أفاقت أسافير السودان في الثاني من فبراير الحالي على خبر مقتل مدرس الثانويات (أحمد الخير) في معتقله الذي لم يكمل فيه ثمانة أربعين ساعة بمدينة (خشم القربة) التابعة لولاية كسلا شرقي السودان. وكان المدرّس الخير اعتُقل من منطقته يوم الخميس الماضي، آخر أيام شهر يناير، مع عدد من الأشخاص، وقد تم إبلاغ شقيقه (سعد) فجر الجمعة من السلطات الأمنية أن أحمد توفي، لتضج البلاد بطولها وعرضها بالفجيعة.

مقتل (أحمد) بحسب شقيقه كان نتيجة للتعذيب. فقد ظهرت على جسده كدمات عديدة. وباتصال "المفكرة" به، أوضح سعد أن جثة أخيه تحمل آثار تعذيب بشعة بما فيها منطقة الشرج، التي كانت مسودة بشكل لافت وبها آثار دم ظاهرة للعيان. وأردف سعد أن الطبيب الشرعي بمستشفى القضارف لم يسلمهم تقرير يوضح أسباب الوفاة، لأن فحوصات ينتظرها لم تكتمل بعد. لكن أفراداً من الأسرة قالوا لصحفيين إنهم بمعاينتهم بأنفسهم للجثة كان مؤكداً لهم خضوعه لتعذيب شديد، مضيفين إن الطبيب الشرعي أبلغهم مبدئياً بأن (أحمد) تعرض لعنف شديد أفضى لمقتله. كما لاحظوا كتلا سوداء عديدة حول كليتيه وخاصرته وفي الرأس والأكتاف وعلى المؤخرة والدبر أيضاً. كما أن تقرير الطبيب الشرعي د.عبد الرحيم محمد صالح الموقع عليه والمختوم منه، والذي اطلعت عليه "المفكرة" أثبت أن الجثة وفق الكشف الظاهري، تعرضت لعنف جنائي وأن الجثة وصلت في طور التيبس وبها سحجات وكدمات عديدة تبلغ الخمس عشرة كدمة، إضافة لتكدم متداخل بالإلية اليمين ويشمل معظمها، فضلاً عن سحجات وتكدم خلف وأمام الساقين وبينهما، وملتف بوسط الساقين، بعضها بلون أحمر غامق وأخرى بلون بني وأحمر غامقين.

ووفق مصادر تحدثت لل "المفكرة"، فإن الطبيب الشرعي وصلته الجثة مرفقة ببلاغ جنائي من جهاز الأمن والمخابرات السوداني مفاده أن وفاة الرجل ناجمة عن "التسمم"، بخلاف ما بدت عليه الجثة. وقد دفعه هذا الأمر لأخذ عينة من المعدة والأمعاء وإرسالها للمعامل الجنائية في الخرطوم وفق إشارة التقرير الطبي للتشريح فيما لاحظنا أن التقرير نفى حدوث تهتك ونزيف داخليين، بناء على نتيجة فحص للمعدة والأمعاء والكبد. وأفاد التقرير إن الوفاة مضى عليها أقل من يوم.

لكن قبل صدور تقرير الطب الشرعي، أدلى مدير شرطة ولاية كسلا التي تتبع لها دائرة الحادثة اللواء (ياسين محمد حسن) بتصريح للتلفزيون الرسمي السوداني قال فيه إن الرجل مات بشكل طبيعي أثناء اعتقاله ولم يتعرض للتعذيب ولم ترتكب بحقه أي أنتهاكات، وأنه توفي أثناء التحقيق معه من قبل جهاز الأمن المخابرات حيث كان معتقلاً مع آخرين، وأنه تم نقله للمستشفى بعد شعوره بتوعك، إلا أنه مات قبل وصوله إليها.

مقتل المدرس (أحمد الخير) لم يكن الأول، ويرجح أنه ليس الأخير في ظل سجل حافل بالقتل، يعزى لقوات الأمن السودانية على مرّ سنوات الحكم العسكري في البلاد، حتى قبل نظام عمر البشير. لكن أعنفها وأكثرها بشاعة هي تلك التي وقعت في بدايات عهد البشير، وها هي الدائرة الجهنمية تعود من جديد في أعنف مواجهات للشارع مع سلطة الإنقاذ الحاكمة طوال سنواتها التي تشارف على الثلاثين. وبينما يستدل المدافعون عن حقوق الإنسان بمذكرات الطبيب الشيوعي المعارض (علي فضل) الذي قتل في أوائل عهد البشير بخرق دماغه بمسمار، ظل فيه لأيام دون عرضه للمساعدة الطبية حتى وفاته، لا ينسى ناشطون التذكير بفظائع خلدها اسم (خور العفن) بولاية جنوب كردفان بوسط السودان الغربي’ حيث تشهد المنطقة نزاعاً عسكرياً منذ أكثر من عقدين بين السكان المطالبين بالحكم الذاتي وسلطة البشير المركزية. وأتت تسمية الخور ب (خور العفن) حتى طمست اسمه المعروف، بسبب كثرة الجثث المتعفنة التي يعثر عليها السكان لأشخاص من أبناء المنطقة، يتضح أنهم كانوا معتقلين لدى السلطات قبل عدة سنوات إبان إدارتها بواسطة واليها السابق (أحمد هارون) المطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية منذ العام (2006) بتهمة الإبادة الجاعية وإرتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية في دارفور.

وقبل أقل من أسبوعين، تظاهر طلاب جامعة الرازي الخاصة بالخرطوم داخل حرمها. لكن الإدارة رفضت بشدة مظاهرتهم فخرجوا للشارع حيث قابلتهم هناك قوات جهاز الأمن والمخابرات ببطشها المعروف واعتقلت بعضاً منهم. وبعيد ساعات قليلة، تلقت أسرة طالب السنة بكلية طب الرازي محجوب التاج محجوب خبر مقتله اختناقاً بالغاز المسيل للدموع. إلا أن شهادة زملائه وأصدقائه جعلت الأسرة ترفض استلام الجثمان دون تشريحه. فكانت النتيجة إن الفتى محجوب قتل بكسور عديدة في رأسه مع وجود إصابات عديدة في العنق والظهر وانتهت حياة الشاب ذي التسعة عشر ربيعاً في سويعات قليلة تحت التعذيب.

ويقول المحامي الصادق على حسن لل "المفكرة" إن ما حدث للمدرس (أحمد الخير), و(محجوب التاج محجوب) وغيرهم في هذه الأحداث وقبلها يندرج تحت مسمى القتل خارج نطاق القانون، خصوصاً حين يقع من منسوبي مؤسسة عامة رسمية وموظفين عموميين، بإعتبار أن القانون يحرم ويجرم التعذيب والمعاملة السيئة للمعتقل أو المقبوض عليه. ويضيف الصادق علي حسن إن مثل تلك الجريمة تشملها القوانين الوطنية وكذلك الدولية. "القانون السوداني يدرجها بالتأكيد تحت المادة (130) القتل العمد، ويمكن أن تزيد عليها التحقيقات المادة (21) المتعلقة بالإشتراك الجنائي إذا ثبت أن أكثر من شخص تسببوا في قتل الرجل، سيما أنها يمكن أن تطال من أرشد على المدرس ومن شارك في اعتقاله". ويوضح الصادق علي حسن أن السجلات القانونية تزخر بمئات الحالات للقتل خارج القانون في سنوات حكم الرئيس البشير، حدثت أثناء الإعتقال والقبض على طلبة ونشطاء ومعارضين، وكل الدلائل ترجح أنهم قتلوا بفعل فاعل، بينما المعلن أنها وقعت في ظروف غامضة ولا توجد أدلة على أنها تمت بيد أشخاص معينين.

فاجعة مقتل المدرس (أحمد الخير) (40 عاماُ) لم تكن الوحيدة في يوم الثاني من فبرايرز. ففي ذات النهار أصدرت هيئة محامي دارفور – وهي هيئة طوعية للترافع عن المدنيين الدارفوريين-  بياناً أعلنت فيه مقتل إثنين من أبناء إقليم دارفور غربي السودان، أثناء احتجازهما لدى السلطات بولاية جنوب كردفان بوسط البلاد الغربي. وقال بيان الهيئة إنها تقدمت بطلب في السابع والعشرين من يناير الماضي للنائب العام وآخر لمفوضية حقوق الإنسان القومية للإفراج عن الجندي المتقاعد الذي اتجه للعمل في التنقيب العشوائي عن الذهب في منطقة الجبال الشرقية بجنوب كردفان ويدعى (فائز عبد الله عمر). كما حثت الهيئة- النيابة العامة والمفوضية- للعمل على الإفراج الفوري عن (حسن طلقا) و(محمد زكريا). لكنها علمت إن السلطات اتصلت اليوم بشقيق المعتقل (فائز عمر) وأبلغته بوفاته ومعه (حسن طلقا). وأضاف البيان إنه تم إعلان أهل الفقيدين أن نيابة "العباسية تقلي" مكان الحادث موضوع المذكرة-  أمرت بدفن جثتيهما.

وتخضع ولاية كسلا بشرق السودان وكذلك ولاية جنوب كردفان بوسط البلاد الغربي لقانون الطوارئ. فكسلا أعلنت فيها حالة الطوارئ بداية العام الماضي بعد توترات بين الحكومة السودانية ونظيرتها الإريتيرية التي تشاطرها الحدود شرقاً، بينما يسري قانون الطوارئ في جنوب كردفان منذ العام (2011) بسبب التمرد الذي يقوده أبناء المنطقة ضد سلطة الرئيس عمر البشير، وبموجب قانون الطوارئ تمارس الأجهزة الأمنية السودانية أقصى درجات العسف بحق المواطنين، مستغلةً الحق في توقيف وإحتجاز كل من تشتبه به بموجب صلاحيات قانون الطوارئ.

وبحسب قانونيين، فإن جرائم القتل خارج القانون بحق المعتقلين والمقبوض عليهم، تكتسب خطورة كبيرة من كونها تتم بواسطة الأجهزة الأمنية، المفروض فيها حماية وكفالة حقوق المتهمين أو المشتبه بهم، أثناء التحقيق أو القبض عليه أو احتجازهم، وهو ما يجعل االقانون يتشدد في التعامل مع مرتكبيها.

ومع أن الحالات الموصوفة بالقتل خارج القانون تعد بالمئات. لكن يبقى أن مثلها أو أكثر أرتكب خلال حروب شنتها السلطات على معارضيها في أطراف البلاد، ما يعني أن العدد ما زال بعيداً عن الإحصاء.

 

مقالات ذات صلة:

الرصاص المجهول وقصة المتظاهرين في السودان