في أول إجراء قانوني بحق نظاميين منذ إندلاع موجة الإحتجاجات الشعبية الحالية في السودان، تتخذ النيابة العليا خطوة بطلب رفع حصانة يوم السبت التاسع من فبراير عن شرطيين اتّهما بقتل المتظاهر عثمان سليمان إبراهيم في الولاية الشمالية في يناير الماضي في إثر مشاركته في المظاهرات السلمية. وينتظر أن تتجه النيابة بولاية كسلا شرقي السودان لذات الطلب لجهاز الأمن والمخابرات بخصوص منسوبيه الذين أشرفوا على اعتقال المدرس أحمد الخير، والذي لقي حتفه داخل زنازين الجهاز بداية الشهر الحالي، سيما بعد صدور تقرير النيابة العامة في الولاية مؤكداً تعرضه للتعذيب المفضي للموت.

ومع تزايد الدعوات لتقديم قتلة المتظاهرين للعدالة، تتّضح أكثر وعورة الطريق للإقتصاص لهم أو تعويض أهاليهم بشكل قانوني يكفل لهم بعض التعافي. فخلال شهر ونصف فقط، أقرت الحكومة بسقوط أكثر من عشرين قتيلا أثناء المظاهرات الأخيرة في السودان أو داخل المعتقلات الأمنية، بينما يسجل الحقوقيون والمراقبون أكثر من خمسين شخصاُ قتلوا بشكل متعمد أثناء احتجاجهم السلمي في الشوارع أو داخل معتقلات تتبع للسلطات السودانية, ويتصاعد القلق إذا تذكرنا أن ضحايا مظاهرات سبتمبر من العام (2013) لم تتم إدانة أي شخص بقتلهم رغم ضخامة عددهم الذي تجاوز الثلاثمائة حسب إقرار السلطات في أقل من أسبوعين، بسبب ما يجزم حقوقيون أنه تباطؤ في ملاحقة المتهمين جراء تغطية الرسميين منهم بحصانات، باتت تعيق العدالة إلى حدّ كبير.

وكما في أغلب بلدان العالم تتولى الشرطة مهمة فض المظاهرات ومجابهة أعمال الشغب التي قد تنتج عنها وفق المعايير الدولية المنصوص عليها في المواثيق بما يراعي حقوق الإنسان وسلامة المتظاهرين ومستخدمي الشارع العام الآخرين وكذلك أمن البلد المعني. لكن في السودان، بات الشارع العام والحقوقيون والناشطون على قناعة بأن الشرطة ليست وحدها من يتصدى للتعامل مع الإحتجاجات. وتزامناً مع تدخل أطراف أخرى بعلم الدولة، ارتفع عدد ضحايا عمليات قمع المظاهرات بشكل ملحوظ، في غياب واضح للعدالة أمام المحاكم، لغياب الفاعل المجهول في غالب الأحيان بالنسبة للدولة بناء على نتائج البلاغات الجنائية المتكررة عقب سقوط قتلى في الإحتجاجات المدنية.

ويرى المحامي المختص في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي أبو بكر عبد الرازق أن الحصانات الخاصة التي وزعتها الحكومة السودانية على أجهزتها الأمنية هي السبب المباشر الذي قاد إلى اتهام رئيسها المشير عمر البشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من قبل محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، وذلك جراء تصريحات علنية للبشير في مدينة الفاشر بغرب دارفور، تحدى فيها العالم بأنه لن يسلم المطلوبين من مسؤولي حكومته للمحكمة الجنائية الدولية بقولته المشهورة (ما حنسلمهم كديس- أي لن نسلمهم قط) أثناء حشد جماهيري في العام 2003.

وبحسب القانون السوداني كما في كثير من البلدان، تتوفر حصانات متعددة لمنسوبي الدولة كالدبولماسيين والدستوريين والعاملين القضائيين والمحامين إلى جانب قوات الشرطة وأفراد الجيش ومنسوبي أجهزة المخابرات. إلا أن الحصانات الممنوحة للقوى المسلحة تتسع مساحتها في السودان بشكل يصعب مهمة التقاضي في مواجهتهم وبالتالي الإنتصاف منهم في القضايا الخاصة أو الحقوق العامة. فبموجب  نص المادة (46) من قانون الشرطة للعام (2000)، فيما عدا حالات التلبس لا يجوز اتخاذ إجراءات جنائية ضد فرد من أفراد الشرطة متهم في واقعة أو جريمة ارتكبت أثناء قيامه بعمله الرسمي أو بسببه أو بإذن من الوزير أو من يفوّضه.

ولا يقتصر الأمر على اشتراط الإذن المسبق للملاحقة، إنما يصل إلى فتح باب واسع لوضع العديد من الانتهاكات بمنأى عن أي ملاحقة. فوفق المادة (52\2) من قانون الأمن الوطني لسنة (2010) بشأن حصانات الأعضاء والمتعاونين "لا تعتبر جريمة أي فعل يصدر من أي عضو في الجهاز بحسن نية أثناء أو بسبب أداء أعمال وظيفته أو القيام بأي واجب مفروض عليه أو عن فعل صادر منه بموجب أي سلطة مخولة أو ممنوحة له بمقتضى هذا القانون أو أي قانون آخر ساري المفعول أو لائحة أو أوامر صادرة بموجب أي منها، على أن يكون ذلك الفعل في حدود الأعمال أو الواجبات المفروضة عليه وفق السلطة المخولة له بموجب هذا القانون".

وتتضمن المادة (52\3) إنه "لا يجوز إتخاذ أي إجراءات مدنية أو جنائية ضد العضو أو المتعاون إلا بموافقة المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، وأن عليه منح الموافقة متى اتضح أن موضوع المساءلة غير متصل بالعمل الرسمي للفرد أو المتعاون، على أن تكون المحاكمة الجنائية سرية  أثناء أو بعد إنتهاء خدمته، في ما يقع منه من فعل. ولا يجوز إتخاذ إجراءات جنائية أو مدنية بحق العضو أو المتعاون في قضية تتعلق بعمله".

ويؤكد المحامي المختص في القانون الجنائي الدولي أبو بكر عبد الرازق أن مشكلة الحصانات الأساسية تكمن في أنها تعرقل إجراءات تحقيق العدالة وربما تعطلها تماماً. كما أنها من الخطورة بمكان بسبب أنها تطلق يد مشموليها في استعمال السلاح والسلطة، رغم وضوح القاعدة المعروفة التي تقول بأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة.

ويلفت عبد الرازق إلى أن الحصانات تؤثر على استقلال النيابة والقضاء، بإعتبار أن عدم رفع الحصانة يحول دون إصدار الحكم المناسب ويغل يد القضاء والنيابة الوطنيين ويجعل القضاء في الدولة المعنية في وضع العاجز، خصوصاً في قضايا الجرائم الكبرى كجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ويوضح أنه في هذه الحالة، يصبح تدخل القضاء الدولي كقضاء تكميلي مبررا بثبوت عجز القضاء الوطني. ويشدد عبد الرازق أن حصانات الرئيس عمر البشير نفسه والمتهمين الآخرين هي التي أفضت بهم انطلاقا من ذلك للمحكمة الجنائية الدولية. وهو يستدل إلى ذلك من استناد قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية السابق القاضي لويس مورينو أوكامبو، على تقرير لجنة القاضي الوطني دفع الله الحاج يوسف الذي أوصى بإتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق متهمين، لكن السلطات تجاهلتها.

وبدا عبد الرازق واثقاً في حديثة ل (المفكرة القانونية) من أن المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بن سودا ستلتقط الأحداث الحالية، من قتل للمتظاهرين بواسطة ملثمين أو مستقلي سيارات دون لوحات تحت سمع وبصر السلطات الرسمية، وستضيف متهمين جددا للقائمة أو تهماً إضافية للمتهمين السابقين المطلوب القبض عليهم وإحضارهم أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

وبمتابعة سير القضايا التي قتل فيها أشخاص أو تعرضوا لإنتهاكات جسيمة، لم تسجل سوى حالة رفع الحصانة بحق ضابط شرطة صغير قتل الشابة (عوضية عجبنا) بالخرطوم قبل خمسة أعوام بالرصاص أثناء اقتحام منزل أسرتها حيث اختبأ متظاهرون. كما رفعت الحصانة أيضاً في وقت سابق عن ضابط شرطة عذب متهماً بتعليقه على مروحة السقف في قسم الشرطة. لكن القضية توقفت بسبب تسوية مالية أجراها الضابط مع الشاكي الذي كان متهماً في قبضته حينها.

وينص قانون الشرطة في المادة (46) منه على أنه "فيما عدا حالات التلبس، لا يجوز إتخاذ أي إجراءات جنائية ضد شرطي متهم في واقعة أو جريمة ارتكبت أثناء قيامه بعمله الرسمي أو بسببه أو بإذن من الوزير أو من يفوضه".

ومع اقتصار حالات رفع الحصانة طوال ثلاثين عاماً على حالتين فقط، رغم كثرة الضحايا، لا يبدو أن الطريق سيكون سهلاً أمام المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان في طلب العدالة لضحايا الأحداث الحالية رغم كثرتهم. لكن مشوار الميل...يبدأ بخطوة.

 

مقالات ذات صلة:

"خور العفن" تتمدّد: السودان تبكي آخر ضحايا التعذيب

الرصاص المجهول وقصة المتظاهرين في السودان