تشكّل قضية العقار الوهمي في منطقة الميناء (شمال لبنان) أحد أبرز الأمثلة على التعدي على الأملاك العامة البحرية أو بالأحرى التخلي عنها. فقصة هذا العقار ليست بجديدة: بدأت فصولها في أواخر الستينيات وقد انشغل فيها أكثر من من وزير للأشغال العامة والنقل. وفي حين نجح بعض هؤلاء في حماية الملك العام، أخلّ وزراء آخرون، ومنهم وزير الأشغال العامة والنقل الحالي يوسف فنيانوس، عن مسؤولياتهم في صون أملاك الدولة.

نسرد فيما يلي تفاصيل هذه القضية، لنعيد انطلاقا منها طرح السؤال الأساسي: من يحمي الأملاك العامة؟ وما وسع المواطنين أن يفعلوا في حال تخلّت الدولة، ووزارة الأشغال العامة عن دورهما في حماية الأملاك العامة؟ هل يمكنهم في هذه الحالة الحلول محل هؤلاء لممارسة حقهم وواجبهم في حماية ما بقي من الدولة؟ فأليس من المنطقي أن تكتسب أشكال الديمقراطية المباشرة (ومنها تكفل المواطنين في الدفاع عن حقوق الدولة مباشرة) مشروعية متجددة في ظل انهيار مؤسسات الديمقراطية التمثيلية وفشلها في حماية ما أؤتمنت عليه؟

هذه هي الأسئلة التي يجدر طرحها في هذا المكان.

 

عقار يكتب تاريخ الدولة: كيف تعاملت الدولة إزاء محاولات خصخصة الملك العام؟

في عام 1935، وفي إطار أعمال التحديد والتحرير، تم قيد العقار رقم 220 من منطقة بساتين الميناء في السجل العقاري. وقد بينت خريطة المساحة للعقار أنه يحدّه "أرض صخرية بحرية" ويُفهم من خريطة المساحة أنها قطعة أرض تدخل ضمن الأملاك العامة البحرية على أساس المادة الثانية من القرار 144/س الصادر عام 1925، والذي يعتبر ضمن الأملاك العمومية شاطئ البحر حتى أبعد مسافة يصل إليها الموج في الشتاء وشطوط الرمل والحصى.

وقد بقي هذا الأمر مستقرا من دون أي منازعة، بالنظر إلى انسجامه التام، ليس فقط مع القانون، إنما أيضا مع طبيعة الأشياء (البحر والموج والرمل والأرض). وهذا ما يمكن معاينته كل يوم، وخاصة حين تمطر حيث يشمل البحر كامل مساحة القطعة تلك، فتصبح مجرد مسطح مائي.

 

القضاء يحمي الملك العام في زمن ما قبل الحرب

في 1969، قدّم أشخاص من آل الشبطيني، وهم ورثة فرنسيس الشبطيني، إلى القاضي العقاري الإضافي في الشمال ادعاءات هجينة مفادها أن ثمة خطأ ماديا حصل أثناء عملية التحديد والتحرير، أدّى إلى سقوط قطعة أرض من غربي العقار 220 الذي يملكونه، ضمن الأملاك البحرية. وقد طلبوا إعادة تصحيح الخطأ المادي وتعيين خبير لاجراء معاملات التحديد والتحرير للقطعة الواقعة بين العقار 220 والبحر (وهي القطعة المشار إليها في خريطة المساحة على أنها "قطعة أرض صخرية بحرية") وإعطاءها رقما جديدا وتسجيلها على اسمهم في السجل العقاري، وذلك على أساس المادة 15 من القرار 188/1926 المتعلق بإنشاء السجل العقاري، علما أن مساحة الأرض المشمولة بالإدعاء بلغت 58 ألف متراً مربعاً. ويُشار إلى أنهم تذرعوا بالخطأ المادي للهروب من القاعدة التي تُسقط الحقّ بالطعن بنتائج التحرير والتحديد، بعد سنتين من تسجيله في السجل العقاري.

تبعا لدراسة ملف القضية، صدر حكم قضى برد الطلب لعدم الصلاحية المطلقة للقاضي العقاري الإضافي، بعد أن استثبت من عدم وجود إبهام في قرار القاضي العقاري الأصيل يستدعي التفسير ومن عدم وجود أي خطأ مادي يستوجب التصحيح، وقد تم تصديق القرار في محكمة الإستئناف أيضاً عام 1971. وإذ قدمت الجهة المدعية استدعاء نقض ضد القرار الإستئنافي، أصدرت الهيئة العامة لمحكمة التمييز في 1987 قرارا مبدئيا اعتبرت فيه أن القرارات الصادرة عن القاضي العقاري الإضافي لا تقبل النقض أمامها. وعليه، أمكن القول بوضوح كلي أن قطعة الأرض تلك تم تكريسها ملكا عاما ليس فقط بفعل الطبيعة والقانون وخريطة المساحة، إنما أيضا بفعل قوة الأحكام القضائية (القوة المقضية) ملكا عاما.

 

وزارة الأشغال العامة تتخلى عن ملك الدولة في زمن انهيارها: قضية الميناء كمقياس لنزاهة الوزراء

المحاولات التالية تمت من خلال وزارة الأشغال العامة، حيث أن حماية الأملاك العامة وإدارتها تقع ضمن صلاحية وزارة الأشغال العامة. وبمراجعة سلسلة مواقف هؤلاء الوزراء، جاز القول أن قصة هذا العقار الوهمي باتت تصلح مقياسا لمدى حرصهم على الملك العام. فمن رفض تصديق الوهم، عبّر عن درجة عالية من النزاهة في هذا الخصوص. بالمقابل، الذين تعاملوا مع الوهم على أنه حقيقة رغم علمهم أنه كذلك، فهؤلاء أمكن تصنيفهم من دون أي مبالغة ضمن الوزراء الذين أخلّوا بمسؤولياتهم عمدا وأساؤوا تاليا الأمانة. وبالطبع، نزاهة الوزير تصبح حاسمة بعدما تمّ تغليب الإدارة الشخصية للشؤون العامة على قواعد العمل المؤسساتي، وبخاصة في خضم الحرب وبعد انتهائها.

وقد بدأ هذا الفصل في أواخر الثمانينات: ففي 1988، وفي ظل إحدى حكومات الحرب، عاد ورثة آل شبطيني وتقدموا بطلب إلى أمين السجل العقاري في الشمال لتصحيح الخطأ المادي الناجم عن عدم تطابق خريطة التحديد والتحرير مع سندات الطابو، على إعتبار أن خريطة التحديد والتحرير لم تورد أن الحد الغربي للعقار الممسوح برقم 220 هو "البحر"، وأن الحد الغربي الظاهر على خريطة المساحة النهائية هو خط مستقيم ونجم عن ذلك ـأن بقيت قطعة الأرض الواقعة بين الحد الغربي والبحر مفصولة عن العقار الأساسي. وقد وجّه حينها أمين السجل مذكرة لرئيس المساحة في طرابلس لوضع خريطة وبيان الوضع، وقامت دائرة المساحة بتنظيم المصوّر المطلوب.

بموازاة ذلك، تقدّم الورثة بإستدعاء إلى وزير الأشغال العامة آنذاك وليد جنبلاط، الذي وافق بتاريخ 17 أيلول 1990 على طلب هؤلاء ووجه إلى أمانة السجل العقاري في الشمال كتابا بهذا المعنى طلب فيه تصحيح الخطأ المادي واعتبار الجزء المسمى "أرض صخرية بحرية" تابعاً للعقار 220 بساتين الميناء وترقيمه على خريطة المساحة وقيده على اسم ورثة آل شبطيني في السجل العقاري. وإذ طلب أمين السجل العقاري أن يوجه الطلب إليه من خلال وزارة المالية ومن خلال مديرية الشؤون العقارية، عاد جنبلاط ووجه طلبا بالمشورة إلى هيئة التشريع والإستشارات التي أصدرت مطالعة في أيّار 1993 اعتبرت فيها أنه لا يمكن إجابة طلب المستدعين. وقد بررت هيئة التشريع والإستشارات رأيها بأنه لا يجوز معاودة البحث، خاصة بالصورة الإدارية بتوفر الخطأ المادي لما يتمتع به الحكم الإستئنافي من حجية القضية المحكوم بها. وقد بيّنت في متن هذه المطالعة أن الطلب المقدم إلى وزارة الأشغال العامة مماثل للطلب المقدم سابقا للقاضي العقاري الإضافي (أي تصحيح الخطأ المادي المزعوم) بعدما فندت حيثيات القرارين الابتدائي والاستئنافي الصادرين في هذه القضية على حدّ سواء.

لم يكلّ ورثة آل شبطيني وعاودوا المحاولة مرة أخرى في عهد وزير الأشغال العامة والنقل عمر مسقاوي عام 1994، حيث تقدموا بطلب جديد ل "تصحيح" خطأ مادي واقع على العقار 220/بساتين الميناء. وقد حاول الورثة إظهار أن ليس هنالك قضية مقضية، وأن هذا الطلب مختلف عن الدعوى القضائية السابقة. وبذلك، برروا أن الطلب المقدم للوزير مسقاوي موضوعه تصحيح خطأ مادي لجهة الحد الغربي للعقار ليكون مطابقاً لما هو عليه في محضر التحديد والتحرير، فيما أن الدعوى كانت مبنية على أساس أن قسماً من العقار أدخل خطأ في الأملاك العامة ويقتضي تحديده مجدداً على اسم الورثة. والواضح، أن المطالبتين متشابهتان تماماً وأن كل ما أثاره الورثة في هذا الخصوص لا يكاد يتجاوز كونه نوعا من السفسطائية.

الإجراء الأول الذي اتخذه الوزير مسقاوي هو إحالة الملف لدراسة خبير مسّاح. وبناءً على تقرير هذا الأخير، جاء ردّ الوزير في نفس إتجاه القضاء وهيئة التشريع والإستشارات. فقد جاء في كتابه المؤرخ في 8 شباط 1996: " قد أصبح من غير الجائز معاودة البحث، وخاصة بالصورة الإدارية، بتوفر مثل هذا الخطأ المادي لما يتمتّع به الحكم الإستئنافي الصادر بتاريخ 11/2/1971 من حجية القضية المحكوم بها فيما قضى به من رد طلب التصحيح لعدم توفر خطأ مادي في قرارات القاضي العقاري الأصيل يستوجب التصحيح (...). نفيدكم بما تقدم، وبالتالي لم يعد من الممكن النظر بطلب تصحيح خطأ مادي ثبت قضائيا عدم توفره بصورة قطعية". وقد أرسل الوزير كتاباً ثانياً لوكيل الورثة في أيّار 1996، حذّر فيه من إقدام أمانة السجل العقاري من التصرف في أمور مخالفة للقانون. وفي حين كان الورثة قد تحججوا بأن الأرض موضوع النزاع تقع ضمن اليابسة وهي "صخرية" وأن الخطأ المادي ناتج عن تغاير بين محضر التحديد (حيث جاء فيه، بحسب ما يزعمون، أن الحد الغربي للعقار هو البحر) وخريطة المساحة (حيث جاء فيها أن الحد الغربي للعقار هو خط افتراضي مستقيم لأرض صخرية بحرية)، أكّد الوزير مسقاوي في كتابه أنه لا يوجد إطلاقاً أي تغاير بين المحضرين، لأن كلمة "بحر" تساوي كل الأملاك البحرية، بإعتبار أن الأملاك البحرية تتبع مفهوم البحر وليس مفهوم اليابسة وبالتالي فإن المساحة الصخرية المعتبرة من الأملاك البحرية هي جزء من البحر وليس من اليابسة. كما أشار الكتاب إلى أن الأملاك العامة البحرية لا تحدد فقط بفقش الموج، وإنما أيضاً بالعوامل الطبيعية التي يفرزها مفهوم الشاطئ ومنظره العام. كما أشار إلى أن شاطئ البحر ورموله هو من ضمن الأمكنة والمساحات المحفوظة وهي ضرورية للإبقاء على التوازنات البيولوجية وتقدم فائدة بيولوجية وميزة للتراث الطبيعي والثقافي للشاطئ. وبذلك، يكون الوزير مسقاوي تصدى لمحاولة خصخصة الشاطئ، متذرعاً ليس فقط بحجية القضية المحكوم بها، وإنما أيضاً بطبيعة هذه الأرض وارتباطها الوثيق بالبحر وبالتالي عدم قابليتها للخصخصة. وكان نما إلى "المفكرة" من مصادر موثوقة أن الوزير مسقاوي، بما يتمتع به من نزاهة ونظافة كف، تشبّث بموقفه رغم إغراءات هائلة، قدمت له في سنة 1996. وقد طلب المصدر عدم الكشف عن اسمه أو عن تفاصيل هذا الإغراء.

لم يتخلّ ورثة آل شبطيني ومن وراؤهم عن المحاولة. وعليه، وبعد استراحة دامت أكثر من عقد ونيّف، تأمّل هؤلاء خيرا من إزاحة مسقاوي عن وزارة الأشغال العامة وتعيين غازي العريضي وزيرا فيها. وعليه، عادوا وتقدموا في عام 2010، مجدداً بطلب إلى العريضي، مكررين مطالبهم السابقة. هنا، بدأت الأمور تتبدل بشكل مفاجئ. فقد أغمض على ما يبدو العريضي عينيه: تغاضى عن الملف المحفوظ في الوزارة، تغاضى عن المستندات الواردة فيه ومن أبرزها كتاب الوزير مسقاوي والأحكام القضائية المبرمة واستشارة هيئة الاستشارات والتشريع. تغاضى عن دوره في حماية الأملاك العامة، ليقوم على العكس من ذلك باستغلال هذا الدور لتمكين الورثة ومن وراؤهم من الاستيلاء على هذه المساحة الضخمة من دون أي بدل. ومنعا لأي إحباط لمراده، لم يتجه العريضي هذه المرة إلى هيئة الاستشارات والتشريع، بل فقط إلى مصلحة القضايا داخل الوزارة التي يتحكم بمفاصلها. وكما هو منتظر، وافقت هذه المصلحة على مضمون الطلب، وتوصلت إلى اعتبار القسم الغربي الواقع بين الكورنيش والأوتوستراد وحدود البحر هو جزء من العقار رقم 220 – بساتين الميناء طرابلس العائد لآل الشبطيني.

بناءً عليه، وجّه الوزير كتاباً إلى أمانة السجل العقاري في محافظة الشمال طالبا فيه تصحيح "الخطأ المادي" بتسجيل قسم من العقار رقم220 وترقيمه وقيده على اسم ورثة فرنسيس شبطيني، وكأنه "عقار مستقلّ". إلا أن أمين السجل العقاري رفض تنفيذ طلب العريضي وأرسل كتابا إلى وزيرة المالية حينها ريّا الحفّار للإطلاع وإقرار المناسب. الوزيرة الحفّار برهنت بدورها عن نزاهة عالية فرفضت تصحيح القيود بموجب كتاب إداري واعتبرت أن غاية الإدارة كانت أن تكون كل الأملاك الواقعة غربي البولفار والمحاذية للأملاك البحرية كلها أملاكا عامة بحرية. وقد اعتبرت الوزيرة حفّار أن إصرار وتأكيد وزير الأشغال على التنفيذ لا يلزم الإدارة ولا أمانة السجل العقاري. وبالفعل لم يتمكن الورثة من نقل ملكية العقار، وردّ طلبهم للمرة الرابعة.

رغم رفض وزارة المالية نقل قيد العقار، لم يتزحزح الوزير العريضي عن رغبته في تمكين أشخاص من الاستيلاء على مساحات كان أؤتمن كوزير على حمايتها. وهكذا، اتجه ورثة آل الشبطيني هذه المرة، يدهم بيد العريضي، إلى القاضي المشرف على أعمال الضم والفرز في الشمال القاضي نزيه عكاري والذي لا نفهم مطلقا مصدر صلاحيته واختصاصه في هذا المجال. فالمساحة المذكورة هي مسجلة ملكا عاما منذ 1935 بموجب معاملة تحديد وتحرير ولم تدخل قط في أي معاملة فرز. وقد تمثل ذلك في الطلب الخطي الذي وجهه العريضي، إلى القاضي المذكور (غير الصالح وغير المختص مطلقا)، بـ"اتخاذ المقتضى القانوني فيما خصّ العقار 220/ بساتين الميناء، وترقيمه وقيده على اسم ورثة فرنسيس شبطيني في السجل العقاري". واللافت أن العريضي لم يجد حرجا في إرسال الطلب من دون أي تعليل، ولا حتى من باب تأمين غطاء قانوني لنفسه. فكأنما يأمل من الجميع وضمنا القاضي أن يغضّوا الطرف عن الملك العام، طالما أنه هو (المسؤول عن حماية الملك العام) فعل ذلك من دون حرج.

وفي أيّار من العام نفسه، تقدم الورثة باستدعاء أمام القاضي نفسه، مكررين فيه مطالبهم السابقة. بعد أقلّ من سنة، صدر القرار في شباط 2014 عن القاضي المشرف على أعمال الضم والفرز في الشمال، قضى باعتبار العقار المعني قطعة قد سقط سهواً للمالك ورثة فرنسيس الشبطيني، وبمساحة قدرها 29838 متراً مربعاً، وهي تقريباً نصف المساحة التي كان قد طالب بها الورثة عام 1969. وقد قضى القرار بالطلب إلى أمين السجل العقاري في الشمال بقيد القطعة المذكورة على صحيفة العقار رقم 220 منطقة بساتين الميناء العقارية. وفي حين أن القرار القضائي لم يأتِ على ذكر ترقيم هذا العقار كعقار "جديد"، بل على ضم هذه القطعة إلى العقار 220، سجّل العقار في السجل العقاري في شهر كانون الأول 2015 وصدرت الإفادة العقارية له وأعطي العقار رقم 1403، أي كعقار مستحدث مستقلّ عن العقار 220.

هكذا إذاً، تم إستحداث عقاراً وهمياً داخل البحر وخصخصته، بدعم مباشر من وزارة الأشغال العامة. فكيف تصدّى المواطنون لهذه الخصخصة وعكّروا صفو الفساد؟ وما هو مآل الدعاوى؟ هذا ما نتناوله في الحلقة الثانية من هذا المقال.


لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

Falsifying Property Ownership in El Mina, Lebanon (Part I)