تداولت الصحف والمواقع الإخبارية في أواخر يوليو 2018 واقعة اكتشاف أهل متوفى في مستشفى القصر العيني لاختفاء قرنية ابنهم عند استلام جثته، ووجود آثار دماء وخياطة في عينيه. وكان العاملون في المشرحة قد تعمدوا تسليط خرطوم مياه على الجثة لمحاولة إخفاء الأمر عنهم. وتبعا لذلك؛ اتهم ذوو المتوفي إدارة المستشفى بسرقة قرنية ابنهم واستئصالها دون إبلاغهم، بل وصل اتهامهم إلى حدّ القول بأن استئصال القرنية قد تم ونجلهم على قيد الحياة، وباحتمالية تعمد قتله لسرقتها.[1]

وأثار الأمر جدلاً واسعاً وتعددت الآراء حول الواقعة خاصة مع تصريحات صدرت من قبل د. فتحي خضير عميد كلية طب القصر العيني بأن الأمر لا يشكل جريمة؛ وإنما هو مقنن بشكل كامل وفق قانون خاص ببنوك العيون صادر في 2003 وبأن القانون يسمح للمستشفيات بأخذ الطبقة السطحية من قرنيات عيون الموتى في المستشفيات دون اشتراط موافقتهم المسبقة أو موافقة ذويهم. في المقابل، أكد عدد من القانونيين، على رأسهم د. محمود كبيش العميد الأسبق لكلية الحقوق بجامعة القاهرة بأن ما حدث يشكل جريمة بمقتضى قانون زرع الأعضاء البشرية الصادر في 2010 والذي يحظر استئصال أي عضو من جسم إنسان إلا بعد الحصول على موافقة كتابية من المتبرع حال وفاته أو من أهله بعدها.  وبالتالي، بصدوره ألغى القانون الخاص ببنوك العيون إلغاءً ضمنياً بمقتضى "قاعدة اللاحق ينسخ السابق" المستقر عليها فقهاً وقضاءً والتي تقر بسريان القانون اللاحق في التاريخ على القانون السابق عليه، وبإلغاء القانون السابق بمقتضى القانون اللاحق ضمنياً حتى لو لم ينص القانون الجديد على الإلغاء صراحة.[2]

 

يثير الأمر عدة تساؤلات حول عملية تنظيم التبرع بالأعضاء البشرية وزراعتها في التشريعات المصرية ومدى توافقها مع الدستور الحالي.

القانون رقم 103 لسنة 1962: جواز الاستئصال بدون موافقة مسبقة

 بتاريخ 16-06-1962 صدر القرار بقانون رقم 103 لسنة 1962 بشأن إعادة تنظيم بنوك العيون لاغياً القانون رقم 274 لسنة 1959[3]. واشترط القانون الموافقة أو الإقرار الكتابي للحصول على العيون؛ في حالتين فقط وهما حالتا المتبرعين أو الموصين وكذا حالة من يتقرر استئصال عينه طبياً. أما باقي الحالات أو المصادر التي تم ذكرها مثل الموتى أو قتلى الحوادث فقد نص القانون صراحةً على أنه لا يشترط في شأنهم موافقة أحد.[4] ,ويعد هذا أول تقنين لعملية استئصال جزء من الجسد البشري دون إرادة صاحبه ورضائه الحر الموثق أو موافقة ذويه، وهو ما يثير التساؤل حول ماهية الأهداف والأغراض المرجوة من إباحته بهذا الشكل المتعارض مع أبسط مبادئ حرمة الموتى وأجسادهم، والتي كانت دوماً موروث شعبي وديني قبل أن تكون نصوص في الدساتير المكتوبة.

أما عن طريقة إغلاق العين بعد استئصال القرنية فيرجع فيها إلى اللائحة التنفيذية الأخيرة للقانون والصادرة في 1996، والتي نصت على "أن يتم استئصال العيون بالأسلوب المتبع طبيا في جراحات العيون، ويقفل الجرح بطريقة جراحية سليمة بما يضمن احترام جسد المتوفى"[5]، والمرجح أن هذا النص وهو المطبق على واقعة مستشفى القصر العيني، والذي من خلاله سيتم تكييف الواقعة على كونها مخالفة لأحكام اللائحة التنفيذية للقانون ومن الممكن أن تتعدى المخالفة التأديبية إلى المخالفة الجنائية للقانون والمعاقب عليها بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين[6].

 

هل قانون بنوك العيون ما زال سارياً بعد صدور قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية؟

صدر قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية رقم 5 لسنة 2010، ليحظر إجراء عمليات زرع الأعضاء أو أجزائها أو الأنسجة إلا طبقاً لأحكامه[7]، وأجاز نقل أي عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسم إنسان حي بقصد زرعه في جسم إنسان آخر في حالة ضرورة تقتضيها المحافظة على حياة المتلقي أو علاجه من مرض جسيم[8]. وأكد في هذا الشأن على وجوب كون التبرع صادراً عن إرادة حرة خالية من عيوب الرضاء وأن يتم إثبات ذلك كتابة.

 أما في شأن زراعة عضو أو جزء منه أو نسيج من جسد إنسان ميت فقد أجاز القانون ذلك لضرورة تقتضيها المحافظة على حياة إنسان حي أو علاجه من مرض جسيم أو استكمال نقص حيوي في جسده؛ إلا إنه اشترط في تلك الحالة أن يكون الميت قد أوصى بذلك قبيل وفاته بوصية موثقة أو مثبتة في أية أوراق رسمية والإقرار بذلك وفقاً للإجراءات التي حددتها اللائحة التنفيذية، كما أن القانون لم يتعرض إلى حالة رغبة ذوي المتوفي التبرع بأعضائه عقب وفاته وهو ما يعني عدم جواز ذلك نهائياً وتصبح الحالة الوحيدة التي يجوز فيها التبرع من شخص ميت هي حالة الوصية الموثقة الصادرة منه شخصياً قبيل وفاته[9].

ويتضح من الأحكام السابق ذكرها في قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية تعارضها مع أحكام قانون بنوك العيون المعدل سالف البيان، وهو ما أثار التساؤل؛ عقب حدوث واقعة القصر العيني المشار إليها، حول مدى صحة سريان أو إلغاء قانون بنوك العيون بصدور قانون تنظيم الأعضاء البشرية في 2010. وقد استندت الآراء القائلة بإلغاء قانون بنوك العيون ضمنياً بصدور قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية على قاعدة "اللاحق ينسخ السابق" التي تقضي بإلغاء القانون السابق ضمنياً بصدور قانون لاحق عليه في حالة التعارض فيما بينهما، ونختلف مع هذا الرأي، حيث أنه، من وجهة نظرنا، القانون رقم 103 لسنة 1962 لا زال سارياً ولم يلغ بصدور القانون رقم 5 لسنة 2010، وبأن واقعة مستشفى القصر العيني معاقب عليها وفقاً لأحكامه والتي ستقتصر على عدم اتباع الإجراءات الطبية المنصوص عليها في شأن قفل الجرح بطريقة سليمة بما يضمن احترام جسد المتوفي كما سبق الإشارة،. ونستند في رأينا السابق على حجتين تغني كل منهما عن الأخرى:

 

الحجة الأولى: على الرغم من أن قانون الأعضاء البشرية الصادر في 2010 لاحق في صدوره على قانون بنوك العيون المعدل في 2003 والقاعدة أنه في حالة تعارض قانونين أحدهما سابق والآخر لاحق عليه فإن القانون اللاحق ينسخ القانون السابق؛ إلا أن المستقر عليه فقهاً وقضاءً وطبقاً لما أكدته العديد من فتاوى قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة، أنه في حال تعارض نص تشريعي مع نص تشريعي آخر وعدم إمكان التوفيق بينهما فإنه يجب تغليب التشريع الأعلى مرتبة على التشريع الأدنى، فإن تساويا مرتبة؛ تطبق قاعدة اللاحق ينسخ السابق. ولكن إذا كان القانون اللاحق عاماً والقانون السابق خاصاً فإنه لا وجه للتعارض، إذ أن التخصيص يرفع التعارض مع النص العام، فيعمل بالخاص في خصوصه وبالعام فيما عداه، أي يظل القانون السابق الخاص سارياً رغم صدور قانون عام لاحق عليه[10].

 وبتطبيق الأمر على قانوني تنظيم بنوك العيون وتنظيم زراعة الأعضاء البشرية سنجد أن كلاهما في نفس المرتبة التشريعية من حيث كونهما قانون، أحدهما سابق وأحدهما لاحق إلا أن اللاحق عام والسابق خاص، وبالتالي وبتطبيق ما ذكر في شأن قواعد النسخ الضمني للتشريعات يظل قانون تنظيم بنوك العيون (السابق الخاص) سارياً رغم صدور قانون تنظيم زراعة الأعضاء البشرية اللاحق وذلك لكونه عاماً بالنسبة إليه.

الحجة الثانية:  والتي تجزم بسريان قانون بنوك العيون وتغنينا عن تسنيد رأينا بالفقه وفتاوى مجلس الدولة السالف ذكرها، أن قانون تنظيم زراعة الأعضاء البشرية رقم 5 لسنة 2010  قد نص صراحة في المادة 26 منه على استثناء قانون تنظيم بنوك العيون رقم 103 لسنة 1962 من الإلغاء بمقتضاه وبأن يظل القانون المذكور ساري المفعول[11] وبالتالي لا مجال للقول بإلغاء القانون المذكور صراحة أو ضمناً.

 

 مدى دستورية قانون بنوك العيون وإشكالية عدم جواز الحكم عليه بعدم الدستورية

 لم تتضمن الدساتير المتعاقبة حتى دستور 1971 أية إشارة لحرمة الجسد أو إجازة نقل الأعضاء البشرية من عدمه وهي الدساتير التي صدر في ظلها قانون تنظيم بنوك العيون. والسابقة الأولى في هذا الشأن كانت في دستور 2012 والذي أكد على حرمة جسد الإنسان وحظر  الإتجار بأعضائه أو إجراء التجارب الطبية أو العلمية عليه بغير رضاه الحر الموثق[12]، كما أكد الدستور المعدل والصادر في 2014 على ذات المبدأ وزاد عليه بأن اعتبر الاعتداء عليه أو تشويهه جريمة يعاقب عليها القانون[13].

وفي ذات السياق نص دستور 2014 على جواز التبرع بالأنسجة والأعضاء ووصفها بهبة للحياة وجعل لكل إنسان الحق في التبرع بأعضاء جسده أثناء حياته أو بعد مماته بموجب موافقة أو وصية موثقة وألزم الدولة بإنشاء آلية لتنظيم قواعد التبرع بالأعضاء وزراعتها وفقاً للقانون[14].

 ووفقاً للنصوص الدستورية السالف ذكرها يصبح قانون تنظيم بنوك العيون رقم 103 لسنة 1962 غير دستوري، من وجهة نظرنا، لتعارضه مع الدستور صراحة. إلا إنه تبقى إشكالية عدم جواز الحكم عليه بعدم الدستورية، إذ أن المحكمة الدستورية العليا استقرت على أن القوانين الصادرة قبل صدور الدستور تبقى نافذة ولا يجوز تعديلها أو إلغاؤها إلا عن طريق السلطة التشريعية، وهو المبدأ المؤكد بنص المادة 224 من الدستور الحالي والتي تنص على أن "كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدور الدستور يبقى نافذاً ولا يجوز تعديلها ولا إلغاؤها إلا وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة في الدستور". وهو ما يعني أنه حتى لو تمكن أحد المواطنين من الطعن عليه بعدم الدستورية، فإن المحكمة الدستورية العليا ستحكم برفض دعواه ولا تملك الحكم بعدم دستوريته. وبالتالي، لحين نظر المشرع في الأمر وإلغاء القانون المعيب؛ يبقى سارياً بكل أحكامه ومطبقاً على الوقائع المسندة إليه ومن بينها قانونية استئصال قرنيات الموتى في المستشفيات دون موافقة أحد.

 

 


[1] راجع الخبر المنشور على موقع اليوم السابع بتاريخ 2/ 8 / 2018، تحت عنوان "صور..القصة الكاملة لسرقة قرنية موظف بالقصر العيني".

[2] راجع الخبر المنشور على موقع مصراوي بتاريخ 1 / 8 / 2018، تحت عنوان: "جريمة أم قانون: القصة الكاملة لأزمة القرنية بالقصر العيني".

[3]  مادة 7 من القانون رقم 103 لسنة 1962  بشأن إعادة تنظيم بنوك العيون.

[4]  مادة 3 من القانون رقم 103 لسنة 1962

[5]  مادة 13 من قرار وزير الصحة والسكان رقم 417 لسنة 1996  بشأن إصدار اللائحة التنفيذية للقانون رقم 103 لسنة 1962 في شأن إعادة تنظيم بنوك العيون.

[6]  مادة 6 من القانون رقم 103 لسنة 1962 بشأن إعادة تنظيم بنوك العيون.

[7]  مادة 1 من القانون رقم 5 لسنة 2010  بشأن تنظيم زرع الأعضاء البشرية.

[8]  مادة 2 من القانون رقم 5 لسنة 2010 

[9] مادة 8 من القانون رقم 5 لسنة 2010

[10]  راجع:

  • الفتوى رقم 44 - سنة 48 - تاريخ الجلسة 5 / 1 / 1994 -  رقم الصفحة 579 - تاريخ الفتوى 16 / 1 / 1994 - رقم الملف 392/2/47

  • الفتوى رقم 403 - سنة 51 - تاريخ الجلسة 5 / 3 / 1997 -  رقم الصفحة 296 - تاريخ الفتوى 12 / 4 / 1997 - رقم الملف 32/2/2797

[11] مادة 26 من القانون رقم 5 لسنة 2010

[12] مادة 41 من دستور سنة 2012 

[13]  مادة 60 من دستور سنة 2014 

[14]  مادة 61 من دستور سنة 2014