صادق مجلس نواب الشعب يوم 16 جانفي 2019 على مشروع القانون عدد 103/2017 المتعلق بإحداث برنامج "الأمان الاجتماعي" الذي تم إيداعه من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية قبل سنة تقريبا بـ118 صوتا. ولم يستغرق النظر في مشروع هذا القانون طويلا. كما أنه لم يشهد عديد الخلافات إذ تم تخصيص 15 اجتماعا للجنة الصحة والشؤون الاجتماعية وجلستين عامتين لمناقشته. ويعد هذا القانون من بين القوانين القليلة التي تم سنّها خلال هذه السنة والتي تتميز ببعد اجتماعي عميق. فقد جاء هذا القانون في مناخ اقتصادي واجتماعي صعب، حيث بلغت نسبة العائلات التي تعاني الفقر5.25%، حسب وزير الشؤون الاجتماعية، 3% منهم يعانون من الفقر المدقع[1]. فبمجرد صدوره[2]، بادرت وزارة الشؤون الاجتماعية إلى إعلام المواطنين بالامتيازات التي يتضمّنها والتحسيس بضرورته[3].

ويهدف هذا القانون إلى وضع برنامج يسعى في الفصل الأول منه إلى "النهوض بالفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل". فهذا القانون ليس الأول من نوعه في النظام القانوني التونسي الذي يهدف إلى تحقيق هذا البعد الاجتماعي. فقد سبقته ترسانة قانونية متشعبة تعود إلى ستينيات القرن الماضي[4]. ولترجمة هذا البعد بعنوان القانون، تم اعتماد مفهوم "الأمان الاجتماعي"هو علامة مسجلة «Label» وعليه فليس لها نظير في اللغات الأجنبية وأن هذه التسمية تعكس "هدف الحكومة في المرحلة الحالية إلى ضمان الأمان والسلم الاجتماعيين لكل المواطنين"[5].

وبالرغم من أهمية هذا القانون ووقعه الاجتماعي والسياسي، قبل أشهر من الانتخابات التشريعية، تحقق النصاب القانوني للتصويت على عدد من فصوله بصعوبة بالغة، وذلك نظرا للتغيب الكبير للنواب أثناء مناقشة مشروع هذا القانون. وقد جاء هذا القانون أساسا لوضع برنامج اجتماعي أكثر فاعلية من البرامج التي سبقته والتي إلى جانب التعقيد الكبير الذي أسست له للانتفاع بها، وسّعت من دائرة الفقر وثقافته. فقد أسسّ هذا القانون، من جهة، لعدد من الإصلاحات صلب المنظومة الاجتماعية أهمها توحيد نظام المعلومات كما تضمّن ظاهريا، من جهة أخرى، عديد الامتيازات لفائدة الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل.

 

قانون يهدف أساسا إلى توحيد المعلومات المتعلقة بالمنظومة الاجتماعية

ينص الفصل 3 من القانون الأساسي المتعلق ببرنامج "الأمان الاجتماعي" على ضرورة وضع استراتيجية وطنية "للإدماج الاجتماعي والتمكين الاقتصادي للحدّ من الفقر والأسباب المؤدية إليه" يقع تحديدها من قبل الدولة دون تحديد الهيكل المعني مباشرة. ويقصد بمفهوم "الإدماج الاجتماعي" السعي نحو تحقيق مجتمع "... يرتكز ... على احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية كافة، والتنوّع الثقافي والديني، والعدالة الاجتماعية وحاجات الفئات الضعيفة والمحرومة الخاصة، والمشاركة الديمقراطية وحكم القانون يمكن تحقيق كل ذلك من خلال اعتماد الآلية المناسبة من أجل توفير فرص متكافئة لتحقيق الإمكانيات الكاملة والمشاركة في عمليات صنع القرار في حياتهم اليومية وتلك التي تحدّد مستقبلهم"[6]. كما اعتبر الفصل 4 منه أن "المساهمة في التوقي من الفقر والحد منه والارتداد إليه وتوارثه" و"مساعدة وتعزيز الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية" وكذلك "توفير ظروف العيش الكريم للفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل والعمل على النهوض بها" مع "تأمين نفاذهم إلى الخدمات الصحية والتربوية والتكوينية وإدماجهم الاقتصادي والاجتماعي" من قبيل المسؤولية الوطنية التي يجب على الدولة العمل على تحقيقها. هذه المسؤولية لا تُلقى فقط على عاتق السّلط المركزية وإنما تمتدّ إلى الجماعات المحلية وإلى المؤسسات والمنشآت العمومية كذلك بهدف إرساء نظام اجتماعي يقوم على ثقافة القرب.

كما أسس هذا القانون لمؤسستين جديدتين وهما : أولا، المجلس الأعلى "للتنمية الاجتماعية" والذي يتولى، حسب الفصل 5 من القانون، تقييم وتنسيق ومتابعة السياسات الاجتماعية للدولة في مجال الإدماج الاجتماعي. وثانيا، الوكالة الوطنية للإدماج والتنمية الاجتماعية التي يتمثّل دورها خاصة في مسك سجل المعطيات حول الفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل" وهو ما يندرج ضمن أهم الإصلاحات التي جاء بها هذا القانون. إذ يتمثل تشتت المعطيات وتوزّعها بين عديد الوزارات والإدارات من بين النقاط السلبية للبرامج الاجتماعية السابقة وذلك نظرا لضعف الحوكمة عند تطبيقها. وقد لاحظ وزير الشؤون الاجتماعية أنه قد تم الكشف عن 9170 منتفع دون وجه حق بأنظمة الحماية الاجتماعية وذلك من خلال تشريك المجتمع المدني فقط. وقد تم منذ سنة 2013، البدء في تركيز نظام المعرف الوحيد[7]  ويعتبر هذا القانون من بين التطبيقات الأولى له. كما أكّد أن إنجاز برنامج "الأمان الاجتماعي" يتطلب استكمال هذا المشروع الذي سيمكن من توجيه المساعدات للمستحقين فعلا دون سواهم، فضلا عن دوره الفعّال في إصلاح منظومة الدعم التي سيمكّن إصلاحها (أي إعادة النظر فيها بطريقة لم يفصح عنها الوزير صراحة) من تمويل جزء كبير من هذا البرنامج،  وهو ما يتم العمل عليه حاليا بالتعاون مع البنك الإفريقي للتنمية والبنك الدولي.

ولئن جاء هذا القانون بكل هذه الإصلاحات إلا أنه بقي قانونا لا يعالج سوى مظاهر الفقر دون الخوض في أسبابه ومعالجته معالجة جذرية. فالتعريف الوارد صلب الفصل الثاني منه للفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل لا ينطبق سوى على الفقر متعدد الأبعاد الذي يمسّ "الدخل والصحة والتعليم والسكن والنفاذ إلى الخدمات العمومية وظروف العيش" وبالتالي، يكون مجال انطباق هذا القانون مجالا ضيقا إذ لابدّ من أن يطال الحرمان كلّ هذه الأبعاد حتى ينخرط الشخص في مجال هذا القانون وهو ما لا يتماشى مع التوصية 202 لمنظمة العمل الدولية المتعلقة بإرساء الأرضية الوطنية للحماية الاجتماعية. فقد أقرت هذه التوصية ضرورة وضع تدابير وقائية عند قيام الدول الأعضاء بتصميم وتنفيذ الأرضيات الوطنية للحماية الاجتماعية[8] وهو ما لم يشر إليه هذا القانون.

هذا القانون وإن عكس في جزء كبير منه إرادة لإصلاح المنظومة الاجتماعية لفائدة الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل، فإن تطبيقه يخضع في جزء كبير إلى رغبة الحكومة. إذ أن تحديد هذه الفئات وإحداث كلّ من المجلس الأعلى للتنمية الاجتماعية والوكالة الوطنية للإدماج والتنمية الاجتماعية متروك لأوامر حكومية لاحقة. وهو ما يخضع إلى التوجه السياسي للحكومات المقبلة ورغبتها في تفعيل أحكام هذا القانون أو عدمه.

 

قانون يؤسس ظاهريا لعدد من المنافع لصالح الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل

يضع القانون الأساسي المتعلق بوضع برنامج "الأمان الاجتماعي" جملة من الامتيازات كتفعيل عدد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأشخاص. فالفصل 11 منه ينص على تمكين الفئات الفقيرة من تحويلات مالية مباشرة تصرف لهم كلّ شهر  كما ينصّ الفصل 12 كذلك على توفير دعم مادي ظرفي سواء لفائدة الفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل. هذه الامتيازات المالية سيقع تحديدها وتحديد المنتفعين بها من قبل الوزير المكلف بالشؤون الاجتماعية ووزير المالية. وللتذكير فإن تمكين الفئات الفقيرة اليوم في تونس من مبالغ مالية شهرية يتم عبر "البرنامج الوطني لإعانة العائلات المعوزة" الذي أحدث منذ سنة 1986 والذي يشمل اليوم قرابة 250 ألف منتفع بمنحة شهرية بلغت سنة 2018 قيمة 180 دينارا. فبخصوص هذه الامتيازات، نجد أن النظام التونسي نظام يسعى إلى إدخال أكثر ما يمكن من الشرائح ضمن الأشخاص المنتفعين بها. ففي ألمانيا مثلا لا يتجاوز عدد المنتفعين بمثل هذه البرامج 133 ألف منتفع سنة 2014[9] كما لا ينتفع بهذه المنافع في فرنسا مثلا سوى الأشخاص المسنين والأشخاص ذوي الاحتياجات الخصوصية نظرا لحصول المعطلين عن العمل على منح ذات طبيعة أخرى.

كما أسس هذا القانون لتكريس حقوق الفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل في النفاذ إلى الخدمات العمومية وخاصة منها التعليم والصحة. وفي الحقيقة لم يضف هذا القانون من الناحية العملية مرافق إضافية  يمكن لهذه الفئات أن تتمتع بها إذ نصّ الفصل 13 على "تنتفع الفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل بالعلاج والتداوي والإقامة في الهياكل الصحية العمومية وبالأجهزة التعويضية والميسرة للإدماج وخدمات التأهيل، وفقا للتشريع الجاري به العمل" دون إضافة. كما أعطى الفصل 13 أولوية للفئات الفقيرة ومحدودة الدخل في التمتع ببرنامج السكن الاجتماعي. هذا البرنامج الذي تم وضعه بمقتضى القانون عدد 1 المؤرخ في 16 ماي 2012 والمتعلق بقانون المالية التكميـلي لسنة 2012[10] الذي نصّ على إنجاز مشاريع سكنية ومقاسم اجتماعية لفائدة العائلات من ذوي الدخل المحدود وخاصة منهم "الغير أجراء" الذين لا تشملهم أي منظومة تمويل، أي، بلغة أخرى، الفئات المنصوص عليها بهذا القانون.  كما نصّ الفصل 15 من هذا القانون على وضع إجراءات تفضيلية في إطار برامج التكوين المهني والتشغيل لفائدة الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل كما مكّنها الفصل 16 من أولوية الانتفاع ببرامج التنمية الجهوية وبرامج الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

غير أن من بين النقاط الإيجابية التي جاء بها هذا القانون هو سحبها لا فقط على الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل من التونسيين بل كذلك على الأجانب المقيمين بصفة قانونية بالتراب التونسي. فهذا القانون قد أسس، من خلال الفصل 8 منه، إلى انتفاع الأجانب بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والتي طالما كانوا يعانون صعوبة في التمتع بها خاصة إذا ما كانوا من بين الفئات الفقيرة أو محدودة الدخل. لكن هذا التكريس يخضع إلى قيد أساسي وهو "شرط المعاملة بالمثل" هذا الشرط وإن كان منطقيا في المجال الديبلوماسي إلا أنه يصطدم بشمولية حق التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي لا يكون التمتع بها حكرا فقط على التونسيين بل يشمل جميع الأشخاص الموجودين على التراب التونسي[11]. فهذا الحدّ يمكن أن يقصي من جهة الأجانب التي لا توفّر دولهم حماية اجتماعية للتونسيين وتعسف على الشخص ومن جهة أخرى، يؤدي هذا الحدّ من إقصاء اللاجئين أو طالبي اللجوء المتواجدين بالتراب التونسي والذين غالبا ما يكونون في حالة هشاشة.     

كما أسس الفصل 9 من هذا القانون لتكريس مبدأ التمييز الايجابي المنصوص عليه صلب الفصل 12 من الدستور التونسي. كما شدّد على ضرورة تكريس هذا المبدأ لفائدة "الفئات ذات الاحتياجات الخصوصية" من جهة، وهو مفهوم فضفاض لا يمكن حصره خلافا لمفهوم "الأشخاص ذوي الاحتياجات الخصوصية"، ومن جهة أخرى لفائدة المناطق ذات الأولوية حسب مؤشرات التنمية الجهوية.  

وفي الأخير لا بد من الإشارة إلى أن مشروع هذا القانون الذي يسعى إلى تحقيق إدماج اجتماعي واقتصادي لا يذكر في أي من فصوله أي إجراء لتعديل سوق الشغل بغاية دعم وضعية الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل والتي يبقى ولوجها إلى سوق الشغل صعبا جدا نظرا للهشاشة التي تعيشها. فبالرجوع إلى التجارب الأوروبية في هذا المجال نجد أن عديد الدول مثل فرنسا قد وضع عديد الإجراءات التي تهدف إلى التقليص من الهوة بين الناشطين وتمكين الفئات الهشة من الولوج إليه في إطار تعديل سوق الشغل نحو سوق أكثر إدماجا وضمانا للفرص للجميع.

 


[1]  تقرير لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية حول مشروع القانون الأساسي المتعلق ببرنامج الأمان الاجتماعي (عدد 103/2017)، ص. 12. متوفر على الرابط التالي : http://www.arp.tn/site/servlet/Fichier?code_obj=102369&code_exp=1&langue=1

[2]  الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 11/2019، بتاريخ 5 فيفري 2019، ص. 308.

[3]  إذ عقدت الوزارة إلى حد الآن يومين إعلاميين بكل من ولايات تونس الكبرى وبنزرت حول القانون الأساسي لبرنامج الأمان الاجتماعي.

[4]  نذكر منها خاصة القانون عدد 30 لسنة 1960 المؤرخ في 14 ديسمبر 1960 المتعلق بتنظيم أنظمة الضمان الاجتماعي القانون عدد 12 لسنة 1985 المؤرخ في 5 مارس 1985 المتعلق بنظام الجرايات المدنية والعسكرية للتقاعد والباقين على قيد الحياة في القطاع العمومي... (النصوص المتعلقة بهذا المجال كثيرة)

[5]  تقرير لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية...، ص. 28.

[6]  سيدريك شقير، الإدماج الاجتماعي والديمقراطية والشباب، اليونسكو، 2013، ص. 8.

[7]  وهو عبارة عن قاعدة بيانات موحدة.

[8]  النقطة التاسعة من التوصية عدد 202 لمنظمة العمل الدولية المتعلقة بإرساء الأرضية الوطنية للحماية الاجتماعية، 30 ماي 2012.

[9] Hélène Roth, « Pauvreté et aide sociale en Allemagne- Talon d’Achille du modèle allemand ?», Bulletin de l’Association de Géographes français, n°93, Vol. 2, 2016, par. 13.  

[10]  الفصول 27 و28 و29 و30 و31 و32 منه.

[11]  وذلك حسب المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.