أصدرت المحكمة الدستورية بالمغرب يوم 08-02-2019 ، قرارها بشأن قانون التنظيم القضائي الذي سبق للحكومة أن أحالته عليها اختياريا خلال شهر يناير الماضي في خطوة اعتُبرت إخلاء لمسؤوليتها التاريخية في هذا القانون باعتبار النقاش المحتدم حوله بين القضاة ممثلين في المؤسسات الرسمية والجمعيات المهنية ووزارة العدل.

وقد صرحت المحكمة الدستورية في قرارها الذي نحن بصدده بأن مجموعة من المواد والفقرات التي تضمنها قانون التنظيم القضائي غير مطابقة للدستور، فيما أكدت بالمقابل على دستورية مواد وفقرات أخرى، اعتبرتها غير ماسة باستقلال السلطة القضائية. وقد تضمن القرار خلاصة العديد من النقاشات التي ثارت بشأن قانون التنظيم القضائي، بحيث حاولت المحكمة الإشارة إليها والإجابة عليها.

بالمقابل، لم تتطرق المحكمة إلى العديد من النقاط التي سبق لنادي قضاة المغرب أن أثارها، ومنها الديمقراطية الحقيقية في تسيير المحاكم بإشراك القضاة في الجمعيات العامة عن طريق نقاش جدول الأعمال وليس فقط المصادقة على اقتراحات مكتب المحكمة المثقل بمكونات تتبع لإدارة المحكمة في أغلبها، وقضية تفرّد الحكومة وحدها عبر تقنية المراسيم في الإحداث الجغرافي للمراكز القضائية والمحاكم العادية والمتخصصة، وكذا تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية. كما لم تناقش المحكمة مسألة عدم إدراج بعض المقتضيات التي تهم القضاة في هذا القانون مع أن وضعية القضاة منظمة حصرا بقانون تنظيمي وغيرها من المواضيع.

فما هي أهم النقاط التي اعتبرتها المحكمة الدستورية مخالفة للدستور في قانون التنظيم القضائي؟ وما هي بعض التفسيرات التي قدمها المحكمة بشأن بعض بنود هذا القانون؟ ثم ما هو مآل قانون التنظيم القضائي بعد صدور هذا القرار؟

 

المواضيع التي تشكل مخالفة دستورية في قانون التنظيم القضائي...

أبرز المواد التي اعتبرت مخالفة دستورية وفق قرار المحكمة الدستورية، الآتية:

  • المادة 19 (الفقرة الأولى): وقد تمثلت المخالفة هنا في عدم مراعاة طبيعة عمل النيابة العامة في تنظيم كتابة الضبط في قانون التنظيم القضائي. فقد تم جمعها في هيئة واحدة تتبع للكاتب العام من دون تمييز بين من يعمل منهم في قضاء النيابة العامة ومن يعمل في قضاء الحكم على خلاف ما هو عليه الوضع  الحالي، حيث توجد مصلحة لكتابة الضبط خاصة بالنيابة العامة تتبع لرئيس مصلحة كتابة الضبط ووكيل الملك/أو الوكيل العام، وأخرى خاصة بقضاء الحكم وتتبع إداريا لرئيس مصلحة كتابة الضبط ورئيس المحكمة. وبالتالي أرادت المحكمة الدستورية الإبقاء على الوضع الحالي.

  • المادة 23 (الفقرة الثالثة) التي خوّلت الكاتب العام أداء مهام كتابة الضبط: يتعلق الأمر هنا بكون الكاتب العام للمحكمة وهو المسؤول الإداري للموظفين والجانب المالي بالمحكمة منحه القانون صلاحية قيامه بمهام كاتب الضبط. لكن المحكمة الدستورية اعتبرت الأمر غير دستوري، لكونه يخضع لرقابة وسلطة وزير العدل وهو ما يتنافى مع قيامه بمهام ترتبط بالمهام القضائية،

  • المواد 27 (الفقرة الأولى) و28 (الفقرة الأولى) و93، والتي منحت الكاتب العام صلاحيات تقريرية في أشغال مكتب المحكمة المتعلقة بالشأن القضائي: يتعلق الأمر هنا بكون قانون التنظيم القضائي الجديد منح العضوية الكاملة للكاتب العام في مكتب المحكمة وهي هيئة جديدة مهمتها اقتراح جدول عمل الجمعية العمومية وبعض الصلاحيات الأخرى. وقد اعتبرت المحكمة الدستورية أن هذا الأمر يخالف الدستور، لأن تقسيم وتوزيع المهام القضائية بالمحاكم يدخل في باب الحفاظ على استقلال القضاء وعدم التأثير عليه ويبقى حقا للقضاة وحدهم يدبرونه بطريقة تشاركية فيما بينهم.

  • المواد 27 (الفقرة الثانية) و28 (الفقرة الثانية) و60 و78، والتي نصت على تعيين وكيل الملك والوكيل العام للملك ممثلين لهم للقيام بمهام النيابة العامة لدى المحاكم الابتدائية التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية: فقد نص قانون التنظيم القضائي على إلغاء مناصب المسؤولية المتعلقة بالنيابة العامة في المحاكم التجارية وجعل مهامها من اختصاص نائب لوكيل الملك أو الوكيل العام حسب الأحوال للمحكمة التي تتبع لها المحكمة التجارية يعينه هذا الأخير من بين نوابه. لكن المحكمة الدستورية اعتبرت أن هذا الأمر يشكل تطاولا على اختصاصات المجلس الأعلى للسلطة القضائية في التعيين، وأن وجود قضاء متخصص يفرض وجود مسؤولين متخصصين في جميع المستويات.

  • المواد 32 (الفقرة الأخيرة) و35 و96 (الفقرة الثالثة) والتي أغفلت تحديد المسطرة المتبعة في حالة عدم تمكن الجمعية العامة من عقد اجتماعها بسبب عدم حضور ثلث الأعضاء وحالة عدم مصادقة الجمعية العامة خلال اجتماعها الثاني على مشروع برنامج عمل المحكمة: وقد اعتبرت المحكمة الدستورية في هذا الإطار أن "برنامج عمل المحكمة وحسن سير أشغال الجمعية العامة، يرومان ضمان تفعيل غايات دستورية، لا سيما منها تلك المرتبطة بحق التقاضي (الفصل 118)، واستمرار خدمات مرفق العدالة (الفصل 154)؛... وأن  المُشرع، في تنظيمه لموضوعي اجتماعات الجمعية العامة والمصادقة على برنامج تنظيم عمل المحكمة، لم يستشرف حالات تتعلق بعدم تمكن الجمعية من عقد اجتماعها بسبب عدم حضور ثلث الأعضاء، وكذا عدم مصادقتها على مشروع برنامج العمل المعروض عليها بأغلبية الحاضرين؛... وأن غياب مقتضيات مؤطرة لهذه الحالات، التي يتوقف عليها حسن سير العدالة وضمان حق المتقاضين في الولوج إليها، يشكل إغفالا تشريعيا، يجعل المقتضيات القانونية المرتبطة بهذا الموضوع غير مكتملة، من الوجهة التشريعية، وتؤدي، بالنتيجة، إلى عدم معرفة المخاطبين بها، بالحلول الممكنة في حال حدوثها".

  • المادتين 49 (الفقرة الأخيرة) و72 (الفقرة الأخيرة) واللتين أسندتا للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية صلاحية تعيين قضاة الأسرة المكلفين بالزواج، والقضاة المكلفين بالتوثيق، والقضاة المكلفين بشؤون القاصرين، والقضاة المكلفين بالتحقيق، وقضاة الأحداث، وقضاة تطبيق العقوبات، بالنسبة للمحاكم الابتدائية، والمستشارين المكلفين بالأحداث والقضاة المكلفين بالتحقيق لدى محاكم الاستئناف: فقد صرّحت المحكمة الدستورية بأن تعيين القضاة في هذه المحكمة يجب أن يكون من صلاحيات المجلس وليس رئيسه المنتدب.

  • المادة 52 فيما أوكلته من مهام قضائية لمكتب المساعدة الاجتماعية، غير مطابقة للدستور.

 

التفسيرات التي قدمتها المحكمة بشأن بعض بنود قانون التنظيم القضائي

انصبت هذه التفسيرات على مواد وفقرات قانون التنظيم القضائي الآتية:

  • تفسيرات تهم مضمون المواد من 102 إلى 109 والتي اعتبرت المحكمة أنها تكتسي طابعا تنظيميا وأن مضمونها ليس فيه ما يخالف الدستور مع مراعاة التفسيرات المقدمة بشأنها: وقد اعتبرت المحكمة في موقف مفاجئ هنا أن المواد من 102 إلى 109 من قانون التنظيم القضائي الجديد والتي تهم التفتيش الإداري والمالي للمحاكم أنه لا مبرر لتنظيمه بواسطة قانون بل يحتاج فقط لمرسوم تنظيمي على غرار باقي مفتشيات الوزارات الأخرى. وقد عللت ذلك بما يأتي: "التفتيش الإداري والمالي التابع للوزارة المكلفة بالعدل الوحيد المنظم بقانون، في حين أن باقي المفتشيات المماثلة، الممارسة للاختصاص ذاته، التابعة لوزارات أخرى منظمة بنصوص تنظيمية. وهو تَمييز لا يجد أي أساس أو سند دستوري له؛...وأنه، بناء على ما سبق، فإن التفتيش الذي يجب أن يأتي على شكل قانون، هو التفتيش القضائي (المقرر بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 53 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية) وليس التفتيش الإداري والمالي المندرج في عمل السلطة التنظيمية، مما يَستدعي تنظيمه وفق نص تنظيمي عملا بأحكام الفصل 72 من الدستور؛

لكن الغريب هو أن المحكمة الدستورية وإن خلصت إلى أن المفتشية العامة لوزارة العدل يجب أن تنظم بمرسوم فقط، إلا أنها مع ذلك أعطت رأيها في قضية أثارت الكثير من النقاش وهي المنصوص عليها في المادة 107 من قانون التنظيم القضائي، المتعلقة باستماع المفتشين الإداريين التابعين لوزارة العدل إلى المسؤولين القضائيين وهم قضاة لديهم مفتشية خاصة بهم تتبع للسلطة القضائية. فقد صرحت المحكمة أن الاستماع إلى المسؤولين فيما له علاقة بالتدبير الإداري والمالي للمحاكم وليس الشأن القضائي لا يخالف الدستور بحكم الصلاحيات التي يملكونها في هذا المجال.

 

ثالثا: مآل قانون التنظيم القضائي بعد صدور قرار المحكمة الدستور

تجدر الإشارة أخيراً، إلى أنه وبعد صدور هذا القرار من المحكمة الدستورية بشأن قانون التنظيم القضائي، فإن هذا الأخير سوف يعاد للبرلمان قصد مواءمة المواد التي اعتبرتها المحكمة غير دستورية. وهذا ما يتأتى عن تطبيق المادة 27 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية. فوفق هذه المادة، عند صدور قرار دستوري بإبطال عدد من مواد قانون، نكون أمام فرضيتن:

  • الفرضية الأولى كون المادة أو المواد أو جزء منها غير دستوري وفق قرار المحكمة، ويمكن فصل تلك المادة أو المواد أو الجزء عن القانون الأصلي دون تأثير عليه. ففي هذه الحالة يتم مباشرة إصدار الأمر (الظهير) بتفنيد القانون دون الحاجة لأن يعود للبرلمان. وهذا ما حصل مع القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، بحيث اعتبرت المحكمة حينها أن عدم حصر الأخطاء الجسيمة الموجبة لإيقاف القضاة فوريا عن العمل يشكل مخالفة دستورية. وقد تم فصل الفقرة المعنية بهذه الملاحظة عن مجموع القانون وتم نشره في الحين دون حاجة لإرجاعهما الى البرلمان.

  • الفرضية الثانية التي لا يمكن معها فصل المواد التي تم إبطالها عن القانون من دون التأثير عليه. ففي هذه الحالة يعاد القانون للبرلمان لغاية التقيد بملاحظات المحكمة الدستورية وإعادة ترتيب القانون.

لكن السؤال الذي يطرح هنا، ولا يجيب عليه النص القانوني هو: من سيراقب في هذه الفرضية الأخيرة تقيّد البرلمان بالملاحظات الدستورية للمحكمة والقول بتقيده بها من عدمه، ما دام أن الإحالة لمراقبة المحكمة الدستورية في القانون العادي هي اختيارية وليست اجبارية كما هي الحال في القانون التنظيمي؟ فهل سنعتبر أنه ما دام تمت الإحالة في المرة الأولى، فإنه يتعين على الجهة (وهي في حالتنا الحكومة) التي أحالت أن تسير في هذه المسطرة إلى نهايتها، أم أن أمر الاختيار يبقى قائما في جميع الأحوال؟ وهو ما يمكن أن يشكل تراجعا عن التقيّد بملاحظات المحكمة لأي سبب من الاسباب.