ألقيت هذه الكلمة خلال جلسات المؤتمر الإقليمي "القضاء العربي في ظلال الثورة (1): قضاة يتمسكون باستقلاليتهم: اي تدخلات؟ اي مقاومات؟ اي مساحة للتضامن" والذي عقدته المفكرة القانونية بالتعاون مع مؤسسة هاينرش بل - مكتب الشرق الاوسط في بيروت يومي 14 و15 تشرين الأول/اكتوبر 2011.

ان المعبرين الاساسيين اللذين يسمحان في ظل النظام  القضائي  اللبناني الحالي بتدخل السلطة الحاكمة في اعمال القضاة  هما:
1-عدم وجود استقلال مؤسساتي فعلي  للقضاء
بالنظر لتعيين غالبية اعضاء مجلس القضاء الاعلى  من قبل السلطة التنفيذية (8 من اصل 10) بمن فيهم رئيس  هذا المجلس ومدعي عام التمييز ورئيس هيئة التفتيش القضائي، بحيث يبقى القضاة مرتهنين للسلطة التي نصبتهم، فمجلس القضاء الاعلى  يشكل  رأس الهرم في السلطة القضائية  بالنظر للصلاحيات الواسعة المنوحة له بموجب القانون، فهو يشرف على اعمال القضاة، ويجري التشكيلات والمناقلات القضائية، ويؤلف مجالس التأديب، الامر الذي يجعل من اعتماد آلية  تعيين  معظم اعضائه  من قبل السلطة الحاكمة  معبرا سهلا يسمح  بتدخل هذه  السلطة   في اعمال القضاة و التي من البديهي ان تلجأ الى  انتقاء اعضاءء في المجلس المذكور  يدينون  بالولاء لها او لهذا الفريق او ذاك،  اولا يشكلون على الاقل عائقا"يحول دون امساكها بزمام الامور، فيدخل المجلس بذلك في لعبة  المحاصصة السياسية والطائفية، ولن تكون التشكيلات التي سيجريها والحالة هذه  على افضل حال في غياب معايير موضوعية محددة ومعروفة في تقييم القضاة،  وهي التي وصفها في احد الايام المغفور له القاضي الرئيس نسيب طربيه بانها "تحولت بازارا" يستفرد فيه القاضي بهدف استتباعه..."
2- الصلاحيات الواسعة اللامحدودة الممنوحة لمدعي عام التمييز
ان قراءة متأنية لنصوص مواد  قانوني اصول المحاكمات الجزائية والتنظيم القضائي  فيما يتعلق بوظائف النيابة العامة التمييزية  تظهر بوضوح  حجم الصلاحيات الواسعة الممنوحة لمدعي عام التمييزفي القانون الحالي والمخاطر الكبيرة الناجمة عن ذلك نتيجة حصر صلاحية  تحريك دعوى الحق العام والاشراف على قضاة النيابة العام  بشخص واحد مرتبط بحكم تعيينه بالسلطة التنفيذية، بما سيؤدي في الغالب الى طغيان منطق السلطة على منطق القانون، الامر الذي من شأنه ان يعرّض حقوق المواطنين وحقوق الانسان  في لبنان للخطر.
تنص المادة 13 من قانون اصول المحاكمات الجزائية على ما يلي: "يرأس النيابة العامة لدى محكمة التمييز نائب عام يعين بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل. يعاونه محامون عامون. 
تشمل سلطة النائب العام لدى محكمة التمييز جميع قضاة النيابة العامة بمن فيهم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. وله أن يوجه إلى كل منهم تعليمات خطية أو شفهية في تسيير دعوى الحق العام. إنما يبقى لهم حرية الكلام في جلسات المحاكمة.
يحيل على كل منهم حسب اختصاصه، التقارير والمحاضر التي ترده بصدد جريمة ما ويطلب إليه تحريك دعوى الحق العام فيها.
مع مراعاة أحكام المادة 79 من قانون تنظيم مهنة المحاماة وفي جميع الحالات التي تقتضي فيها الملاحقة الجزائية ترخيصا أو موافقة من أي مرجع غير قضائي، وفي حال الخلاف بين هذا المرجع وبين النيابة العامة الاستئنافية أو النيابة العامة المالية أو مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، يكون للنائب العام لدى محكمة التمييز خلافا لأي نص عام أو خاص، أمر البت نهائيا في هذا الموضوع."
كما نصت المادة 31 من قانون التنظيم القضائي رقم 15083 على الاحكام عينها.
بناء على هذه النصوص لا توجد اية ضوابط تحدد اطارا واضحا لصلاحية مدعي التمييز في تحريك الدعوى العامة، فضلا عن اعطائه اختصاص البت سلبا ام ايجابا وفقا لاستنسابه الشخصي في الخلاف الحاصل بين اي مرجع غير قضائي والنيابات العامة حول مسألة الترخيص بالملاحقة عندما يوجب القانون ذلك.
بناء على ما تقدم، يمارس مدعي عام التمييز الصلاحيات التالية :
1-   القانون يخوله وفقا" لسلطته الاستنسابية المطلقة  في ان يمتنع عن تحريك دعوى الحق العام حتى ولو كانت الجريمة مكتملة العناصر، لا شيء في النصوص يوجب عليه  اجراء الملاحقة بصورة حتمية، لا رقابة عليه من اي جهة قضائية عليا، صحيح انه كسائر القضاة يخضع لرقابة هيئة التفتيش القضائي، لكن اي تفتيش قضائي سيتحرك بوجه مدعي عام محصن ومدعّم بحكم اختياره من قبل السلطة الحاكمة،
اما لجهة ارتباطه بوزير العدل (المادة 45 قضاء عدلي)  فلقد اثبتت التجربة ان من شأن هذا الترابط ان يؤثر سلبا"على استقلال المدعي العام وحياده، لانه من الراهن ان وزير العدل يمثل السلطة السياسية، وان هذه السلطة غالبا" ما لا تكتفي بالتوجيهات العامة فيما يتعلق بالسياسة العقابية وفقا لما قصده المشترع من النص على ارتباط النيابات العامة بوزير العدل، انما قد تتدخل  ايضا لحماية مصالحها او للاقتصاص احيانا من معارضيها.
فاذا كان المدعي العام لا يملك الدعوى العامة التي هي ملك المجتمع وهو الذي يتولى تمثيله في تحريكها وفقا" لاجماع الآراء الفقهية، فكيف يمكنه ان يمتنع عن الادعاء وعن تحريك هذه الدعوى عند تحقق شروطها؟ الا يناقض ذلك طبيعة وظيفته كممثل للحق العام وبالتالي للمجتمع؟ الا يخرق بتصرفه هذا مضمون الوكالة المعطاة له من هذا المجتمع؟
2_ يعود لمدعي عام التمييز ان يوجه تعليمات خطية لاي نائب عام موجود على الجمهورية اللبنانية وعلى هذا الاخير ان يتقيد بتعليماته، بذلك يشرف على اعمال الملاحقة على امتداد الاراضي اللبنانية، الا يجب التساؤل هنا عن مبرر حرمان قضاة النيابات العامة من حقهم في اعمال تقديرهم في الدعوى على الاقل بالنسبة للاستمرار في الملاحقة اذا وجدوا ان الجريمة متكونة في عناصرها، الا يجب ان تقتصر توجيهات النائب العام التمييزي على طلب اجراء الملاحقة دون جواز طلب الامتناع عنها وفقا" لما هو معمول به في القانون الفرنسي؟ (تراجع بهذا الخصوص المادة 36 من قانون أصول المحاكمات الفرنسية).
2-  النصوص المعمول بها حاليا" فيما يتعلق بالنيابة العامة التمييزية تخالف ايضا" مبدأ المساواة في الاسلحة      (principe de l’égalitédes armes)   
ان الصلاحيات الواسعة الممنوحة لمدعي عام التمييز  تخالف قاعدة اساسيةمعتمدة في الاصول الاجرائية : هي قاعدة المساواة في الاسلحة، فهي من ناحية ووفقا" للنصوص المار ذكرها تُخضع جميع النيابات العامة للنائب العام التمييزي  بما فيها النيابة العامة المالية والعسكرية دون اية ضوابط، الامر الذي يتيح لهذا الاخير عند الاقتضاء الطلب من اي محامٍ عام خاضع لسلطته الامتناع عن اجراء الملاحقة اوالاستمرار فيها  وفقا" لمقتضيات الحال او ربما لتوجيهات السلطة  القابضة على الحكم: وذلك في مواجهة مواطن عادي اعزل قد يكون مدعى عليه او متضررا لا يملك في المقابل اية ضمانات موازية ومتناسبة مع تلك التي تتمتع بها النيابة العامة التمييزية من شأنها ان تحميه  عند الاقتضاء من اي تعسف في استعمال السلطة.
ولا يرد على ذلك بانه يبقى بامكان المتضرر التقدم بادعاء شخصي امام قاضي التحقيق لانه في بعض  الدعاوى لا يكون هناك ادعاء شخصي، كما يحصل  في الدعاوى المتعلقة باختلاس الاموال العامة، مع العلم ان القانون اعطى ايضا مدعي عام التمييز الحق في التدخل امام قاضي التحقيق في الجرائم الخطيرة (المادة 16) اذ سندا لهذا النص يعود له في هذه الجرائم ان يطلع على ملف التحقيق وان يطلب من النائب العام المختص ابداء المطالعة التي تتوافق مع توجيهاته الخطية.
بناء على النصوص المشار اليها يتبين جليا عدم وجود اية ضوابط موضوعية في القانون تحدد اطار وحدود  ممارسة الدعوى العامة من قبل مدعي عام التمييز، فان صح ان النيابة العامة هي فريق في الدعوى مهمتها الاساسية تنحصر في ملاحقة الجرائم واحالة مرتكبيها امام قضاء الحكم، الا ان ذلك لا يجب ان يعني اندماجها في اجهزة الدولة، بما يلغي استقلاليتها كجهاز قضائي مستقل ومتجرد يقتضي ان يكون همه الوحيد حماية الناس والمحافظة على امن المجتمع وسلامته.
3-امثلة عن التدخلات الحاصلة في اعمال القضاء
لقد اظهرت الممارسة القضائية في السنوات الاخيرة تعاظم تأثيرالسلطة الحاكمة والنيابة العامة التميزيية  على كافة الاجهزة القضائية لا سيما الجزائية منها وقد اخذ ذلك صورا واشكالا مختلفة باختلاف النظام والفريق الذي كان يتولى السلطة في فترة زمنية معينة.
 
1-في زمن الوصاية السورية
في هذه الحقبة  شهدنا احداثا" قضائية كانت ترجمة واضحة لتدخل السلطة في عمل القضاء:
قضية تلفزيون ال   M.T.V
فبموجب قرار صدر بالاكثرية عن محكمة المطبوعات في بيروت  اقفل التلفزيون المذكور اقفالا" تاما" (وقد خالفت مضمونه والنتيجة التي توصل اليها بصفتي كنت في حينه   مستشارة في هذه المحكمة )  وقد نتج عن ذلك  تشريد اربعماية عائلة من العاملين في هذه المؤسسة   بحجة مخالفة المادة 68 من القانون رقم 171 تاريخ 612000 والتي تحظر على كافة وسائل الاعلام تعاطي الاعلان الانتخابي خلال الحملة الانتخابية  ،وذلك على الرغم من ان ما كان يبثه هذا التلفزيون في حينه لم يكن يستوجب اتخاذ التدبير الاشد والتمثل باقفال المؤسسة اقفالا" تاما" كما ان بعض الاعلانات المشكو منها لم تكن تنطبق على مفهوم الاعلان الانتخابي الذي يروج لاحد المرشحين ،انما كانت تروج لشعارات ومبادئ تِنادي بها المعارضة تدعو الى التمسك بالحرية وتحث المواطن على ممارسة واجبه الانتخابي.
ان الخلفية السياسية لهذا القرار واضحة والضغوط التي مورست على القضاة في حينه كانت كبيرة.
-ملاحقة العماد ميشال عون على خلفية الخطاب الذي كان قد القاه امام الكونغرس الاميريكي في 1892003 والذي دان فيه احتلال سوريا للاراضي اللبنانية والممارسات الشاذة وخروقات حقوق الانسان  التي كانت تمارسها القوات السورية في لبنان، فادعت النيابة العامة التمييزية على العماد عون بجريمة تعكير علاقات لبنان بدولة صديقة وصدر قرار اتهامي في تاريخ 13112003 قضى باحالته امام محكمة الجنايات بجناية المادة 288 عقوبات، وذلك على الرغم من ان العديد من السياسيين ورجال الدين في لبنان كانوا في تلك الحقبة  يتناولون في تصريحاتهم الوجود السوري دون ان يتحرك القضاء لملاحقتهم، لكن المفارقة هي انه وما ان خرج الجيش السوري من لبنان في نيسان العام 2005 حتى تغير مسار الدعوى، فصدر في 572005 قرار عن محكمة الجنايات قضى بابطال التعقبات عنه من جناية المادة 288 من قانون العقوبات. و من سائر الجنح المسندة اليه.
-ملاحقة جمعية خيرية موالية للمغفور له الرئيس رفيق الحريري وتوقيف مسؤوليها على خلفية قيامهم بتوزيع صحائف من الزيوت على المعوزين على مقربة من الانتخابات النيابة (قبل حوالي ستة اشهر من موعدها) وذلك على الرغم من ان هذه الجمعية كانت تقوم بهذه التوزيعات منذ اكثر من ست سنوات في رمضان واعياد الميلاد، ومن المعروف ان الرئيس رفيق الحريري كان حينها في صفوف المعارضة
2- في الفترة الزمنية الواقعة ما بعد العام 2005
اعتقال الضباط الاربعة:
ابرز حدث قضائي  حصل في هذه الفترة كان استمرا ر اعتقال الضباط الاربعة مدة اربع سنوات  بعد اتهامهم بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وذلك في غياب اية ادلة جدية تدينهم، ودون ابيان ماهية الجرائم المسندة اليهم ووقائعها ودون تعليل قرار توقيفهم بما يخالف  نصوص المواد 76 و107 فقرة 4 من قانون اصول المحامات الجزائية وقرينة البراءة.
-بونات البنزين وقضايا اللجان والتقديمات العينية الممنوحة لبعض القضاة دون سواهم :
 التقديمات العينية التي تعطى لبعض القضاة النافذين على شكل بونات بنزين من بعض الاجهزة الامنية، بما يفقد القاضي استقلاليته تجاه هذه الاجهزة ( يراجع بهذا الخصوص مقال الاستاذ نزار صاغية المنشور في جريدة الاخبار في تاريخ23 ايلول 2009 ).
 وساكتفي هنا باقتباس مقاطع من مقال نشره المحامي الاستاذ اكرم عازوري حول هذه المسألة في صحيفة السفير في تاريخ 14 اذار 2009 بشأن
تكليف بعض القضاة "المحظوظين " دون سواهم بلجان او بمحاكم خاصة  تدر" عليهم بفوائد مادية:"(...) اضافة الى التشكيلات القضائية  يلجأ السياسيون الى التقديمات العينية  الى القضاة عن طريق تعيينهم في محاكم او لجان خاصة وسواء ذلك. وللحد من هذا التأثير يجب حصر تقديمات السلطة التنفيذية الى السلطة القضائية بمجلس القضاء الاعلى (...) وهكذا لا يعود القاضي يشعر نفسه مدينا" باي شكل من الاشكال لاي سياسي (...)".
ان حجم التأثيرات والضغوط التي يمكن ان تمارس على القضاء لا تخلق فقط ازمة ثقة بين المواطن العادي وقضائه من الواجب ان نعيد بناءها، انما تخلق ايضا" ازمة ضمير وشعور بالاحباط لدى العديد من القضاة بالنسبة لما آلت اليه اوضاع الوظيفة القضائية في زمننا الحاضر، بفعل تعاظم التأثيرات الخارجية عليها وما ينجم عن ذلك من استتباع وفساد.
لا بد بالتالي من عملية استنهاض ذاتية للقضاء، لكن لا بد ايضا" من المباشرة بعملية اصلاح شاملة للنصوص التي ترعى آلية اختيار اعضاء مجلس القضاء الاعلى وآلية تعيين مدعي عام التمييز، بعض الفقهاء (براديل) اقترحوا ان يتم انتخاب مدعي عام التمييز من قبل المجلس النيابي وهو طرح جدير بالمناقشة بالنظر للصلاحيات الواسعة الممنوحة له وما قد ينجم عنها من مخاطر التسييس، وما الامثلة المبينة اعلاه الا اصدق دليل على ما اقول.
فمع المحافظة على الطابع الخاص الذي تتميز به النيابة  العامة كسلطة ملاحقة تمثل المجتمع، لا بد من وضع  ضوابط تحصّنها وتحفظ حيادها واستقلالها.
اتساءل اخيرا" اذا كنا كقضاة سنبقى محافظين على هذا النمط من التعامل مع قضايانا ومشاكلنا ونحن اصحاب القضية والشأن، فنختار الانغلاق والصمت خشية التمايز او ربما حفاظا" على ما نسميه بموجب التحفظ، لا ادري؟  لكن ما قيمة هذا الموجب وما فائدته اذا كان الصمت والنمط السلبي في التعاطي سيفقدنا في النهاية سيادتنا على ذاتنا وجوهر رسالتنا وثقة شعبنا بنا. السؤال يبقى مطروحا" على كل واحد منا فهلا نقوم وننتفض ونرفض الواقع المفروض فنعيد للقضاء سموه وهيبته وللعدالة قدسيتها!