلى رأسها ما صرح به رئيس المجلس الأعلى للإعلام عام 2017 من جائزة لمن يقوم بالتبليغ عن أي عمل فني خادش للحياء العام  قدرها 10% مما سيتم تحصيله كغرامة. يسمح أيضا القانون المصري للمواطنين بالإبلاغ عن ما يرونه خادشا للحياء العام. إلا أنه لا يسمح سوى للنيابة العامة بتحريك الدعوى الجنائية، والتي تأمر بالضبط والإحضار والتحقيق ومن ثم إحالة الأمر للمحكمة، وهنا دور محكمة الجنايات المختصة بنظر قضايا النشر.

يأتي ذلك بجانب حزمة من التصاريح الأمنية وأخيرًا القوانين الاستثنائية كقوانين الإرهاب والطوارئ التي تعطي السلطة التنفيذية سلطات أعلى تسمح لها بالمصادرة والمنع للأعمال الفنية.

 

ترخيص أماكن الحفلات: المطاعم والمحال السياحية

بجانب ترخيص الإنتاج الثقافي، على الأماكن التي تنظم الحفلات الحصول على بعض التراخيص الأخرى كونها تعتبر منشأة سياحية. وهنا نُشير إلى أن القانون لا يسمح للمطاعم والكافيتريات عرض أي نوع من الأعمال الفنية الغنائية أو الموسيقية إلا بعد الحصول على ترخيص من إدراة اللوائح والرخص؛ ويسمح بذلك للمنشآت السياحية. في هذه الحالة للمطعم السياحي عرض الموسيقى والغناء والرقص بعمل ديسكو أو ملهى ولكن لابد ألا يقل تقييمه عن 4 نجوم، بجانب مجموعة من الاشتراطات الخاصة بمديره كأن يكون أجنبيًا لو قلت درجة تقييم المنشأة عن 4 نجوم، واشتراطات خاصة بالمنشأة أن تكون المنشأة سياحية وأن يكون مكان العرض في مبنى مستقل، وأن تبعد المُنشأة السياحية بأكثر من مئة متر على الأقل عن دور العبادة جمعاء وليست المساجد فقط، وكذلك تُراعى الاشتراطات البيئية الخاصة بالضوضاء.

يصدر الترخيص بنوع معين للعروض (موسيقى - رقص - غناء - تشغيل أدوات سمعية ومرئية ) أو جميعها، وكذلك يتعين أن يكون "مكان الأداء" محددا داخل المنشأة.

يتوجه طالب الترخيص إلى عدد من الإدارات والهيئات لأخذ موافقتها وهي:  

(الإدارة العامة لحماية الآداب - السلامة والصحة المهنية). بعد ذلك يتجه بأوراق اعتماده إلى الإدارة العامة للتراخيص بوزارة السياحة، وتقديم شهادة عوازل صوتية وتصريح  مصنفات فنية من وزارة الثقافة.

أما تقديم الخمور فتلزم له رخصتان: الأولى يتم الحصول عليها من إدارة التراخيص بوزارة السياحة، وتصدر باسم شخص ولمنشأة معينة، أي أنه في حالة وفاة الشخص يتم إلغاء الترخيص. كذلك لابد أن تبعد المنشأة في هذه الحالة ليس فقط عن دور العبادة، بل أيضًا عن المستشفيات والمدارس أيضاً، والثانية هي عبارة عن إفادة من الإدارة المحلية بالمنطقة أو من الهيئة المصرية العامة للمساحة تفيد بعدم وجود أي من هذه الأماكن الممنوع إقامة المنشأة حولها في حالة تقديم الخمور.

يلاحظ أن هذا القانون لم يحدد هل تصريح المصنفات الفنية هو نفسه الترخيص الذي يصدر من إدارة الإنتاج الثقافي؟ أم أنه مجرد موافقة؟ وترك المجال مفتوحا ومهددا بإلغاء الترخيص الأساسي.

ولعل الضمانة في هذا القانون هو وضع ميعاد للرد على طلب الترخيص وهو 30 يوما وفوات هذا  الميعاد دون رد يعد بمثابة موافقة على طلب الترخيص وفي حالة الرفض لابد أن يكون مسببا.

 

الترخيص المؤقت:

صدر قانون المطاعم والمحال السياحية عام 2012، وبحسب آخر تعديل له في عام 2014، سمح القانون للمطاعم والمحلات والكافيهات وغيرها من المحال دون الأربع نجوم بترخيص مؤقت، على أن توافق الإدارة العامة للحماية المدنية على اشتراطات الوقاية من أخطار الحريق.

بشكل عام لابد أن تلتحق المنشأة -سواء دائمة الترخيص أو المؤقتة- إلى عضوية غرفة المنشآت السياحية. كما تخضع هذه الأماكن إلى قانون المحال العامة، المُعدل عام 2016، مما يسبب نوع من اللغط في كثير من الأحيان عند إصدار التراخيص، لتحديد التراخيص اللازمة.

 

تراخيص أماكن الحفلات قبل قانون المنشآت السياحية:

صدر القانون سابق الذكر في عام 2012، فهل كانت جمهورية مصر العربية بلا أي تنظيم للمنشآت السياحية والتي تقدم الحفلات؟ وإن كان هناك قانون منظم بالفعل، فما مصيره حاليا؟ هل يعتبر بحكم الملغى؟

قانون المحال العامة والذي كان ينظم ويحدد كيفية الحصول على تراخيص أماكن العروض والحفلات الموسيقية،لا يزال معمولا به حتى الآن، وتم تعديله في 2016، وينص على ذات الشروط المنصوص عليها في قانون 2012 الخاص بالمنشآت السياحية.

 

خاتمة: كيف تؤدي ثغرات القانون لغياب الأمن القانوني للمبدعين؟

ترسخ مبدأ الأمن القانوني دوليًا عن طريق محكمة العدل الأوروبية في عام 1962. وكذلك المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية بقرارها أنه "بالنسبة للمواطن، فإن الأمن القانوني يتجلى قبل كل شيء في حماية الثقة". ويهدف "الأمن القانوني" لحماية استقرار الإطار القانوني الذي يتعامل فيه المواطنون، لكي يحد من المشاكل التي قد يتعرضون لها، إذا تم تغيير القانون بشكل مستمر أو تم تطبيقه بأثر رجعي. ترجع صعوبة تعريف هذا المبدأ إلى تنوع دلالاته ومفاهيمه، ويمكن التحقق من وجوده مع توافر ظروف معينة بعضها يتلخص في إمكانية الوصول للقانون، بحيث يستطيع الأفراد الوصول إلى القاعدة التشريعية التي تنظم نشاطًا معينًا من الأنشطة التي تمارس في المجتمع، والتأويل في أضيق نطاق للنصوص الجزائية وحماية مبدأ الثقة المشروعة.

ويثار مبدأ الأمن القانوني عندما يكون القانون هو مصدر الخوف، وينحدر المبدأ من الحق الطبيعي في الأمان، بحيث يوفر كافة المتطلبات التي لا بد أن تكون موجودة بالقانون ووسائل الضمان التي لا تجعل القوانين مفاجأة وتحد من عدم الوثوق فيها وهو الذي لا يتحقق بوجود ثغرات بالقانون تجعل من حق الدولة التدخل بإلغاء الترخيص في أي وقت، وهو ما شاب قوانين التراخيص الفنية، كما أسلفنا.

فكما أوضحنا، تحمل القوانين الحاكمة لإقامة الحفلات وتنظيمها في طياتها ما يمكن الدولة من إلغاء الحفلات بلا معايير واضحة، وتحد من الأمن القانوني للمبدع حيث رددت جميع القرارات الحاكمة لإنشاء أماكن فنية قواعد تحمل ألفاظا مطاطة وغير منضبطة مثل:  تكرار مواد قانون 2012 الخاص بالمنشآت السياحية مرارًا ضرورة الحفاظ على ما أسمته بالآداب العامة، دون تحديد ماهية الفعل الذي يعتبر كذلك ولو على سبيل المثال لا الحصر. وفي المادة رقم (21) تحت مُسمى الآداب العامة والنظام العام، ألزمت صاحب مكان الحفل الموسيقى بحظر ارتكاب أي أفعال مخلة بالحياء العام أو الآداب، إلا أنها أضافت تجريم "التغاضي" عنها، أي حتى لو تصادف وجودك بالمكان ولم تقم بالتبليغ، وأعطى الحق بعدها لتدخل الشرطة لضبط الواقعة وإخلاء المكان من الحضور.

أما قانون المحال العامة لسنة 1956، فقد زاد على الأفعال المخلة للآداب "الإشارات المخلة بالحياء".

والجدير بالإشارة أنه قد تم تعديله عام 2016، بإضافة عقوبات على من يدير محلا عاما بعد الحكم بإغلاقه أو إزالته، أو فك ختماً من الأختام الموضوعة لحفظ محل عام (الشمع الأحمر).  وقد تصل العقوبات إلى الحبس ثلاثة أشهر لمجرد فك الختم. ونذكر هنا واقعة المركز الثقافي Town house الذي تم إغلاقه لأكثر من 6 أشهر، توجه المسؤولون عن المكان بعدها إلى الجهات المختصة، إلا أنهم أنكروا معرفتهم بالواقعة، وأصبح الحل الوحيد هو فك الأختام دون العلم بمن وضعها. وطبقاً لتعديل 2016، أصبح المسؤول مهددًا بالحبس، وكذلك مديرو المكان حاليًا.

وتتعارض التشريعات التي فصلناها أعلاه مع الأهداف المُعلنة للدولة وعلى رأسها خطة التنمية المستدامة، التي يُعتبر المحور الثقافي أحد أهم مرتكزاتها. فبالنظر إلى القوانين الجديدة، يظهر كأنما هدف التشريع يذهب في اتجاه الإخلال بأمن المبدعين، بما يعاكس الطموحات المعلن عنها في دستور 2014.