على خلفية الحكم الصادر بالحبس ثلاثة أشهر بحق الصحافي في قناة الجديد الزميل آدم شمس الدين، أعلنت النائبة في البرلمان اللبناني بولا يعقوبيان أنها تقدمت باقتراح قانون يمنع محاكمة الصحافيين والمدنيين أمام المحاكم الاستثنائية، وأطلقت عليه اسم "قانون آدم" (بخصوص مضمون الاقتراح، أنظر أدناه). وفي تصريحها لوسائل الإعلام خلال مشاركتها باعتصام تضامني في ساحة الشهداء بدعوة من "مرصد الحراك المدني" بتاريخ 12 آذار 2019، اعتبرت يعقوبيان أنه من غير المنطقي محاكمة مواطن أو صحافي أمام المحكمة العسكرية"، وشددت على أن اقتراح القانون الذي تقدمت به، "يحد من صلاحيات المحكمة العسكرية إلى حين تقديم مشروع القانون الذي يلغي المحاكم العسكرية نهائياً". ورأت يعقوبيان أن "الأحكام التي تصدر بحق مواطنين وصحافيين بسبب انتقاد وجه لأي من السلطات هو "ممارسة دكتاتورية". "وعلى العكس فإن الديمقراطية الصلبة تتجلى عندما يكون الحاكم صدره رحبا ويتقبل الانتقاد"، بحسب ما أشارت.

من جهته أكد شمس الدين بأن وكيله القانوني المحامي أيمن رعد تقدم باعتراض على الحكم مرفقا بالدفوع الشكلية، وطلب نقل الملف إلى محكمة المطبوعات العدلية. وأشار إلى أنه تم تعيين جلسة في 4 نيسان 2019 للبت بالدفوع. وأوضح المدير الإداري والعلاقات العامة في قناة الجديد إبراهيم الحلبي للمفكرة "نحن في قناة الجديد نسعى لأجل إزالة أي مواد قانونية تتيح محاكمة الصحافيين أمام المحاكم الاستثنائية، ولا سيما العسكرية، وأن يحصر الأمر في محكمة المطبوعات، وذلك في إطار مناقشة قانون الإعلام الجديد".

وكان القاضي المنفرد العسكري في جبل لبنان العميد الركن أنطون الحلبي أسند حكمه إلى المادة 386 من قانون العقوبات، المتعلقة بتحقير موظف عام خلال ممارسته لوظيفته. وجاء في نص الحكم أن شمس الدين "أقدم على تحقير الإدارات العامة بنشر تعليقات مسيئة إلى المديرية العامة لأمن الدولة". شمس الدين كان قد انتقد في منشور على صفحته على فايسبوك تجاوزات جهاز أمن الدولة تجاه قضيتي توقيف شاب يعمل في صالون تزيين والمسرحي زياد عيتاني، وهي مخالفات ثابتة بحق هذا الجهاز. وكان المدير التنفيذي للمفكرة القانونية أشار في بيان سابق له أن شمس الدين هدف في تصريحه إلى الدفاع عن شخص محتجز تعسّفا في أضعف حالاته، في مواجهة قوى نافذة أباحت لنفسها استثمار ضعف هذا الشخص للترويج لذاتها وتعزيز نفوذها. وبذلك عبّر شمس الدين عن نخوة استثنائية (الدفاع عن شخص ليس له ملكة الدفاع عن نفسه)، نخوة في مواجهة سلوكيات قوة متنفذة أمكن وصفها من دون تجاوز أو تعسف بالنذالة.

بدورها رفضت مجموعة "مرصد الحراك المدني"، التي بادرت بالدعوة إلى الوقفة التضامنية مع شمس الدين، التعرض للحريات الإعلامية. وفي بيان قرأه الناشط غسان أبو دياب طالب ببناء "دولة تشعر بمسؤوليتها أمام مواطنيها"، وأعرب عن الرفض التام "للأحكام الاعتباطية بحق الصحافيين".

 

علام نصّ اقتراح القانون ليعقوبيان؟

بالعودة إلى اقتراح القانون، نلحظ أن الإقتراح يؤدي إلى تضييق نطاق اختصاص المحاكم العسكرية، وفقا للآتي:

أولا، أنه اعتمد الحصرية في تعداد الجرائم التي تدخل في اختصاص القضاء العسكري، على أن يكون القضاء العدلي صاحب الاختصاص في كل ما يخرج عن ذلك. ومن شأن هذه القاعدة أن تحول دون توسيع صلاحيات القضاء العسكري،

ثانيا، أنه تضمن تعديلا لقائمة الجرائم التي تدخل في صلاحية القضاء العسكري. وأبرز ما تضمنه في هذا الخصوص هو تضييق محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، بحيث تم التراجع عن اختصاص القضاء العسكري المبني على المعيار الشخصي. فلا يكون القضاء مختصا إلا في حال حصل الاعتداء من عسكري على عسكري، وأن يكون أثناء الخدمة أو في معرضها أو بسببها. وهذا يعني أن الجرائم المرتكبة من مدني ضد عسكري ومن عسكري ضد مدني أو الجرائم المرتكبة من عسكري ضد عسكري خارج إطار الخدمة، تصبح من صلاحية القضاء العدلي، ما لم تكن بطبيعتها واردة صراحة ضمن اختصاص القضاء العسكري. ومن شأن هذا المقترح أن يخفض بشكل كبير من عدد النزاعات الداخلة ضمن اختصاص القضاء العسكري، بحيث يخرج عنه جميع الجرائم التي لا تتصل بالخدمة العسكرية أو الأمنية، كما تخرج عنه جميع الجرائم التي يكون فيها المعتدي أو المعتدى عليه مدنيا باستثناء الجرائم التي تدخل بطبيعتها في اختصاص القضاء العسكري وهي الجرائم المعددة أدناه. بالمقابل، توسع الاقتراح في تعريف العسكري ليشمل عناصر الأجهزة الأمنية بما فيها الموظفين المدنيين العاملين فيها.

ثالثا، أن الاقتراح خفض عدد الجرائم التي تدخل بطبيعتها ضمن اختصاص القضاء العسكري. وقد تمثل ذلك في ثلاثة أوجه: الوجه الأول، حذف عدد من الجرائم من قائمة الجرائم الداخلة بطبيعتها في اختصاص القضاء العسكري وهي تحديدا جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو والجرائم المتعلقة بالأسلحة والذخائر الحربية المنصوص عليها في قانون الأسلحة. الوجه الثاني، الإعراض عن ذكر بعض الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص القضاء العسكري بموجب نصوص أخرى، على نحو يؤدي عمليا إلى إخراجها تبعا لاعتماد الحصر في تحديد هذا الاختصاص، والوجه الثالث، هو اعتماد الدقة في توصيف عدد من الجرائم الوارد ذكرها حاليا في القانون، على نحو يضيق من مجال تطبيقها. فبحسب الاقتراح، لا يشمل الاختصاص أي جرم مرتكب في المعسكرات وفي المؤسسات والثكنات العسكرية (كما هو الوضع في القانون الحالي) إنما الجرم الواقع على مراكز ومعسكرات وثكنات ومؤسسات الأجهزة العسكرية والأمنية باستثناء السجون. الدقة نفسها في توصيف الجرم نجدها في استبدال العبارة المطاطة الواردة حاليا (ومفادها جميع الجرائم، مهما كان نوعها، التي تمس مصلحة الجيش أو قوى الامن الداخلي أو الأمن العام) بعبارة محددة وهي الجرائم الواقعة على إنشاءات وأعتدة وأموال وآليات القوى العسكرية والأمنية.

بالإضافة إلى ذلك، نص الاقتراح على استثناء أحكام المادة 157 من قانون القضاء العسكري على مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الإجتماعي. وأهمية هذا المقترح لا تتصل فقط في إخراج الجرائم التي قد ترتكب من خلال هذه الوسائل من صلاحية القضاء العسكري، بل أيضا فتح المجال أمام المدعى عليه بارتكاب ذم بحق أي من الأجهزة العسكرية أو الأمنية، التبرؤ منه من خلال إثبات صحته.  

 

مقالات ذات صلة:

ماذا تخبرنا قضية شمس الدين؟ (2) الحس السياسي والأمني للنيابة العامة العسكرية

ماذا تخبرنا قضية آدم شمس الدين؟ (1) هكذا أصبحنا نعاقب النخوة

صدمة بعد صدور حكم حبس 3 أشهر بحق صحافيين: النيابة العامة العسكرية مسخّرة لتبييض سمعة أمن الدولة