أصدر المجلس الأعلى للإعلام[1] مؤخرًا قرارًا بإصدار لائحة جزاءات وتدابير، يجوز للمجلس توقيعها على الخاضعين لسلطته[2]، وذلك رغم اعتراض قطاع كبير من الصحفيين والعاملين بالمجال الإعلامي عليها في وقت سابق[3]. فقد أرسلت نقابة الصحفيين 9 ملاحظات للمجلس يتصل أبرزها بالغرامات المالية التي طالبت بإلغائها، وحذف جميع الألفاظ المطاطة باللائحة التي تسمح بمعاقبة المخالفات الاحتمالية. كما اعتبرت النقابة أن النصوص الواردة بمنع البث والنشر تخالف قانون المجلس الأعلى للإعلام والدستور الذي حظر منع النشر أو البث إلا بضوابط محددة[4]

وتأتي اللائحة تنفيذًا للمادة 94 من القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام[5]. وأُعدت هذه اللائحة من جانب أعضاء المجلس بعد أخذ رأي المستشار القانوني للمجلس ومراجعة مجلس الدولة[6]. واعتبرت المادة 94 المُشار إليها أن التزام هذه المؤسسات باللائحة جزء لا يتجزأ من الترخيص الذي يصدره المجلس كشرط لمزاولة النشاط. وتطبق اللائحة على المؤسسات الصحفية والتلفزيونية وما يتم نشره على المواقع الإلكترونية؛ وفي بعض الأحيان مواقع التواصل الاجتماعي؛ وهو ما يستدعي قراءة متأنية لهذه اللائحة ومدى تأثيرها على ما تبقى من حرية الإعلام في مصر.

والجدير بالذكر، أنه في غضون أسبوع واحد فقط من دخول اللائحة حيز النفاذ، أصدر المجلس الأعلى للإعلام أول قرار مستندًا إليها بحجب الموقع الإلكتروني لجريدة "المشهد" وبغرامة 50 ألف جنية مصري ضد الصحيفة الورقية للمشهد تحت زعم خوض الصحيفة في أعراض الفنانات[7]، واكتفى المجلس بإرسال صورة القرار من دون أن يرفق به الواقعة التي مثلت انتهاكا لقانون المجلس الأعلى للإعلام واستوجبت الجزاء، لحقتها قناة BBC الإخبارية بغرامة 250 ألف جنية مصري لاتهامها بإهانة المصريين. وخلال كتابة هذه الأسطر ينظر المجلس في تغريم 4 قنوات أخرى.

 

التوسع في صلاحيات المجلس

عند قراءة اللائحة، نلاحظ أنها وسعت صلاحيات المجلس الأعلى للإعلام بشكل ملحوظ. طبقا للمادة 94 من قانون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام التي أشرنا إليها أعلاه، فإن من حق المجلس إصدار عددا من الجزاءات والتدابير التي أوردتها المادة على سبيل المثال لا الحصر؛ على أن تكون القرارات مسببة مع كفالة حق التظلم أمام المجلس الأعلى للإعلام نفسه، ثم الطعن أمام محكمة القضاء الإداري. 

وبالبحث في التفاصيل نجد أنه وفقًا للمادة السابعة من اللائحة، فإن هذه القرارات تعتمد بشكل أساسي على الرصد الذي تتولاه اللجان التابعة للمجلس، وعلى الشكاوى التي تصل للمجلس والتي يتولى فحصها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المادة لم تلزم المجلس بإجراء أي تحقيق سوى في حالة قرار بمنع ظهور إعلامي أو أحد الأفراد بوسيلة إعلامية. وهو الأمر الذي  يخالف - وفقا لمحامي جريدة المشهد "طارق نجيدة" - قواعد المشروعية الإجرائية، والتي تقتضي إجراء التحقيق الإداري قبل توقيع الجزاء على المؤسسات أو الفنانين أو أي كان ممن ستطاله اللائحة، لضمان الحق في الدفاع. وهي نقطة الدفاع التي ارتكز عليها نجيدة دفاعًا عن جريدة "المشهد" في دعواه أمام محكمة القضاء الإداري طعنًا على قرار حجب الموقع الالكتروني والغرامة[8].

الجدير بالذكر أن أبرز الجزاءات الواردة باللائحة هي الجزاء المالي الذي يصل إلى 250 ألف جنية مصري في حالة التحريض على الفسق والفجور، وهو يرتفع ليصل إلى 5 ملايين جنيه مصري في حالة نقل ملكية مساحات البث من دون تصريح كتابي من المجلس[9]. ذلك إلى جانب منع البث أو النشر للقنوات التليفزيونية والمنصات الإعلامية والصحف. وفي حالة عدم الالتزام، يتم توقيع غرامة مالية قيمتها 100 ألف جنيه بالإضافة إلى إمكانية حجب المواقع الإلكترونية وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي الشخصية التي يزيد عدد متابعيها عن 5000 شخص[10] بشكل مؤقت أو دائم.

 

تعدّ على اختصاص النقابات

يزاحم المجلس اختصاصات نقابات أخرى منها نقابة الصحفيين والإعلاميين. فطبقًا للمادة الثامنة من اللائحة، من حق المجلس إحالة الصحفي أو الإعلامي للمساءلة التأديبية أمام نقابته، وهو تعدّ صريح على صلاحيات تلك النقابات التي لابد أن تختص وحدها بهذا الأمر. وطبقا لنفس المادة، أصبح من حق المجلس منع ظهور المخالف في أي وسيلة سواء إعلامية أو صحفية أو إلكترونية حتى إنتهاء المساءلة، مما أنذر بأزمة بين هذه النقابات والمجلس.

وقد اعترضت النقابات على هذه الصلاحيات منذ أن كانت مجرد اقتراحات. واعتبرت النقابات أن الصلاحيات المنصوص عليها في المواد المذكورة تخالف المادة 77 من الدستور التي تمنع تدخل الجهات الإدارية في شؤون النقابات. كما تقدمت اللجنة التأسيسية لنقابة الإعلاميين بملاحظات إلى المجلس[11] تمحورت حسب تصريح محجوب سعدة سكرتير النقابة حول تناقض اللائحة مع اختصاصات النقابة، في ما يتعلق بإعطاء المجلس الحق في تحويل أعضاء النقابة للتأديب والمساءلة حسب المواد 8 و 23 و27 من اللائحة[12].

وقد ردّت لجنة الشكاوى بالمجلس على ملاحظات النقابتين، بأنه وإن كان من حق النقابات توقيع الجزاءات على أعضائها، فإن المجلس له توقيع هذه الجزاءات على الوسائل الاعلامية نفسها.

 

قرارات منفردة ودون رقابة لرئيس المجلس الأعلى للإعلام

بالإضافة إلى توسيع صلاحيات المجلس التي أشرنا إليها، فإن اللائحة أقرت صلاحيات واسعة لرئيس المجلس كذلك. فنلاحظ أنه أصبح من حقه توقيع الجزاءات والتدابير دون عرضها على أعضاء المجلس؛ وذلك في توسع واضح للصلاحيات المنصوص عليها في المادة 84 من قانون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حيث تنص على أن صلاحيات رئيس المجلس تنحصر في:

 1- إصدار اللوائح والقواعد والضوابط والمعايير المنصوص عليها فى هذا القانون بعد موافقة المجلس.

2- دعوة المجلس إلى الانعقاد.

3- تمثيل المجلس أمام القضاء وفى علاقاته بالغير.

كما يخالف هذا التوسع المادة  78 من القانون نفسه التي نصت صراحة على ضرورة حضور نصف أعضاء المجلس على الأقل عند اتخاذ أي قرار، على أن تصدر القرارات  بأغلبية أصوات الحاضرين، والأفضلية الوحيدة لرئيسه في حالة تساوي الأصوات فيتم ترجيح الجانب الذي يؤيده رئيس المجلس.

وتجدر الإشارة هنا أن المادة 7 من اللائحة نصت على صدور هذه القرارات بإرادة منفردة من رئيس المجلس في حالات الضرورة والاستعجال ومقتضيات الأمن القومي[13]، ولكن استخدام هذه المصطلحات الغير معرفة بدقة يعطي سلطة واسعة للرئيس لا يمكن حصرها. فالرئيس وحده من سيقرر حالة الاستعجال والضرورة، وما هي الأمور التي تمس الأمن القومي؛ وبالتالي، تجعل سلطاته لا حدود لها. ولا نعتقد هنا أن النص على ضرورة عرض القرار على أعضاء المجلس خلال 15 يوم لتقرير استمراره أو إلغائه ضمانة كافية لعدم انفراد الرئيس بالقرار؛ وذلك لأنه لا يمكن تصور إلغاء المجلس لقرار اُخذ تحت عنوان "المساس بالأمن القومي" خاصة في الظروف الحالية.

 

توسع صلاحيات المجلس لتشمل الإعلانات: تعدّ على اختصاصات المصنفات الفنية؟

يجوز طبقا للائحة الجزاءات بالمادة 5 منع نشر أو بث أي مواد إعلانية لفترة مؤقتة أو دائمة في حالة مخالفتها لقانون المجلس الأعلى للإعلام والقرارات الصادرة من المجلس. كما تعاقب المادة رقم 19 من لائحة الجزاءات بجزاء مالي يصل إلى 250 ألف جنية مصري، كل من ينشر إعلان مادة إعلانية تحتوي على وجوه أطفال. وكذلك تعاقب المادة 14 بمنع النشر أو البث أو الحجب أو بالغرامة 250 ألف جنية مصري في حالة كون محتوى المادة الإعلانية يتعارض مع الدستور أو يدعو إلى مخالفة القانون أو يدعو للفسق والفجور.

ونُذكر هنا أنه في رمضان 2017، قام رئيس المجلس مكرم محمد أحمد بالتصريح بأن الإعلان الذي قامت به مؤسسة الأزهر عن تلوث مياه الشرب بالصعيد يسيء إلى صورة الدولة، وناشد الأزهر بوقف الإعلان؛ وهو ما استجاب له فعلا إمام الأزهر[14]. مما يعكس رغبة الجهاز في السيطرة على المحتوى الإعلامي بشكل كلي، وحتى الإعلانات التي لم تكن ضمن اختصاصاته.

فالرقابة على محتوى المواد الإعلانية جعله المُشرع في أضيق نطاق وإختصاص أصيل لوزارة الثقافة. فبناءً على المادة رقم 2 من قانون رقم 66 لسنة 1956 بشأن تنظيم الإعلانات تكون وزارة الثقافة وتحديدًا الإدارة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية هي المخولة إصدار تراخيص للإعلانات المسموعة والمرئية. وبالتالي، تتعدى اللائحة الحالية على هذا الاختصاص.

 

الخاتمة

تضع لائحة الجزاءات والتدابير حجر عثر جديد أمام حرية الإعلام في مصر، فهي تكرس سيطرة المجلس الكاملة على المؤسسات الصحفية والإعلامية؛ بناءً على الصلاحيات الواسعة التي فصلناها. خاصة أن هذه الصلاحيات لا يقابلها أية مراقبة حقيقية على عمل المجلس. كما تأتي هذه الصلاحيات لتتعدى على صلاحيات جهات أخرى مثل نقابتي الصحفيين والإعلاميين والمصنفات الفنية؛ مما يجعل المجلس الرقيب الأعلى على الصحافة والإعلام في مصر. وهو ما ينبئ بعام جديد من انتهاكات حرية الصحافة والإعلام. 

 


[1] راجع أحمد صالح، "المجلس الأعلى للإعلام في مصر: من أداة لضمان حرية الإعلام إلى أداة للرقابة عليه"، المفكرة القانونية، 23-05-2018.

[2] الموقع الرسمي للمجلس الأعلى للإعلام، الجريدة الرسمية تنشر لائحة جزاءات الأعلى للإعلام، 19 مارس 2019.

https://goo.gl/Lc4Y33

[3] راجع رنا ممدوح، "حملة توقيعات ضد لائحة جزاءات الأعلى للإعلام..وعضو بمجلس الصحفيين: جهاز ما بالدولة يريد تمريرها"، مدى مصر، 9-12-2018.

[4]  ليلى عبد الباسط، الشروق، ننشر ملاحظات «الصحفيين» على لائحة جزاءات «الأعلى للإعلام»، 12 يناير 2019.

[5] نص قانون تنظيم الصحافة والإعلام. راجع أحمد صالح، "قوانين جديدة لتنظيم الإعلام في مصر: نحو تأميم الصحافة والإعلام والمواقع الإلكترونية"، المفكرة القانونية، 21-07-2018

[6] محمد السيد، اليوم السابع، مكرم محمد أحمد :لائحة جزاءات "الأعلى للاعلام" جاءت وفقا للقانون، 19 مارس 2019.

[7] أحمد البهنساوي، الوطن، أول تطبيق للائحة الجزاءات .. الأعلى للإعلام يحجب "المشهد" 6 أشهر، 21 مارس 2019.

[8] محمد عيسى، الوطن، "المشهد" تطعن على قرار "الأعلى للإعلام" بحجب موقعها الإلكتروني، 24 مارس 2019.

[9] مادة 14 من لائحة الجزاءات والتدابير الادارية والمالية.

المادة 12 و 25 من اللائحة.

[10] المادة 16 من اللائحة

[11] محمد السيد، اليوم السابع،  تأسيسية الإعلاميين" تتقدم بـ 7 ملاحظات على لائحة جزاءات "الأعلى للإعلام"،14 يناير 2019.

[12] نبيلة صبيح، البوابة ،سعدة: الأعلى للإعلام تجاهل ملاحظات نقابة الإعلاميين على لائحة الجزاءات، 19 مارس 2019.

[13] مادة رقم 7 من اللائحة.

[14] محمد طلبه الشافعي، الأهرام،فى استجابة لـ «الأعلى للإعلام» وقف الإعلان الخاص بتلوث مياه الصعيد، 3 يونيو 2017.