بتاريخ (6/3/2019)، انطلقت أعمال الدورة الإستثنائية للمجلس النيابي. بدأت الجلسة الصباحية ببند انتخاب النوّاب سبعة أعضاء من بينهم في المحكمة الخاصة لمحاكمة الرؤساء والوزراء (المجلس الأعلى). وإذ كان يُفترض أن يؤدي هذا الانتخاب إلى استكمال تكوين هذه المحكمة، بعدما كان رئيس محكمة التمييز جان فهد أعلم المجلس النيابي باختياره القضاة الثمانية والنائب العام فيها، خلال الأسبوع الماضي، فإن المجلس النيابي رأى أن هذا الاختيار تم بطريقة مخالفة للدستور وطالب وزير العدل ألبير سرحان مراجعة رئيس محكمة التمييز لتصحيح الخطأ المرتكب بهذا الخصوص. وقد طلب مجلس النواب عمليا أن تبادر محكمة التمييز إلى إعادة عملية الاختيار وفق الأصول الدستورية والقانونية. وكانت "المفكرة" فنّدت هذه المخالفات تفصيليا في مقال نشرته قبل يومين من انعقاد الجلسة وتحديدا بتاريخ (4/3/2019).

وهذه المخالفات تنقسم إلى فئتين:

أولا، أن تسمية القضاة وتعيين النائب العام في المحكمة الخاصة حصلا من مرجع غير مختص، بحيث تمّا بقرار من رؤساء غرف التمييز فيما تفرض المادة 2 من قانون إنشاء هذه المحكمة أن يتما بقرار يصدر عن غرف التمييز كافة، أي عن جمعية عامة تضم رؤساءها ومستشاريها على حد سواء،

ثانيا، أن الاختيار حصل خلافا للمعيار المحدد في الدستور والقانون لهوية القضاة الأعضاء في المحكمة الخاصة، والذي يقوم على تسمية الأعلى رتبة من دون أي سلطة تقديرية. وللتذكير، تنص المادة 80 من الدستور بما لا لبس فيه أن هذه المحكمة الخاصة تتكون "من سبعة نواب ينتخبهم مجلس النواب وثمانية من أعلى القضاة اللبنانيين رتبة حسب درجات التسلسل القضائي أو باعتبار القدمية إذا تساوت درجاتهم ويجتمعون تحت رئاسة أرفع هؤلاء القضاة رتبة...".

وقد حصل تثبيت هذه المخالفات تبعا لنقاش نيابي، سنحاول وصف أهم ملامحه أدناه، قبل تحديد الخطوات الواجب اتخاذها في أثر صدوره.

 

النقاش النيابي حول مخالفة رؤساء غرف التمييز  

في مستهل مناقشة هذا البند، طلب النائب جورج عدوان – رئيس لجنة الإدارة والعدل – الكلام ليشير إلى الخشية من حدوث مخالفات دستورية، طالباً من وزير العدل التأكيد أن عملية تعيين الأعضاء من بين القضاة جرت بشكل قانوني. فتدخّل الرئيس برّي ليطلب توضيح سليم جريصاتي الحاضر، بصفته وزيراً سابقاً للعدل، ومن ثم توضيح وزير العدل الحالي ألبير سرحان. فاعتبر جريصاتي أن مخالفة التعيين كما جرى للدستور أمر محسوم. أما الوزير سرحان فأشار إلى أنه نما إليه أن عملية التعيين راعت التوازنات الطائفية، كما أنه قام باستشارة الرئيس الأول لمحكمة التمييز جان فهد بالأمر فبرّره بأنه تمّ الإستناد إلى الأعراف والمعايير نفسها التي تم اعتمادها في مرّتين سابقتين. وبذلك، بدا وزير العدل سرحان وكأنه يكتفي بنقل رسالة من دون أن يبديَ بشأنها أيّ رأي.

وعندها تدخّل الرئيس نبيه برّي معتبراً أن في ذلك مخالفة دستورية وأنه لا يجوز الأخذ بالتوازنات الطائفية أو المذهبية في تعيين أعضاء المحكمة الخاصة لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وأنه لم يتم قط الركون إلى هذه التوازنات في إعداد التشكيلات القضائية عندما كان وزيراً للعدل. وبذلك، جاءت شهادة بري لتعكس بشكل بين الانحطاط الحاصل على مستوى التعيينات القضائية برمتها، والذي أدى ويؤدي إلى تطييف القضاء، وعمليا إلى تكوين شبكات نفوذ ومصالح طائفية داخل القضاء، وذلك بين الفترة التي كان فيها وزيرا للعدل (منذ ثلاثين سنة) واليوم.  

أما النائب جميل السيّد فعاد ليثير المخالفات الدستورية التي ارتكبت في تعيين الأعضاء القضاة، تحديداً في عدم تسمية الأعلى درجة من بينهم، مسلسلاً الأمثلة حول الأسماء التي اختيرت دون أن يكون لها الحق في هذه العضوية، لا سيما الرئيس الأول جان فهد التي لا تسمح له درجته القضائية بأن يترأس المحكمة الخاصة.

وقد انتهى النقاش إلى تكليف وزير العدل سرحان بمراجعة رئيس محكمة التمييز لتصحيح الخطأ.

 

انتخاب النواب الأعضاء في المحكمة الخاصة

تبعا لهذا النقاش، دعا الرئيس برّي إلى انتخاب أعضاء المحكمة من بين النّواب، موضحاً أن مكتب المجلس توافق على ترشيح بعض الأسماء، دون أن يكون اختيار المكتب ملزماً، بحيث يستطيع من يشاء من النوّاب الترشّح، الأمر الذي اعترض عليه النائب مروان حمادة. والأسماء التي توافق على ترشيحها مكتب المجلس هي: جورج عقيص، علي عمار، فيصل الصايغ، جورج عطالله، سمير الجسر، ألبير منصور، أغوب بكرادونيان؛ وثلاثة أعضاء احتياطيين هم: علي عسيران، رولا الطبش، وسليم عون.

وترشّح النّواب: بولا يعقوبيان وعلي درويش وإلياس حنكش.

ومن اللافت قبل إجراء التصويت، قيام النائب ألبير منصور التأكيد على نيّته التقدم باقتراح قانون لإلغاء المحكمة الخاصة، معتبراً أن محاكمة النوّاب والوزراء يقتضي أن تتمّ أمام المراجع العادية. وأجابه الرئيس برّي عندها: فلنعمل بما هو قائم. وفي الإتجاه نفسه قدّمت مداخلة النائبة بولا يعقوبيان والنائب سامي الجميّل.

كما عمد الرئيس بري إلى تمني أن يتمّ العمل ضمن لجنة تحديث القوانين على كيفية سير المحاكمات في المجلس الأعلى.

بالعودة إلى التصويت، أدلى بصوته في الدورة الأولى 112 نائباً (تغيّب 5 نوّاب بصفة، كما أنه تم إلغاء نيابة ديما جمالي و"تعليق" مهام النائب نواف الموسوي من قبل تكتّله النيابي بالإضافة إلى تغيّب عدد كبير من النوّاب دون أي عذر أبرزهم تيمور جمبلاط وطلال أرسلان).

وتمّ انتخاب 6 نوّاب من الدورة الأولى (بالأكثرية المطلقة) وهم: جورج عقيص (95 صوتاً)، علي عمار (100 صوتاً)، فيصل الصايغ (105 صوتاً)، جورج عطالله (97 صوتاً)، سمير الجسر(97 صوتاً)، أغوب بكرادونيان (95 صوتاً). وبالمقابل، حصلت بولا يعقوبيان على 18 صوتاً وألبير منصور على 53 صوتاً وإلياس حنكش على 65 صوتاً وعلي درويش على 28 صوتاً، بالإضافة إلى ورقة بيضاء. وتمّ انتخاب الأعضاء الإحتياطيين بالتذكية.

وقبل إجراء الدورة الثانية، انسحب كل من النوّاب ألبير منصور لإعتراضه على قيام المحكمة الخاصة أساساً، وبولا يعقوبيان وعلي درويش ليجري انتخاب إلياس حنكش بالتذكية.

 

كيف يصحح رؤساء غرف التمييز أخطاءهم؟

السؤال الذي يطرح إذا: كيف يتعين أن يصحح رؤساء غرف التمييز أخطاءهم؟ هذا يتطلب الخطوات الآتية:

أولا، دعوة جميع أعضاء غرف التمييز لجمعية عمومية لتسمية القضاة الأعلى رتبة ولتعيين النائب العام ومساعدين إثنين له في المحكمة الخاصة. وعليه، يتعين على رؤساء غرف التمييز التسليم بالمساواة بينهم وبين مستشاري محكمة التمييز في أداء الدور المناط بمحكمتهم في هذا المجال. ولهذا التصحيح أبعاد تتجاوز مسألة المحكمة الخاصة، حيث أنها تخفّف من استئثار رؤساء الغرف للسلطة في محكمة التمييز وتهميش دور المستشارين فيها، والذي يتم على أكثر من صعيد.

ثانيا، تسمية القضاة أعضاء المحكمة (وهم ثمانية يضاف إليهم 3 أعضاء احتياطيين) على أساس الأعلى رتبة. ويتعين أن تتم هذه التسمية بشكل تلقائي فور التثبت من هوية القضاة الأعلى رتبة، من دون ممارسة أي سلطة تقديرية. ولا يرد على ذلك بوجود أعراف مخالفة وفق ما نقله وزير العدل سرحان أو صرح به الرئيس جان فهد لجريدة الأخبار بتاريخ 6 مارس 2019، إذ ليس للأعراف أن تشكل قاعدة ملزمة عند وجود نص دستوري بالغ الوضوح وهو المادة 80 من الدستور. كما لا يرد على ذلك بوجوب مراعاة التوازن الطائفي، طالما أن الأخذ بأي اعتبار من هذا القبيل يكون بحد ذاته مخالفا ليس فقط لحرفية المادة 80 إنما أيضا للمادتين 12 و95 من الدستور اللتين أخرجتا المناصب القضائية من لعبة "تقاسم السلطة". وأخيرا، وأمام غموض مفهموم "الأعلى رتبة" المستخدم قانونا، فإنه يتعين على أعضاء محكمة التمييز أن يعرّفوا بشكل واضح هذا المفهوم والعمل به من ثم من دون الشذوذ عنه لأي اعتبار كان. وإن كان الفهم الأسلم وفق رأينا "الأعلى درجة" بالنظر إلى عدم صحة الأخذ بأي تراتبية داخل القضاء العدلي، لتعارضها مع مبدأ المساواة بين القضاة.

ثالثا، تعيين نائب عام ومساعدين له، من بين القضاة الذين لم تحصل تسميتهم وفق القواعد المحددة أعلاه. ومن البين إذ ذاك أن لأعضاء غرفة التمييز في هذا السياق سلطة تقديرية وتاليا مسؤولية اختيار الشخص الأفضل لممارسة مهام النائب العام ومساعديه، وهي مهام صعبة طالما أنها تتطلب كفاءة عالية واستقلالية كبيرة بالنظر إلى أنها تستهدف إلى ملاحقة رؤساء ووزراء. وقد يبدو من المناسب في هذا الخصوص اتباع أعلى معايير الشفافية، بحيث توجه دعوة للقضاة الذين يرغبون بأداء هذه المهمة لتقديم ترشيحاتهم، على أن يصار الاستماع إلى هؤلاء المرشحين واختيار من يراه أعضاء محكمة التمييز الأفضل والأنسب لممارسة هذه المهمة.

فلنتابع الخطوات التي سيقوم بها وزير العدل ورئيس محكمة التمييز في هذا الخصوص.

 

مقالات ذات صلة:

محكمة الرؤساء والوزراء في لبنان تلد مشوهة: تعيين القضاة الأعضاء خلافا للدستور والقانون