في خطوة متوقعة للمراقبين، أجاز البرلمان السوداني ظهر الإثنين 11 مارس حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس المشير عمر البشير بتاريخ 22 فبراير، في حين كانت العاصمة الخرطوم تعيش (وما زالت) على وقع التظاهرات الداعية لإنهاء حكمه ونظامه الإسلامي العسكري معاً. وكانت السلطات السودانية أعلنت بعد يومين من فرض حالة الطوارئ أنها لا تقصد به المتظاهرين، ولكنه لغرض تدارك الوضع الإقتصادي ومكافحة تهريب الذهب الخام والإتجار بالعملات الأجنبية والبشر، وهي أمور أضعفت بشدة الإقتصاد في السودان حسب قولها.

وبتاريخ 6 مارس الحالي أودعت الحكومة منضدة البرلمان طلب إجازة حالة الطوارئ التي بدأ سريانها بالفعل فور إعلانها وقد شكلت بموجبها محاكم طوارئ لحقتها أربعة أوامر طوارئ بشأن عمل تلك المحاكم، أهمها إقرار الحكم بالسجن لمدد قد تصل لعشرة أعوام بحق من سيمثلون أمامها من مخالفي حالة الطوارئ. وعند تقديم طلب الإجازة، أعاد وزير العدل محمد أحمد سالم التأكيد في معرض حديثه عن حيثيات الرئيس لفرض الطوارئ إنها كانت لمواجهة "فساد إداري ممنهج، ولم يقصد بها المتظاهرون".

عملياً بدأت محاكم الطوارئ عملها بعد خمسة أيام من صدور القرار الرئاسي. ففي الخميس الأول بعد خطاب البشير، مثل (160) متظاهراً أمام قضاة الطوارئ، في محاكم آنية، أمتدت حتى الساعة الرابعة من فجر يوم الجمعة. وقد أوقعت هذه المحاكم أحكاماً متفاوتة تراوحت ما بين السجن والغرامة. وقد لحقتها في أيام أخرى أحكام بالجلد في حق ثمانية من الفتيات بسبب التظاهر. لكن إستئناف المحامين المتطوعين للترافع عن المتظاهرين أوقف تنفيذ أحكام الجلد، بعدما دفعوا أن حالة الطوارئ نفسها لم تتم إجازتها من البرلمان.

لم يسبق للبرلمان السوداني عبر تاريخه منذ استقلال البلاد مطلع العام (1956) أن عارض قراراً لرئيس للبلد بفرض حالة الطوارئ, عدا موقفه من طلب رئيس الوزراء في آخر حكم ديمقراطي الصادق المهدي، إذ تقدم بطلب للبرلمان لفرض الطوارئ الذي كان ينتويه. لكن النواب أسقطوا الطلب ولم يجد طريقه للنفاذ. وكان الرئيس الأسبق المشير جعفر نميري فرض حالة الطوارئ في السنوات الأخيرة لحكمه، دون أن ينبس نواب البرلمان ببنت شفة.

وإذ تعيش مناطق من السودان تحت حكم الطوارئ لسنوات، فإن فرض الطوارئ لمدة عام لا يجد سابقة في مكان قريب من السودان في المنطقة أو محيطها العربي والإفريقي.

إذاً مرّر البرلمان السوداني بتاريخ 11 مارس بالأغلبية المرسوم الجمهوري رقم (6) القاضي بفرض حالة الطوارئ في البلاد بعدما قصرها من عام إلى ستة أشهر. واعترضت كتل الأحزاب (الإتحادي الأصل) و(المؤتمر الشعبي) الذي أسسه الزعيم الإسلامي الراحل حسن الترابي وكتلة (قوى التغيير) التي تجمع مستقلين وممثلي أحزاب صغيرة، بينما قال رئيس لجنة الصناعة والتجارة البرلمانية وممثل حزب الأمة الوطني الحليف للمؤتمر الوطني محمد عبد الله مسار إن الطوارئ مجربة في إحدى عشرة ولاية وكانت نتائجها إيجابية على الأمن والإستقرار.

وتعليقا على هذا القانون، صرح المحامي حسن أحمد منصور الحمّاي ل "المفكرة القانونية" إن دواعي فرض الطوارئ غير مستوفاة في قرار الرئيس. وفيما يسلم الحمّاي بأن الدستور يبيح إعلان الطوارئ في حال حدوث مشاكل إقتصادية، فإنه يرى أن مشاكل الإقتصاد السوداني ليست حديثة بل قديمة ومعلومة للرئيس نفسه منذ سنوات، بحيث يصبح التذرع به لفرض الطوارئ في غير محله. وقال الحمّاي إن المتضرر الأكبر من الطوارئ هم المتظاهرون الذين يمثلون أمام المحاكم بالعشرات بل المئات يومياً وتوقع عليهم أحكام قاسية تهدد مستقبل بعضهم الأكاديمي والمهني. ويخلص الحمّاي إلى القول بأن الطوارئ المغلفة بالوضع الإقتصادي ما كانت إلا ذريعة لفرض السيطرة على الشارع والوضع السياسي، وبخاصة في ظل مدتها الطويلة. وأردف بأن القرار فيه تخبط وكذا الأوامر اللاحقة له، بالنظر إلى أن تطبيق الطوارئ حتى الآن يقع في غالبيته الساحقة على المتظاهرين السلميين. كما يتناقض بشكل فاضح مع دعوة الرئيس للحوار السياسي, إذ لا يتسق فرض الطوارئ وتقييد الحريات الناجم عنها مع الدعوة للحوار.

إلا أن نقيب المحامين السودانيين عثمان عمر الشريف يرى وفق ما نسب له (المركز السوداني للخدمات الصحفية )المقرب من الحكومة، إن حالة الطوارئ تمضي وفقاً للدستور والقوانين الدولية. كما أنها لم تقيد الحريات العامة وحقوق الإنسان على وجه الخصوص ولم يفرض فيها حظر التجول. كما نقل عن النقيب قوله با، ترك مساحات للدفوعات في المحاكمات الفورية ينسجم مع حقوق الإنسان بدليل تبرئة عدد كبير من المتهمين في الإحتجاجات التي وصفها بغير المشروعة.

وبالعودة إلى المحاكمات، نلحظ أنه حتى الآن حوكم أمام محاكم الطوارئ مئات المواطنين من سياسيين ومتظاهرين ينادون بإسقاط النظام.

ومن اللافت أن وزير العدل محمد أحمد سالم صرح للصحفيين وأيضاً أمام النواب داخل الجلسة إنه وجّه الجهات الأمنية المعنية بالتعامل مع المظاهرات بمراعاة الضوابط لدى اقتحام المنازل. لكن المواطن (خالد ع) الذي أقتحمت الأجهزة الأمنية منزله وهي تلاحق متظاهرين احتموا فيه كما هو معتاد في مظاهرات الأحياء, يؤكد أن الطوارئ تشكل له هاجساً باعتبار أنها فوضت صلاحيات شبه مطلقة للقوات الرسمية في دخول المنازل دون سابق إنذار لساكنيها. وذكر (خالد) في حديثه ل (المفكرة القانونية) بالمقطع المصور المتداول حديثاً لسيدة بملابس المنزل العادية وهي تجادل جنوداً عن كيف سمحوا لأنفسهم بالتهجم على البيوت والناس في خلواتهم. فجاء رد الجندي أنهم يتحركون تحت مظلة حالة الطوارئ. وزاد (خالد): "في السابق كنت لأقاضيهم بالتأكيد لو صادف وجودي في البلد، فقد كنت في رحلة خارجية. لكن الآن لن يسعني سوى أن أعتدل في جلستي أنا وزوجتي ونتركهم يفتشون بيتي."

ويشير المحامي الحمّاي إلى أن الدستور السوداني لعام (2005) المستند على الشريعة الإسلامية كأحد مصادر التشريع يرفض انتهاك حرمات البيوت واقتحامها، كما أنه يخالف مبادئ الشريعة في تقييد الحريات. بينما يهتف المتظاهرون السلميون (حرية، سلام وعدالة)، وأيضاً يخالف ضوابط القوانين الأنجلوساكسوني واللاتيني التي يستمد منها الستور السوداني أصوله. ويلفت الحمّاي إلى أن الحاجة لفرض أوامر طوارئ تنتفي بسبب أن القانون الجنائي يتضمن مواد تجرم التظاهر غير السلمي وفق المواد (69,77) منه، حيث لا توجد ثغرة قانونية يتعين سدها بالطوارئ، مؤكداً أن المقصود بها تكميم الأفواه وتخويف الناس وإرهابهم.

وثمة ملاحظة يلفت لها رافضو الطوارئ في خصوص نص أحد أوامرها بأنها ستطال من ينشرون صورا لمستندات رسمية أو لأفراد رسميين أثناء قيامهم بعملهم، متساءلين إذا كانت الطوارئ المفروضة وفق خطاب السلطة لمنع تهريب الذهب أو الإتجار بالعملة، على علاقة بهذا الأمر. فالمهربون والمتاجرون لا يفعلون ذلك بخلاف المواطنين الرافضين لسلوك الأفراد النظاميين وخصوصا في قمع التظاهرات والذين لا يتوانون عن بث مقاطع فيديو أو نشر صور لأولئك الرسميين أثناء أداء مهامهم التي يعتبرها الكثير منهم متعسفة ومنتهكة لحقوق الإنسان. ويرى المحامي الحمّاي أن هذا السلوك (أي تصوير الرسميين) يعبر عن وعي حقوقي شعبي, من شأنه أن يلفت نظر السلطات لتصرفات منسوبيها ويفضح ممارسات يتوجب وقفها. ونبعا لصدور قانون الطوارئ، بدأت مجموعات مغلقة على مواقع التواصل الإجتماعي التحسب له عبر تمرير المقاطع المصورة والصور العادية عبر أعضاء بتلك المجموعات مقيمين بدول تتمتع بحريات واسعة. لكن قانونيين كالمحامي حسن منصور يرون فيه تأكيداً على بداية تآكل الحريات الأساسية ونشوء قمع إضافي، ربما لن ينتهي بإنقضاء الستة أشهر المحددة للطوارئ حالياً، مع قيام خطر تجديدها في حال استمرت الإحتجاجات الشعبية.

 

مقالات ذات صلة:

الحصانات..عقبة العدالة لضحايا السلطة في السودان

"خور العفن" تتمدّد: السودان تبكي آخر ضحايا التعذيب

الرصاص المجهول وقصة المتظاهرين في السودان